جاري التحميل...

انهيار المشروع الصهيوني: من تصدّع الكيان في إسرائيل إلى اهتزاز المركز الاستراتيجي في واشنطن

بقلم: الدكتور صالح الشقباوي
لم تعد أزمة المشروع الصهيوني مجرد أزمة حكومة يقودها بنيامين نتنياهو، بل أصبحت أزمة بنيوية تمسّ أسسه الفكرية والسياسية والدينية، وتهدد قدرته على الاستمرار بوصفه مشروعاً تاريخياً متماسكاً.
لقد بدأ التصدع من الداخل الإسرائيلي، مع تصاعد الصراع بين التيارات العلمانية والليبرالية والتيارات الدينية القومية المتطرفة، ومع انحسار البعد السياسي المدني لصالح مرجعية دينية تسعى إلى قيادة الدولة وتوجيه مستقبلها. وهنا تكمن المفارقة التاريخية: فالمشروع الصهيوني الذي تأسس سياسياً على فكرة الدولة القومية، أصبح يشهد تمدداً للبعد الديني على حساب العقل السياسي الحديث.
إن تحويل العقيدة الدينية إلى مرجعية حاكمة للقرار السياسي لا يعمّق الانقسام الإسرائيلي فحسب، بل يضع المشروع أمام تناقض بين منطق الدولة الحديثة ومنطق الخلاص الديني.
أما فلسطين، فقد أعادت من خلال صمود شعبها ومأساتها الإنسانية القضية إلى مركز الوعي العالمي، وعرّت التناقض بين القوة العسكرية والشرعية الأخلاقية.
وفي واشنطن، بدأت التصدعات داخل المجتمع الأمريكي تهزّ الإجماع التقليدي حول إسرائيل، خصوصاً مع اتساع الانتقادات داخل الأجيال الأمريكية الجديدة والمؤسسات الأكاديمية والتيارات السياسية المختلفة. وهذا لا يعني نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي، لكنه يشير إلى تراجع حصانته السياسية وإمكانية تحوله إلى موضوع خلاف استراتيجي داخلي.
إننا أمام احتمال انتقال المشروع الصهيوني من أزمة الشرعية الدولية إلى أزمة الهوية الداخلية، ومن أزمة الهوية إلى أزمة العلاقة مع الحليف الأمريكي.
الخلاصة: إن أخطر ما يواجه الصهيونية اليوم ليس تراجع صورتها العالمية وحده، بل اختلال التوازن بين الدين والسياسة، وبين القوة والشرعية، وبين الدولة الحديثة والمشروع التوراتي.
فحين يتقدم اللاهوت ليقود السياسة، وتتراجع المواطنة أمام العقيدة، يصبح المشروع أسير تناقضاته الداخلية.
لقد استعادت فلسطين حضورها في التاريخ، وأصبح السؤال المطروح ليس فقط عن مستقبل إسرائيل، بل عن مستقبل المشروع الصهيوني ذاته، وعن قدرته على البقاء في عالم تغيّرت موازين القوة والرواية فيه.
الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2