الرسالة رقم “٣ ”
في التجارب الوطنية الكبرى لا تُقاس قوة الحركات بتاريخها فقط، بل بقدرتها الدائمة على البقاء قريبة من نبض الناس والإصغاء إلى ما يختبئ في قلوبهم من أمل وتعب وأسئلة مؤجلة.
ومن هنا تأتي الرسالة الثالثة في هذه السلسلة لتضع يدها على واحدة من أهم غايات المؤتمر: تجديد الشرعية الشعبية وإعادة وصل القرار الوطني بصوت الجماهير.
فالمؤتمر، في معناه الأعمق ليس اجتماعًا للنخب وحدها ولا مناسبة داخلية محصورة بالأطر التنظيمية، بل يجب أن يكون صدى حيًا لوجدان الشارع الفلسطيني بكل ما يحمله من آمال في الإصلاح وتطلعات إلى الكفاءة ورغبة صادقة في رؤية نظام سياسي أكثر قربًا من الناس وأكثر قدرة على تمثيلهم.
إن الشرعية الحقيقية لا تُبنى فقط عبر النصوص والأنظمة بل عبر الثقة.
والثقة تنمو حين يشعر المواطن أن صوته حاضر في صناعة القرار وأن همومه اليومية ليست بعيدة عن طاولة النقاش وأن الحركة التي قادت الوعي الوطني ما زالت ترى في الناس مصدر القوة الأولى ومبرر استمرارها.
من هنا، فإن المؤتمر يمثل فرصة ثمينة لإعادة الاعتبار للقاعدة التنظيمية وللجمهور الواسع بحيث يشعر كل فتحاوي وكل فلسطيني أن هذا الحدث الكبير يخصه ويعبر عنه ويحمل شيئًا من صوته وآماله.
فحين تنجح الحركة في إعادة وصل القيادة بالقاعدة والفكرة بالشارع فإنها لا تجدد شرعيتها فقط بل تجدد قدرتها على قيادة المستقبل.
إن شعبنا الذي تحمل أعباء المرحلة بكل صبر وكبرياء يستحق أن يرى في المؤتمر رسالة واضحة مفادها أن الإنسان الفلسطيني هو مركز الفعل السياسي وغايته.
فالحديث عن الإصلاح وبناء المؤسسات وتجديد الأداء لا يكتمل إلا إذا شعر الناس بأنهم شركاء حقيقيون في هذه العملية، لا مجرد متلقين لنتائجها.
كما أن تجديد الشرعية الشعبية يعني أن تكون لغة المؤتمر أقرب إلى الناس وأن تخرج مخرجاته محملة بروح الشارع واحتياجات الشباب وتطلعات المرأة وهموم الموظف وآمال التاجر وصبر المخيم وثبات القرية ووجع غزة وصمود القدس وكرامة الضفة وحنين الشتات.
وإلى العالم، تحمل هذه الرسالة بعدًا مهمًا:
أن الحركة الوطنية الفلسطينية لا تستمد قوتها من تاريخها وحده بل من قدرتها المستمرة على إعادة إنتاج الثقة الشعبية وعلى بناء نموذج سياسي يستند إلى الناس لا ينفصل عنهم ولا يتقدم عليهم بل يسير معهم وإليهم.
إن المؤتمر، إذا نجح في هذا المسار لن يكون مجرد محطة تنظيمية ناجحة فقط بل لحظة استعادة للعقد المعنوي بين الجماهير وقيادتها وبداية مرحلة جديدة يصبح فيها صوت الناس أكثر حضورًا في القرار وأكثر تأثيرًا في رسم ملامح الغد.
هذه هي الرسالة الثالثة:
أن فلسطين تحتاج اليوم إلى شرعية تُصاغ من ثقة الناس وأن فتح تملك عبر مؤتمرها فرصة حقيقية لتجديد هذا المعنى النبيل وإعادة بناء الجسر الأهم في كل مشروع وطني ناجح:
وهو الجسر الممتد بين القيادة والشعب.








