دراسة فلسفية–سياسية في نهاية اللاهوت السياسي الإقصائي وتحول مركز العالم نحو آسيا
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
تمهيد: عندما يفشل اللاهوت في إنتاج الانتصار
ليست المسألة الفلسطينية مجرد نزاع على الأرض، ولا مجرد صراع بين مشروعين سياسيين متعارضين، وإنما هي أيضاً صراع بين تصورين للوجود، وللتاريخ، وللمكان، وللإنسان.
ومن هنا فإن السؤال الذي تفرضه المرحلة الراهنة ليس فقط: هل يستطيع نتنياهو أن يبقى في السلطة؟ وإنما السؤال الأعمق:
هل يستطيع اللاهوت السياسي الذي أنتج نتنياهو ومشروعه الاستيطاني أن يبقى منتجاً للشرعية التاريخية والسياسية بعد أن عجز عن تحقيق الوعود التي تأسس عليها؟
إنني أقترح في هذه الدراسة فرضية مركزية مفادها أن ما نشهده ليس مجرد أزمة حكومة إسرائيلية أو أزمة شخصية لبنيامين نتنياهو، بل أزمة في بنية التفكير الصهيوني الديني المتطرف نفسه.
فحين تتحول النبوءة إلى استراتيجية سياسية، وتتحول العقيدة إلى مشروع عسكري، وتتحول الأرض إلى وعد ميتافيزيقي يُراد فرضه بالقوة على شعب موجود تاريخياً في المكان، يصبح الفشل العسكري والسياسي والأخلاقي فشلاً في قدرة اللاهوت نفسه على إنتاج الواقع الذي وعد به.
وهنا تبدأ لحظة تاريخية جديدة.
أولاً: من «أرض الميعاد» إلى سؤال ملكية المكان
يستند جزء من الخطاب الصهيوني الديني إلى قراءة توراتية ترى أن الأرض هبة إلهية لبني إسرائيل، وأن امتلاكها ليس نتيجة للتاريخ السياسي الحديث وإنما نتيجة لعهد ديني سابق على الدولة الحديثة.
لكن هذه الرؤية تضعنا أمام إشكالية فلسفية جوهرية:
هل يستطيع نص ديني أن يتحول إلى سند قانوني وسياسي حصري لامتلاك مكان يسكنه بشر آخرون منذ أجيال متعاقبة؟
هنا ينبغي الفصل بين الإيمان الديني بوصفه حقاً روحياً للإنسان، وبين تحويل الإيمان إلى أداة لنزع حقوق الآخرين.
فالمشكلة ليست في أن يؤمن اليهود بأرض الميعاد، وإنما في تحويل هذا الإيمان إلى قاعدة سياسية تقول إن الاعتقاد الديني يمنح جماعة حقاً حصرياً في الأرض ويلغي وجود الجماعة الأخرى.
وهذا هو الانتقال الخطير:
من المقدس إلى السياسي، ومن السياسي إلى العسكري، ومن العسكري إلى مشروع الإقصاء.
ثانياً: لاهوت نتنياهو بوصفه لاهوتاً سياسياً
لا يمكن اختزال بنيامين نتنياهو في مجرد سياسي يميني. فقد أصبح خلال سنوات طويلة أحد أهم ممثلي تركيب سياسي يجمع بين:
القومية اليهودية؛
الأمننة القصوى للصراع؛
الاستيطان؛
توظيف الذاكرة التاريخية اليهودية؛
التحالف مع التيارات الصهيونية الدينية؛
الاستناد إلى بيئات مسيحية إنجيلية داعمة لإسرائيل، ولا سيما في الولايات المتحدة.
ومن منظور فلسفة السياسة يمكن تسمية هذا التركيب بـ:
«لاهوت السيادة».
فالسيادة هنا لا تُفهم فقط بوصفها سلطة دولة، وإنما بوصفها حقاً تاريخياً مقدساً لا يجوز التفاوض حوله.
وهذا ما يجعل الفلسطيني في هذا التصور ليس مجرد خصم سياسي، بل يتحول إلى عائق أمام تحقق وعد تاريخي متخيل.
ومن هنا تأتي خطورة اللاهوت السياسي عندما يصبح صاحب القرار مقتنعاً بأن التنازل السياسي ليس مجرد خسارة استراتيجية، وإنما خروج عن إرادة التاريخ أو إرادة الله.
ثالثاً: السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما تفشل النبوءة؟
النبوءة، حين تكون دينية، لا تُختبر بالمعايير نفسها التي تُختبر بها الاستراتيجية السياسية.
لكن عندما تتحول النبوءة إلى برنامج سياسي وعسكري، فإنها تدخل عالم التاريخ، وبالتالي تصبح قابلة للاختبار.
وهنا تظهر المفارقة.
لقد سعى اليمين الصهيوني الديني إلى بناء تصور يقوم على إمكانية حسم الصراع عبر القوة، وإضعاف الوجود الفلسطيني، وفرض واقع جديد على الأرض.
لكن استمرار الوجود الفلسطيني، واستمرار الهوية الوطنية الفلسطينية، واستمرار المطالبة بالدولة والحق والاعتراف الدولي، كلها تشير إلى أن محاولة تحويل القوة العسكرية إلى حل نهائي للمسألة الفلسطينية لم تنتج النتيجة التي أرادها أصحابها.
وهذا لا يعني أن الصراع انتهى أو أن مشروعاً سياسياً بعينه انتصر بصورة نهائية، بل يعني شيئاً أكثر أهمية:
أن تحويل القوة إلى بديل عن السياسة لم ينتج نهاية للصراع.
ومن هنا يمكن القول فلسفياً:
عندما تعجز النبوءة السياسية عن إنتاج المستقبل الذي وعدت به، تبدأ مرحلة مراجعة السلطة التي حملتها.
رابعاً: نتنياهو وأزمة «النهاية»
لقد حاول نتنياهو، بدرجات مختلفة، أن يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها مشكلة يمكن إدارتها أو احتواؤها أو تجاوزها، بدلاً من اعتبارها قضية سياسية تتطلب حلاً تاريخياً.
غير أن التاريخ لا يقبل دائماً أن يُدار إلى ما لا نهاية.
فالفلسطيني الذي كان يُراد اختزاله إلى مشكلة أمنية بقي حاضراً بوصفه ذاتاً تاريخية.
وهنا تظهر أهمية مفهوم هيغل عن الاعتراف.
فالوجود السياسي لا يكتمل بمجرد امتلاك القوة، وإنما يحتاج إلى الاعتراف بالذات والآخر.
وإذا حاول طرف أن يلغي الطرف الآخر من التاريخ، فإنه لا يلغي الآخر بالضرورة؛ بل قد يدفعه إلى إعادة إنتاج ذاته بصورة أكثر قوة.
وبذلك تصبح القضية الفلسطينية مثالاً على استحالة بناء سلام دائم من خلال إلغاء الآخر.
خامساً: من «اقتلاع الفلسطيني» إلى استحالة اقتلاع الذاكرة
المشروع الذي يريد اقتلاع الإنسان من المكان يواجه مشكلة فلسفية لا تحلها القوة العسكرية:
الإنسان ليس جسداً فقط.
الإنسان ذاكرة، ولغة، واسم، وقبر، وقرية، ومدينة، وعائلة، وأغنية، وموروث، وتاريخ.
ولهذا فإن اقتلاع الفلسطيني من المكان لا يعني بالضرورة اقتلاع فلسطين من وعيه.
بل يمكن أن يؤدي الاقتلاع إلى العكس تماماً:
كلما ازداد الضغط على المكان، ازداد حضور المكان في الذاكرة.
وهنا نستطيع الاستفادة من هايدغر، الذي جعل علاقة الإنسان بالمكان والوجود علاقة عميقة تتجاوز الملكية المادية.
فـ«المكان» ليس مجرد مساحة جغرافية.
المكان هو حيز الوجود الإنساني.
ومن ثم فإن تحويل المكان إلى ملكية ميتافيزيقية حصرية يتناقض مع الطبيعة الإنسانية للمكان ذاته.
سادساً: الصهيونية الدينية والمسيحية الإنجيلية
لا ينبغي النظر إلى الدعم المسيحي الإنجيلي لبعض السياسات الإسرائيلية بوصفه مجرد تحالف سياسي عابر.
هناك في بعض التيارات الإنجيلية الأمريكية قراءة لاهوتية للتاريخ ترى في قيام إسرائيل وتحقيق السيطرة على الأرض جزءاً من مسار ديني أخروي.
وهنا تلتقي منظومتان:
لاهوت يهودي قومي متطرف من جهة، وقراءة مسيحية إنجيلية أخروية من جهة أخرى.
لكن المفارقة أن الطرفين قد يستخدمان فلسطين لتحقيق تصور ديني مختلف.
أي أن الأرض الفلسطينية تتحول إلى مسرح لنبوءات الآخرين.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي:
أين يوجد الفلسطيني في هذه النبوءات؟
هل هو إنسان له إرادة وحقوق وتاريخ؟
أم مجرد عنصر في سيناريو لاهوتي كُتب من دونه؟
وهذه إحدى أكبر مشكلات اللاهوت السياسي عندما يتحول الإنسان إلى أداة في قصة ميتافيزيقية لا يملك حق كتابة فصولها.
سابعاً: من فشل نتنياهو إلى احتمال نهاية مرحلة سياسية
لا يجوز علمياً الجزم بأن نتنياهو «سيرحل قريباً» بوصف ذلك حقيقة مؤكدة؛ فالمستقبل السياسي لا يُحسم بالتنبؤ.
لكن يمكن طرح فرضية سياسية قوية:
إن استمرار الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة، وتزايد التناقضات الداخلية، وتآكل الثقة، واستمرار القضية الفلسطينية رغم القوة العسكرية، قد يدفع النظام السياسي الإسرائيلي إلى إعادة إنتاج قيادته.
وبذلك فإن رحيل نتنياهو، إن حدث، لن يكون بالضرورة نهاية للمشروع الصهيوني.
وهنا يجب أن نكون أكثر دقة.
الأهمية التاريخية لا تكمن في سقوط شخص، وإنما في السؤال:
هل سيسقط معه النموذج السياسي الذي مثّله؟
وهذا هو السؤال الأكبر.
ثامناً: انتحار الثنائية القديمة
لقد حكمت السياسة الدولية لفترة طويلة ثنائية تبدو مغلقة:
الغرب/الشرق
إسرائيل/الفلسطيني
القوة/المقاومة
المركز/الهامش
المنتصر/المهزوم.
لكن العالم يتغير.
وإذا كان القرن العشرين قد تشكل إلى حد كبير حول مركزية أوروبا ثم الولايات المتحدة، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد انتقالاً متزايداً في الثقل الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي نحو آسيا.
وهنا تظهر الصين كقوة عالمية كبرى.
لكن صعود الصين لا يعني ببساطة استبدال إمبراطورية بإمبراطورية.
إن الأهمية الأعمق تكمن في اختلاف بعض الأسس الفكرية التي يمكن أن تُستعاد في قراءة السياسة الصينية، وخاصة التراث الكونفوشيوسي.
تاسعاً: من فلسفة الصراع إلى فلسفة الانسجام
في الفكر الكونفوشيوسي يحتل مفهوم الانسجام مكانة مركزية.
ولا يعني الانسجام إلغاء الاختلاف، بل إدارة الاختلاف بطريقة تمنع تحوله إلى تدمير متبادل.
وهنا تظهر إمكانية بناء مقاربة فلسفية جديدة للقضية الفلسطينية.
فبدلاً من السؤال:
من يملك الأرض وحده؟
يمكن أن يصبح السؤال:
كيف يستطيع الإنسانان الفلسطيني واليهودي أن يعيشا في المكان نفسه ضمن نظام سياسي يضمن الحقوق والكرامة والعدالة؟
هذا التحول من منطق الامتلاك إلى منطق المشاركة يمثل انقلاباً فلسفياً حقيقياً.
عاشراً: الصين وفلسفة الإنسان
لا ينبغي تقديم الكونفوشيوسية بصورة رومانسية أو اعتبارها حلاً آلياً للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
لكن يمكن استخدامها بوصفها إطاراً فلسفياً مقارناً.
فالمفاهيم الكونفوشيوسية المتعلقة بالإنسانية، والعلاقة الاجتماعية، والانسجام، والمسؤولية الأخلاقية، والحكم الرشيد، تسمح بفتح نافذة مختلفة عن المنطق الذي يرى التاريخ باعتباره صراعاً أبدياً بين جماعات لا يمكن أن تتعايش.
وهنا يمكن أن نطرح:
هل يستطيع العالم الآسيوي الصاعد أن يقدم نموذجاً مختلفاً للعلاقات الدولية، أقل اعتماداً على منطق الهيمنة وأكثر اهتماماً بالتوازن والتعايش؟
إنها ليست نتيجة محسومة، بل سؤال تاريخي مفتوح.
الحادي عشر: الدولة الفلسطينية في الزمن العالمي الجديد
من هنا أذهب إلى الفكرة المركزية في هذه الدراسة:
الدولة الفلسطينية قد لا تكون مجرد نتيجة لتسوية إقليمية، وإنما يمكن أن تصبح جزءاً من إعادة تشكيل النظام الدولي نفسه.
فإذا كان العالم ينتقل من نظام أحادي المركز إلى نظام أكثر تعددية، وإذا ازدادت أهمية آسيا، فإن القضية الفلسطينية قد تجد نفسها أمام بيئة دولية مختلفة عن تلك التي نشأت فيها الصهيونية السياسية.
وهنا تصبح الدولة الفلسطينية:
ليس دولة للفلسطينيين فقط،
بل اختباراً لقدرة النظام العالمي الجديد على إنتاج العدالة.
فإذا استطاع العالم الجديد أن يعترف بحق الفلسطيني في الدولة والحرية والكرامة، فإنه لا يكون قد حل قضية فلسطينية فحسب، وإنما يكون قد أعلن أن القرن الجديد لا يمكن أن يستمر بمنطق القرن السابق.
الثاني عشر: فلسطين من «موضوع للصراع» إلى «ذات سياسية»
ربما كان أكبر تحول فلسفي مطلوب هو الانتقال من تصور الفلسطيني باعتباره:
موضوعاً للصراع
إلى اعتباره:
ذاتاً سياسية كاملة.
وهذا يعني أن الفلسطيني لا ينتظر أن يقرر الآخر مستقبله.
إنه يمتلك حق إنتاج مستقبله السياسي.
وهنا يمكن استدعاء فوكو ومفهومه عن علاقة السلطة بإنتاج الحقيقة.
فالسلطة لا تسيطر فقط على الأرض؛ إنها تحاول أحياناً أن تسيطر على الرواية التي تفسر الأرض.
لكن عندما يستعيد الشعب قدرته على إنتاج روايته، فإنه يستعيد جزءاً من سيادته.
ومن هنا فإن معركة فلسطين ليست فقط معركة حدود.
إنها أيضاً معركة:
من يملك حق تعريف الحقيقة التاريخية؟
الثالث عشر: هيدغر والمكان الفلسطيني
إذا أخذنا من هايدغر مفهوم «السكن» بوصفه أحد أبعاد الوجود الإنساني، فإن الأرض لا يمكن اختزالها إلى قطعة عقارية.
الإنسان يسكن المكان، والمكان يسكن في الإنسان.
وهذا يجعل فلسطين حالة فلسفية نموذجية:
الفلسطيني لا يقول فقط:
«هذه أرضي».
بل يقول في العمق:
«هذا مكاني الوجودي».
وهنا يصبح نزع المكان نوعاً من محاولة نزع الوجود.
ولهذا فإن مشروع الدولة الفلسطينية ليس مجرد مشروع إداري.
إنه استعادة للوجود السياسي بعد تاريخ طويل من محاولة تحويل الفلسطيني إلى كائن بلا سيادة.
الرابع عشر: من هوس النصر إلى عقلانية الاعتراف
ربما تكون المرحلة القادمة بحاجة إلى مفهوم جديد:
«الانتصار بالاعتراف»
فالانتصار الحقيقي ليس أن يلغي شعب شعباً آخر.
وليس أن يختفي الإسرائيلي كي يبقى الفلسطيني.
ولا أن يختفي الفلسطيني كي تتحقق نبوءة دينية.
بل أن يصل الطرفان إلى مرحلة يدركان فيها أن الوجود المتبادل هو الحقيقة التي لا تستطيع القوة إلغاءها.
وهنا يصبح الاعتراف المتبادل أكثر عقلانية من الحرب الدائمة.
الخامس عشر: نهاية لاهوت الإقصاء لا نهاية الدين
من المهم التأكيد أن نقد لاهوت نتنياهو أو الصهيونية الدينية المتطرفة لا يعني نقد اليهودية بوصفها ديناً، كما أن نقد بعض القراءات الإنجيلية السياسية لا يعني نقد المسيحية.
الموضوع هنا هو:
تسييس المقدس وتحويله إلى أداة لنزع حقوق الآخر.
فالدين يمكن أن يكون مصدراً للأخلاق والرحمة والعدل.
لكن عندما يتحول إلى تفويض سياسي لإقصاء الآخرين، فإنه ينتقل من مجال الإيمان إلى مجال السلطة.
وهذا هو موضع النقد الفلسفي.
السادس عشر: فلسطين وعالم ما بعد الحداثة
في عالم ما بعد الحداثة تتراجع فكرة الحقيقة السياسية الواحدة والمركز الواحد.
ويصبح الاعتراف بالتعدد والاختلاف والتنوع جزءاً من بناء الشرعية.
ومن هنا يمكن أن تكون القضية الفلسطينية أكثر قابلية للعدالة في عالم متعدد المراكز من عالم تحكمه قوة واحدة أو رواية واحدة.
ففلسطين تستطيع أن تتحول من:
قضية تبحث عن الاعتراف
إلى:
قضية تختبر مفهوم الاعتراف ذاته.
وهذا تحول بالغ الأهمية.
خاتمة: من موت النبوءة إلى ولادة السياسة
إن ما نراه اليوم، من منظور فلسفي، يمكن أن يُقرأ باعتباره صراعاً بين زمنين:
زمن قديم تحاول فيه الأسطورة أن تحكم التاريخ،
وزمن جديد يحاول فيه الإنسان أن يحكم مصيره.
إن فشل أي مشروع سياسي لا يُقاس فقط بعدد المعارك التي ربحها أو خسرها، وإنما بقدرته على تحقيق الهدف التاريخي الذي أعلن أنه يسعى إليه.
وهنا تكمن أزمة المشروع الذي يريد إنهاء القضية الفلسطينية بالقوة.
فالقضية الفلسطينية لم تختفِ.
والهوية الفلسطينية لم تختفِ.
والمكان لم يتحول إلى فراغ.
والفلسطيني لم يتحول إلى «عصف مأكول» كما أراد بعض الخطابات الإقصائية أن تتخيل.
بل بقي الإنسان الفلسطيني موجوداً في المكان، وبقيت فلسطين موجودة في الذاكرة، وبقي سؤال الدولة قائماً في السياسة الدولية.
ومن هنا يمكن صياغة الفكرة الأخيرة للدراسة:
إن انحسار لاهوت الإقصاء لا يعني نهاية اليهودية، ولا نهاية المسيحية، ولا نهاية الدين؛ وإنما يعني احتمال نهاية استخدام المقدس بوصفه أداة لاقتلاع الإنسان من المكان.
أما نتنياهو، فإن احتمال خروجه من المشهد السياسي ينبغي ألا يُفهم بوصفه نهاية التاريخ الإسرائيلي، بل بوصفه اختباراً لما إذا كان المجتمع الإسرائيلي قادراً على الانتقال من سياسة الحسم إلى سياسة الاعتراف.
وفي المقابل، فإن الفلسطيني أمام فرصة تاريخية:
أن ينتقل من موقع «المقاوم الذي يطلب الاعتراف» إلى موقع الدولة التي تشارك في صناعة النظام الدولي الجديد.
وهنا تبرز آسيا.
وهنا تبرز الصين.
وهنا يمكن أن يظهر سؤال الكونفوشيوسية بوصفه سؤالاً حضارياً لا مجرد سؤال سياسياً:
هل يستطيع العالم الجديد أن ينتقل من فلسفة القوة إلى فلسفة التوازن، ومن فلسفة الإقصاء إلى فلسفة التعايش، ومن فلسفة امتلاك المكان إلى فلسفة السكن المشترك فيه؟
إذا حدث ذلك، فإن ولادة الدولة الفلسطينية لن تكون مجرد ولادة دولة جديدة في الشرق الأوسط.
بل ستكون، بالمعنى الفلسفي، ولادة سياسية من رحم تحول عالمي أكبر.
إنها اللحظة التي يمكن فيها أن تنتهي الثنائية القديمة:
أنا أو أنت.
وتبدأ الثنائية الجديدة:
أنا وأنت.
وعندها فقط يصبح المكان الفلسطيني ليس أرضاً للحرب، وإنما مكاناً للإنسان.
وهنا يمكن أن تكون فلسطين واحدة من أولى علامات الانتقال من عالم الصراع على المكان إلى عالم المشاركة في المكان.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2