جدلية الهيمنة والتواطؤ بين الثقافة والسياسة،المثقف والسلطة بين النقد والتدجين:

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

لا يمكن للمتأمل في التاريخ الإنساني أن يغفل طبيعة العلاقة الملتبسة والمعقّدة بين السياسي والثقافي. فمنذ العصور القديمة، تشكّلت بينهما علاقة تقوم على التشابك والتنافر في آنٍ واحد؛ علاقة يعتريها أحياناً سوء الفهم، وأحياناً أخرى الكراهية أو الغواية أو التبعية المتبادلة. وهذه الجدلية التي حكمت تفاعل الفكر مع السلطة، والسياسة مع الثقافة، صنعت مشهداً حضارياً مضطرباً لم تخلُ منه أمة ولا عصر.
بين المدّ والجزر: صمت المثقف وجبروت السياسي
في أغلب السياقات التاريخية، ظلّ السياسي ـ كما لاحظ المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي ـ يسعى إلى الهيمنة الثقافية بقدر سعيه إلى الهيمنة السياسية، مستخدماً أدوات السيطرة الناعمة حيناً، والعنيفة حيناً آخر. ومع ذلك، ظلّ السياسي في كثير من الأحيان يصمت تجاه الثقافة؛ إمّا جهلاً بقيمتها، وإمّا تجاهلاً متعمداً لخطورتها الكامنة.
وعلى الجانب المقابل، كان المثقف يُجبَر أحياناً على الصمت أمام السياسي، خوفاً من القمع، أو احتقاراً لابتذال السياسة وتسطيحها للعقل والنقاش الجاد.
وقد لخّص المفكر الفرنسي جوليان بندا هذه الإشكالية في كتابه الشهير خيانة المثقفين حين قال:
«إن المثقف خان رسالته عندما سمح لنفسه بأن يصبح أداةً في يد السياسة، متخلياً عن وظيفته الأساسية في الدفاع عن القيم الخالدة للعقل والحق.»
الغرب: تنظيم الصراع تحت مظلة القانون
في السياق الغربي الحديث، ولا سيما بعد الحروب العالمية ونشوء الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، استطاعت التشريعات والقوانين أن تنظّم إيقاع العلاقة بين السياسي والثقافي. فرغم محاولات السياسيين المستمرة للهيمنة عبر وسائل الدعاية والبروباغندا، كما شرح نعوم تشومسكي في نظريته حول «تصنيع القبول»، فإن المثقف الغربي ما يزال يمتلك أدوات نقدية قوية تمكّنه من إعادة التوازن حين تميل الكفّة نحو الاستبداد أو التزييف.
ولم يتردد ميشيل فوكو في الإشارة إلى هذا الدور الحاسم حين قال:
«المعرفة ليست بريئة، وكل سلطة تحاول تشكيل الحقيقة وفق مصالحها؛ لذلك يظل دور المثقف هو فضح أنساق السلطة والخطابات المهيمنة.»
العالم العربي والإسلامي: مثقف بين مطرقة الاستبداد وسندان التبعية
أما في العالم العربي والإسلامي، فتبدو العلاقة بين الثقافي والسياسي أكثر هشاشة واضطراباً. فالمثقف العربي غالباً ما يجد نفسه أمام أحد خيارين: إمّا الانزلاق إلى معارضة راديكالية يائسة، وإمّا التحول إلى «مثقف سلطة» يعيد إنتاج خطاب النظام الحاكم ويعمل على تبريره.
ولعلّ هذا ما حذّر منه المفكر المغربي عبد الله العروي بقوله:
«المثقف العربي مأزوم، لأنه لا يملك الوسائل الضرورية لتحقيق استقلاله؛ فهو مقيّد إمّا بتقاليد ماضوية، أو بأنظمة استبدادية، أو بأحلام طوباوية بعيدة عن الواقع.»
ويُضاف إلى ذلك أن السياسي في هذه المجتمعات يهيمن على «المنطقة الرمادية»، أي تلك المساحة التي كان ينبغي أن تكون فضاءً للحوار والتوافق، في حين يُكبَّل المثقف بأغلال التاريخ، والنظريات الجاهزة، والأخلاق المجردة من الفاعلية.
وقد لاحظ المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد هذا العجز حين أكد أن:
«المثقف الحقيقي هو الذي يظل دائماً على هامش السلطة؛ فمهمته النقد والمساءلة، لا تقديم الولاء ولا استجداء القبول.»
غير أن الواقع العربي الراهن يكشف عن ارتداد خطير نحو «ثقافة البلاط»، حيث يتحول المثقف إلى شاعر للسلطان، أو ناطق باسم الحزب الحاكم، أو بوقٍ للأيديولوجيا الراديكالية، سواء أكانت قومية أم دينية.
خاتمة: نحو علاقة جديدة بين السياسي والثقافي
إن الطريق إلى استعادة الدور الحقيقي للثقافة والمثقف يمرّ عبر تحرير الفضاء العام من قبضة السلطة، وإقامة توازن جديد يحترم الاستقلال النقدي للفكر. فكما أشار الفيلسوف الألماني كارل بوبر:
«إن المجتمع الذي لا يتيح نقد سلطاته هو مجتمع محكوم عليه بالجمود والانهيار.»
لذلك، ينبغي على المثقف ألّا يرضخ لغواية السلطة، ولا لإغراء المعارضة الانفعالية العقيمة، بل أن يعمل على بناء فضاء حر ومستقل للفكر، يكون فيه السياسي مجرد وظيفة خادمة للصالح العام، لا سيداً على العقول والضمائر.
هكذا فقط يمكن إعادة جدلية السياسي والثقافي إلى مسارها الصحيح: صراع دائم، لكنه صراع يُنتج الحرية والنضج، لا الانكسار والتبعية.