في عالم يعجّ بالخراب، حيث تتحوّل الأعياد إلى مآتم، والمهد إلى لحد، والطفولة إلى فصول نكبة مؤبّدة، لا يعود التاريخ مجرّد سردٍ لوقائع، بل يصبح شريكًا خفيًّا في الجريمة. لا لأنّه يدوّن ما حدث فقط، بل لأنه يختار كيف يدوّن، ولمن يُسند البطولة، وعلى من يُسدل ستائر الصمت. من هنا تنبع ضرورة مساءلة التاريخ، لا بوصفه أرشيفًا بريئًا، بل كخطابٍ سلطة، يُنقّح الألم، ويعيد إنتاج الوقائع في مصلحة الغالب.
أولًا: التاريخ كسلطة لا كذاكرة
في المجتمعات التي تتوالد فيها الكوارث، ويُغتال فيها المعنى كل يوم، لا يكون التاريخ مجرّد تَذْكارٍ لما حدث، بل أداة هيمنة. فالسلطة لا تحكم فقط بالجيوش والقوانين، بل أيضًا بالمرويّات. والتاريخ الذي يُدرَّس ويُذاع ويُحتفى به، هو غالبًا تاريخ المنتصر، لا تاريخ الحقيقة.
وهنا يحضرنا المفكر الفرنسي ميشيل فوكو الذي اعتبر أن التاريخ الرسميّ يُمارس كـ “خطاب سلطة”، حيث يُقصى منه المهمَّشون، ويُدفن صوت الضحية تحت ركام السردية الغالبة. إن التاريخ الذي لا ينحاز إلى الدم الساخن واللحم المحترق، هو خيانة موثقة بامتياز.
ثانيًا: من فيضان الحياة إلى فائض الدم
شكا الناس قديماً من فيض الماء، من الغرق، من سطوة الطبيعة. أما اليوم، فهم يشكون من فائض الدم، من جفاف الرحمة، من تفجّر الموت في الأزقة والمخيمات وأحذية الأطفال. إن هذا التحوّل من الطبيعة إلى الإنسان كفاعل رئيس في صناعة الفاجعة، يكشف أن الجريمة لم تعد استثناءً بل نظاماً.
وهنا لا يمكن تجاهل إشارات المفكر الألماني فالتر بنيامين، حين رأى أن “كل وثيقة حضارة هي أيضاً وثيقة همجية”. فالمُدن التي تُشاد، تُشيّد على ركام المقهورين، وعلى دماء الذين لن تُسجَّل أسماؤهم في كتب المدارس. وحين نُحلّل هذا المعنى في سياق المجازر المعاصرة، ندرك أن الطفولة المسحوقة اليوم لن تجد موطئًا في سِفر الأمة إلا كتفصيل جانبي في فصل منسيّ.
ثالثًا: المؤرخ ككائن متواطئ
المؤرخ الذي يكتب ببرودةٍ عن جثث ساخنة، ويصوغ المجازر بلغة أنيقة، هو شاهد زور، مهما كانت وثائقه دقيقة. إنه لا يكذب لأن معلوماته خاطئة، بل لأنه يسكت عن ما ينبغي أن يُقال، ويُضفي طابع الحياد المجرَّد على وقائع تحتاج إلى انحياز أخلاقيّ واضح.
فالمؤرخ الذي يقول عن سقوط المدن بأنه “آخر الأحزان” يمارس نوعًا من التخدير الجماعيّ، لأنه يُلبِس المجزرة قناع الخاتمة، فيما الألم لا يزال يتكاثر. إنّه يكذب حين يصيغ مذبحة كفصل مُغلَق، بينما لا تزال أجساد الأطفال تُنتشل من تحت الركام.
رابعًا: من التوثيق إلى التضميد – نحو تاريخ يُنصف الضحية
البديل ليس في تجاهل التاريخ، بل في إعادة كتابته من منظور الضحية لا الجلاد. أن نروي المجازر بأسمائها، أن نُفكّك خطاب التغليف البلاغي الذي يجمّل الجرح، أن نكتب من موقع المتألم لا من على منصة الباحث البارد.
إننا بحاجة إلى تأريخ وجوديّ وأخلاقيّ، يُنصف الدم لا السياسة، ويُحرّر الذاكرة من أقفاص المرويّات الرسمية، ويمنح صوتًا لمن لم يُسمح لهم بالكلام. فكما يقول الشاعر محمود درويش: “من يكتب التاريخ؟… أولئك الذين انتصروا أم أولئك الذين ماتوا؟”
خاتمة:
إن أعظم خيانة يرتكبها التاريخ ليست في كذبه الصريح، بل في صمته المُنمّق. حين تُقتل الحقيقة تحت عباءة “الحياد الأكاديمي”، يتحوّل المؤرخ إلى شريك في الطمس، وإلى كاتبٍ في بلاط الظلم.
ولذلك، فإن مسؤولية الجيل الجديد من الكتّاب والمفكرين ليست فقط في التوثيق، بل في الانحياز الأخلاقيّ.
أن يُصبح التاريخ مرآةً للدموع، لا وثيقةً ممهورة بتواقيع المنتصرين.