جاري التحميل...

حين تخون الثقافة وظيفتها: من أداة للتحرير إلى قيدٍ أنيق

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

الثقافة، في معناها الأصيل، ليست زينةً لغوية، ولا طقسًا احتفاليًا يُستدعى لتجميل الخراب، ولا خطابًا يتغنّى بالهوية فيما الإنسان يرزح تحت الجوع والقهر والحرمان. الثقافة، قبل كل شيء، نظامٌ لإنتاج المعنى، وصياغةٌ للوعي، وتشكيلٌ للإنسان في علاقته بذاته ومجتمعه والعالم. وحين تفقد هذه الوظيفة، تتحول من قوةٍ لتوسيع إمكانات الإنسان إلى قشرةٍ براقة تخفي عجزًا عميقًا عن مساءلة الواقع.

المشكلة، إذن، ليست في الثقافة بوصفها معرفةً أو تراثًا أو إبداعًا، وإنما في الوظيفة التي تؤديها داخل المجتمع: هل توقظ الأسئلة أم تخدّرها؟ هل توسّع مجال الحرية أم تعيد إنتاج الخضوع؟ هل تمنح الإنسان أدوات لفهم واقعه وتغييره، أم تمنحه لغةً جميلةً كي يتعايش مع واقعه العاجز عن تغييره؟
من هنا تبرز الحاجة إلى منهج نقدي وظيفي للثقافة؛ منهج لا يكتفي بالنظر إلى النصوص والأفكار والمؤسسات بوصفها منجزاتٍ معرفية، بل يسأل عن آثارها الاجتماعية والإنسانية، وعن القوى التي تنتجها، والمصالح التي قد تخدمها، والوعي الذي تعيد تشكيله.

الثقافة بوصفها فعلًا اجتماعيًا

ليست الثقافة جزيرةً معزولة عن الاقتصاد والسياسة والمجتمع؛ إنها تتداخل معها وتؤثر فيها وتتأثر بها. ولذلك فإن قيمة الثقافة لا تُقاس فقط بما تختزنه من معرفة، بل بما تُنتجه من وعيٍ وسلوكٍ وقيم.
فالثقافة التي تُنمّي الحس النقدي، وتعلّم الإنسان مساءلة المسلّمات، وتدفعه إلى اكتشاف حقوقه ومسؤولياته، تؤدي وظيفةً تحررية. أما الثقافة التي تكرّس الخوف، وتبرّر الامتثال، وتحوّل الموروث إلى حصانةٍ ضد السؤال، فقد تصبح ــ من حيث تدري أو لا تدري ــ شكلًا من أشكال الضبط الرمزي.
وهنا تتقاطع القراءة الوظيفية مع النقد الاجتماعي؛ إذ لا يكفي أن نسأل: ماذا يقول الخطاب الثقافي؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا يفعل؟ ولصالح من يعمل؟ وما الذي يجعله ممكنًا ومستمرًا؟

وهذا هو جوهر المنظور النقدي الذي طوّرته تقاليد فكرية متعددة، ولا سيما مدرسة فرانكفورت، حين جعلت من مهمة الفكر كشف الآليات الخفية التي قد تتحول بها الثقافة والإعلام والمؤسسات الرمزية إلى أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة.

عندما تخون الثقافة ذاتها

أخطر ما يمكن أن يحدث للثقافة هو أن تنفصل عن وظيفتها الإنسانية، فتتحول إلى بديل عن الفعل بدل أن تكون محفزًا له. عندئذ يصبح الاحتفاء بالحرية تعويضًا عن غيابها، ويغدو الحديث عن الكرامة ستارًا لعجزٍ مزمن عن الدفاع عنها.
وحين تتسع الهوة بين الخطاب الثقافي وحياة الناس، لا ينبغي أن نحمّل الجمهور وحده مسؤولية السخط أو التمرد أو العزوف عن الثقافة؛ بل ينبغي أن نسأل المؤسسة الثقافية نفسها: أين أخطأت؟ ومتى فقدت قدرتها على الإصغاء؟
فإذا كانت الثقافة عاجزة عن ملامسة أسئلة الإنسان اليومية، وعن تحويل ألمه إلى معرفة، ومعرفته إلى وعي، ووعيه إلى قدرة على الفعل، فإنها تكون قد بدأت تفقد شرعيتها الاجتماعية، مهما ازدانت لغتها وتكاثرت منصاتها واحتفالاتها.
ولا يعني ذلك أن الثقافة مسؤولة عن كل أزمات المجتمع، أو أن التمرد الاجتماعي نتيجة مباشرة لفشلها؛ فالأسباب الاقتصادية والسياسية والتاريخية أكثر تعقيدًا من أن تختزل في عامل واحد. لكن الثقافة تظل طرفًا أساسيًا في تشكيل الوعي الذي يفسر الواقع ويقبله أو يرفضه.

غرامشي وسؤال التحرير

من هنا تستعيد أفكار أنطونيو غرامشي أهميتها؛ فقد تعامل مع الثقافة باعتبارها جزءًا من الصراع على تشكيل الوعي والحياة الاجتماعية، لا باعتبارها ترفًا منفصلًا عن حركة التاريخ.
والثقافة، بهذا المعنى، ليست مجرد معرفة تُخزّن، بل قوة تنظّم الرؤية إلى العالم. إنها تحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما نراه ممكنًا وما نعدّه مستحيلًا، وما نقبله باعتباره قدرًا وما نمتلك الشجاعة لمساءلته.
ولذلك فإن الثقافة التي لا توسّع مجال الممكن الإنساني، ولا تمنح الإنسان قدرةً أكبر على التفكير والاختيار والمساءلة، تخاطر بأن تتحول إلى قيدٍ أنيق؛ قيد لا يظهر في صورة السجن، بل في صورة خطابٍ جميل، ومفرداتٍ براقة، وشعاراتٍ عالية، بينما يظل الواقع على حاله.

المثقف بين الشهادة والتبرير

في قلب هذه المسألة يقف المثقف.

ليس المطلوب من المثقف أن يتحول إلى سياسي، ولا أن يرفع شعارًا واحدًا في كل مناسبة، وإنما أن يحافظ على استقلال ضميره النقدي. فالمثقف الذي يفقد حقه في السؤال يفقد جوهر وظيفته، والذي يستبدل النقد بالتبرير يتحول، ولو بحسن نية، من منتج للوعي إلى جزء من آليات إنتاج الوهم.
إن أخطر أشكال الخيانة الثقافية ليست أن يخطئ المثقف في موقف، وإنما أن يتخلى عن حقه في الشك والسؤال والمراجعة، وأن يستبدل الحقيقة برضا المؤسسة، والحرية بالامتثال، والإنسان بالشعار.
الثقافة الحقيقية لا تحتاج إلى تقديس نفسها؛ لأنها تعرف أن قيمتها تكمن في قدرتها على مراجعة ذاتها.

نحو ثقافة تستعيد وظيفتها

نحن لا نحتاج إلى ثقافة أكثر صخبًا، بل إلى ثقافة أكثر قدرة على الإصغاء. لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مزيد من الأسئلة. ولا نحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي بوصفه ملاذًا نهائيًا، بل إلى قراءة الماضي بما يسمح بفهم الحاضر وفتح أبواب المستقبل.
الثقافة الحية هي التي تحوّل الألم الفردي إلى معرفة جماعية، والوعي الفردي إلى مسؤولية اجتماعية، واللغة إلى أداة كشف لا إلى قناع. وهي التي تربط الحرية بالمسؤولية، والكرامة بالعدالة، والمعرفة بالتحرر، والإبداع بحق الإنسان في أن يكون إنسانًا.
ولذلك فإن إعادة تعريف وظيفة الثقافة ليست ترفًا نقديًا، بل ضرورة تاريخية. فالثقافة التي تخاف من السؤال تتحول إلى عقيدة، والثقافة التي تخاف من النقد تتحول إلى سلطة، والثقافة التي تنفصل عن الإنسان تتحول في النهاية إلى متحفٍ جميل لوعيٍ ميت.
إن مستقبل الثقافة لا يتوقف على عدد الكتب التي نكتبها، ولا على عدد المهرجانات التي نقيمها، ولا على كثافة الخطابات التي نلقيها، بل على قدرتنا على استعادة السؤال الأول: هل تجعل الثقافة الإنسان أكثر حرية، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرةً على مقاومة الظلم وصناعة المعنى؟
فإذا كانت الإجابة بالنفي، فقد آن أوان النقد.

وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فلتكن الثقافة عندئذٍ ما ينبغي أن تكونه منذ البداية: ليست مرآةً للواقع فحسب، بل قدرةً على تغييره؛ وليست زينةً للحياة، بل إحدى القوى التي تمنحها معناها.