ليست المدن حجارةً وشوارعَ وأبنيةً فحسب، بل هي وجوه الناس الذين يمنحونها روحها ومعناها. وإذا كان لكل مدينة سرٌّ يميزها، فإن سرَّ بيتونيا يكمن في أهلها؛ في ذلك الدفء الإنساني الذي تشعر به منذ اللحظة الأولى، وفي تلك الألفة التي تجعلك غريباً بالاسم فقط، أما القلب فيصبح واحداً من أهل المكان.
حين قدمت إلى بيتونيا عام 2007، كنت أبحث عن مسكن، لكنني وجدت وطناً صغيراً. ومع الأيام اكتشفت أن هذه المدينة ليست مجرد ضاحية من ضواحي رام الله، بل صورة مصغرة عن فلسطين كلها. ففي أحيائها وعائلاتها تلتقي حكايات القرى والمدن الفلسطينية، وتجد أبناء الساحل والجبل والسهل والمخيم وقد جمعهم المكان ووحدتهم المحبة.
ومن خلال المسجد، ذلك البيت الذي تلتقي فيه الأرواح قبل الأجساد، تعرفت إلى كثير من أبناء بيتونيا. رجالٌ عرفوا معنى الأخوة، وشيوخٌ تفيض كلماتهم بالحكمة، وشبابٌ يحملون أخلاقاً أصيلة ما زالت تقاوم قسوة هذا العصر. لم أرَ بينهم إلا المودة، ولم أجد إلا حسن الجوار والاحترام والتكافل، حتى شعرت أنني بين أهلي الذين أعرفهم منذ زمن بعيد.
وبيتونيا مدينة تعرف كيف تحفظ ذاكرتها. فما زالت بيوتها الحجرية القديمة تقف شامخةً كحراسٍ للتاريخ، تروي بصمتها قصص الآباء والأجداد، وتحمل على جدرانها آثار زمن كانت فيه الحياة أبسط، وكانت العلاقات الإنسانية أكثر نقاءً. وبين تلك الحجارة العتيقة يمر التاريخ الفلسطيني بكل ما فيه من جمال وصبر وكبرياء.
وكان العنب البيتوني يوماً عنواناً لخصب الأرض وبركتها، حتى ارتبط اسم المدينة به، فصار جزءاً من هويتها وذاكرتها. وما زالت كروم الأرض وأشجارها تهمس بحكايات الفلاحين الذين أحبوا ترابها، وسقوه عرقاً وصبراً وأملاً.
غير أن بيتونيا، كفلسطين كلها، تحمل جرحها الخاص. فعلى جزء من أراضيها يقف سجن عوفر، جاثماً على صدرها كغيمة ثقيلة. هناك مرت سنوات طويلة من أعمار الأسرى، وهناك اختلطت دموع الأمهات بأحلام الحرية. وكأن المدينة كُتب عليها أن تجمع بين جمال الحياة وقسوة الاحتلال في مشهد واحد.
ومثل سائر مدن الوطن، قدمت بيتونيا شهداء ارتقوا دفاعاً عن الأرض والكرامة، وأسرى حملوا قيدهم بصبر الأبطال، ومناضلين كتبوا أسماءهم في سجل الوطن بمداد التضحية. لذلك لا يمكن أن تُذكر بيتونيا دون أن تُذكر معها معاني الصمود والثبات والانتماء.
وإذا سألتني عن بيتونيا بعد كل هذه السنوات، فلن أحدثك عن شوارعها وحدها، ولا عن أبنيتها وأسواقها، بل سأحدثك عن الإنسان فيها؛ عن الابتسامة التي تستقبلك، وعن السلام الذي يسبق الكلام، وعن الجار الذي يسأل عن جاره، وعن القلوب التي ما زالت تؤمن أن المحبة قيمة لا يغيرها الزمن.
بيتونيا ليست مدينة كبيرة على الخريطة، لكنها كبيرة في الذاكرة. ليست مجرد ضاحية لرام الله، بل نافذة تطل منها فلسطين على نفسها، وترى فيها أجمل ما تملك: الإنسان الطيب، والتاريخ العريق، والأرض المباركة، والإرادة التي لا تنكسر.
لهذا كله، ستبقى بيتونيا في القلب أكثر مما هي على الورق؛ مدينةً إذا سكنتها يوماً، سكنتْك الى الابد






