في عالمٍ تعجّ به العناوين الرنّانة وادّعاءات التنوير، تبرز ظاهرة “المثقف المتبلِّد” بوصفها أحد أخطر وجوه الأزمة الفكرية في مجتمعاتنا المعاصرة. إنه ليس شخصاً عديم الثقافة أو فقير المعرفة، بل هو من يمتلك أدوات الاطلاع، لكنه يوظّفها لتكريس الجمود، لا لفتح آفاق جديدة. يجلس على منصّات الحوار، ويتصدّر المنابر، لكنه في الحقيقة لا يقدّم إلا تكراراً مُنمّقاً للموروث، وتحذيراً مُبطّناً من النقد والتجديد. إنه نتاج صريح لما يمكن تسميته بـ”خوابي وخزانات الجهل المقدَّس”.
الجهل المقدَّس: قيدٌ مغلَّف بالإجلال
فالجهل هنا ليس غياب المعرفة، بل قَدْسَنة ما لا يُمسّ من أفكار وأعراف. وقد تحدّث المفكّر الفرنسي أوليفر روي عن هذه الظاهرة بوصفها نوصلها نوعاً من “التحصين الثقافي” الذي يجعل من التفكير النقدي فعلاً شبه محظور. وفي ظل هذا السياق، يتحوّل المثقف المتبلِّد إلى حارس لهذا القيد، يجمّله باسم الاعتدال، ويحذّر من زعزعته باسم الاستقرار.
حين تصبح الثقافة تكراراً لا تفكيراً
حين تتحوّل الثقافة إلى تكرار لا إلى تفكير، فإنها تغدو خطراً على المجتمعات. فالمثقف المتبلِّد لا يفتقر إلى المعلومات، بل إلى الجرأة على استخدامها خارج السائد. وهنا نستحضر قول المفكر الفلسطيني إدوارد سعيدالخطر لا يأتي من الجهل، من الذين يعرفون ولا يفعلون شيئاً.” فهذا المثقف قد يكون حاصلاً على: “أعلى الدرجات العلمية، لكنه عاجز عن ممارسة أدنى درجات النقد الذاتي. يتحدث عن التقدّم، بينما هو غارق في تبرير التخلّف.
خوابي الجهل وصناعة العقول المؤدلجة
ما لا يُقال كثيراً هو أن هذا المثقف ليس دائماً مسؤولاً عن حاله؛ إذ غالباً ما يكون ضحية نظام تعليمي وثقافي يحارب السؤال، ويكافئ الإجابة المحفوظة. فالمؤسسات تصنعه ليكون بوقاً لا عقلاً، وأداة استعراض لا أداة تفكير. وبتعبير نعوم تشومسكي “التعليم الذي لا يعلّمك أن تشكّ هو محض ترويض.”
المثقف بوصفه صوتاً للقلق
لذا، فإننا نقف في مواجهة هذا التبلّد، انطلاقاً من أن المثقف ينبغي أن يكون صوتاً للقلق لا أداةً للتخدير. فالمثقف الحقيقي، كما يرى عبد اللع العروي هو من يرفض أن يكون مريحاً للسلطة أو للذوق العام. إنه من يخلق القلق في المجتمع، لا الطمأنينة الزائفة؛ من يُزعج بسؤاله، لا من يُرضي بإجابته. فالمعرفة لا تكفي ما لم ترافقها إرادة تحرّر وجرأة نقد.
في الختام: نحو ولادة جديدة للمثقف
إن عبارة “مثقف متبلِّد: عقلٌ مصنوع في خزانات وخوابي الجهل المقدَّس” ليست مجرّد نقد فردي، بل توصيف دقيق لمرض ثقافي عام. والمخرج لا يكون بمهاجمة الأشخاص، بل بإعادة تعريف المثقف: ليس مَن يعرف فحسب، بل مَن يُغيّر. فالعقل، إن لم يكن ثائراً، غدا سجّاناً آخر، حتى وإن تحدّث باسم الحداثة.










