جاري التحميل...

العقل المغيّب وتديين الجهل: حين تصير الأديان سلعة في سوق الأوهام:

“إنّ التجارةَ بالأديانِ هي تجارةٌ رائجةٌ في المناطقِ التي ينتشرُ فيها الجهل”
— مقولة منسوبة للفيلسوف الإسلامي الأندلسي ابن رشد.

تُشكّل هذه المقولة المنسوبة للفيلسوف الأندلسي ابن رشد مفتاحاً حادّاً لفهم أحد أخطر التشوهات التي لحقت بالدين في سياقات تاريخية واجتماعية معينة، ألا وهي ظاهرة الاتّجار بالدين أو تديين الجهل. ففي المجتمعات التي يُغيَّب فيها العقل، ويُهمَّش فيها العلم، ويُقدَّس فيها النقل دون فهم أو تفكّر، يتحوّل الدين من قوة تحريرية إلى أداة قمعية، ومن خطاب هداية إلى مشروع سلطة وهيمنة.
_ الدين من التوحيد إلى التوظيف.

الدين في أصله، كما يرى المفكر محمد أركون، هو مجال للتساؤل حول المعنى، ورافعة أخلاقية لتحرير الإنسان من العبوديات المتعددة. إلا أن هذا المعنى ينقلب رأساً على عقب حين يُنزَع عن الدين طابعه التأويلي والروحي، ويُختزل في نصوص جامدة تُستخدم كذخيرة في معارك دنيوية. فيتحوّل الخطاب الديني إلى مؤسسة نفعية تُستخدم لتبرير الطغيان، وتسويغ الامتيازات، وقمع الحريات.
هذا ما قصده ابن رشد – الفيلسوف العقلاني الذي دعا إلى مواءمة الشريعة مع الفلسفة – حين نبّه إلى أن ازدهار تجارة الدين يتزامن مع تراجع العقل، وانكفاء الفكر، وانتشار الجهل
_ الجهل كبيئة خصبة للاستغلال.
الجهل لا يعني فقط الأمية المعرفية، بل هو في العمق انفصال الإنسان عن القدرة على التفكير النقدي. وقد أشار المفكر باولو فريري إلى أن “الوعي المغلق” هو بيئة مثالية لإعادة إنتاج الاستبداد، لأنه يخلق إنساناً لا يرى الواقع إلا من خلال ما يُلقَّن له، ويخشى أن يسائل أو يراجع.
حين تغيب التربية على التفكير، يصبح الفرد لقمة سائغة لكل خطيب يجيد تلاوة النصوص، أو واعظ يتقن دغدغة العواطف. وهنا تنشط التجارة بالدين كما تنشط السوق السوداء في أزمنة الفوضى.

_ التدين الشعبي كأداة سلطة.
في كتابه “نقد العقل العربي”، يبيّن محمد عابد الجابري كيف تحوّل “اللاّهوت الشعبي” إلى أداة لضبط الجماهير، حين تمّ تفريغ الدين من بعده العقلاني والمعرفي، وتعويضه بثقافة الخرافة والولاءات العمياء. فصار الدين “أفيوناً” لا بوصفه رسالة طمأنينة روحية، بل لأنه يُستَخدم لتعطيل التفكير النقدي، وكبح الاحتجاج، وتخدير الوعي.
وهنا لا بد من التمييز، كما يقول عبد الوهاب المسيري، بين الدين بوصفه منظومة قيمية تحرّرية، والتدين الزائف الذي يُستخدم لأغراض أيديولوجية. فالدين الحقيقي، من حيث هو دعوة للعدل والرحمة والتفكّر، يقف نقيضاً تماماً لأولئك الذين يتخذونه “مظلة” لمصالحهم أو “سُلّماً” لبلوغ السلطة.
_ تسييس الدين: من المحراب إلى البرلمان.
منذ العصور الوسطى، حين تحالف الإكليروس مع الإقطاع، إلى لحظات “تأليه الحاكم” في تاريخ الشرق، ظلّ استغلال الدين في السياسة إحدى أخطر صور “الاتجار بالأديان”. وقد نبّه المفكر الإيراني علي شريعتي إلى خطورة “رجال الدين المتحالفين مع الجهل”، داعياً إلى تحرير الدين من قبضة الكهنوت، ورده إلى منابعه النقية: العدالة، والحرية، والمساواة.
وفي السياق ذاته، ينتقد نصر حامد أبو زيد “الخطاب الديني المؤدلج” الذي لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يسعى إلى صناعة الطاعة وترسيخ الهيمنة. وهنا، لا يصبح الدين مرجعية فكر، بل سُلطة تأويل يحتكرها البعض ويستخدمونها كعصا غليظة لإسكات الآخرين.
_ مواجهة الاتّجار بالدين: نحو عقلانية تحررية.
المخرج من هذا المأزق، كما رأى ابن رشد، يكمن في تحرير الدين من الجهل، وتحرير العقل من القيود. فلا دين دون عقل، ولا فكر دون حرية. ومن هنا تأتي دعوة الفلاسفة المستنيرين إلى “إعمال العقل في فهم النص”، و”تحرير النص من القراءة السلطوية”، و”فصل الدين عن التوظيف السياسي دون فصله عن الحياة الروحية للناس”.
إنّ المعركة ليست مع الدين، بل مع أولئك الذين يحوّلونه إلى أداة بيع وشراء، في أسواق الجهل، وعلى منابر الطغيان، وتحت أقبية الفساد. ومعركة كهذه تتطلب وعياً نقدياً، وتربية على العقلانية، ودفاعاً عن التعدد والتأويل، لا عن الحرفية والجمود.
_ خاتمة:
في مجتمعات العقل الحي، يصبح الدين لغة تسامٍ إنساني، لا أداة ابتزاز. أما في مجتمعات الجهل، فالدين يتحوّل إلى قناع، والواعظ إلى تاجر، والمقدس إلى سوق، والعقل إلى جريمة.
إنّ مقولة ابن رشد ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل هي تحذير تاريخي من خطر تديين الجهل، وتذكير بأن أخطر ما يصيب الأديان ليس الهرطقة بل الابتذال، ولا الزندقة بل التجارة باسمها.