عمر حلمي الغول
من بين ملاين الاطنان من الدمار، والمقابر المتناثرة في أوساط الركام، ومن بين أكوام النفايات، ورغم استمرار الإبادة الجماعية الإسرائيلية على أبناء الشعب في قطاع غزة، ومن وسط خيام النزوح المهترئة والجوع والفاقة والمرض والجرح النازف لعشرات الالاف من أبناء الشعب، الذين استهدفهم جيش الموت والابادة الإسرائيلي، تنبت زهرة الفن والابداع لتعطي الأمل بالبقاء، ومواصلة سيرورة الحياة، وتشرق شمس الحرية، رغم ظلام المشهد منذ ثلاثة أعوام خلت، وقتامة العتمة، وعمق الجرح والنكبة والكارثة الإبادوية، لتفتح للمنكوبين والمقهورين نافذة لغدِ مشرق، ويمهد لنهوض وتعمق الوعي بالهوية عبر محاكاة الألم والفاجعة وأهوال وفظائع النازية الإسرائيلية، ومن خلال التوثيق الحي للمأساة التراجيدية، وتقص حكايا الأطفال والنساء والشيوخ والشباب الشهداء والمفقودين تحت الدمار والجرحى والاحياء الأموات من اسرى الحرية، وتحاكي الشوارع ورياض الأطفال والمدارس والجامعات والمساجد والكنائس المدمرة، وسحق وقطع الشجر والزرع، ونشر الهواء الفاسد والمشحون بالسموم كافة…
نعم كان يوم الاثنين السابع من أيلول / سبتمبر 2026، بالتزامن والتكامل مع فعاليات مهرجان فينيسيا (البندقية) في دورته ال 83، كان يوما استثنائيا ومميزا، حيث تم الاطلاق الرسمي ل “اكاديمية غزة للسينما”، في مبادرة تهدف الى تمكين أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من رواية قصصهم ومعاناتهم ونكباتهم وجوعهم وقهرهم ونزيف انسانيتهم بأنفسهم، ومن وسط ركام ودمار الإبادة الجماعية الإسرائيلية الأميركية، ومع مواصلة الازمات الإنسانية بمسمياتها وعنوانيها كافة. وتسعى المبادرة الشجاعة والنبيلة والمبدعة، التي شارك في تأسيسها المخرجان الفلسطينيان عز الدين شلح ومي المصري، الى انشاء مساحة مستدامة للتعليم والتدريب والإنتاج السينمائي في قطاع غزة. ولا أضيف جديدا في تأكيدي على مكانة واهمية الفن السابع – السينما، باعتباره الفن الأهم من بين الفنون المختلفة، الذي يحاكي ويتقاطع مع الفنون كافة: المسرح والموسيقى والتصوير والرسم والادب والتاريخ والتوثيق والفن التكنولوجي في الصوت والمنتجة.
وللعلم فإن المخرج والأكاديمي عز الدين شلح مقيم حتى اليوم في غزة، ولم يغادرها، رغم انه كان يستطيع، اسوة بمن غادرها من النخب، لأنه أدرك رسالته ودوره الإبداعي في خوض غمار التراجيديا الفلسطينية السوداء، وإعادة إخراجها وتوثيقها مع مجموعة الفنانين الشابات، اللاتي ساهم في استقطابهن وتأهيلهن وتدريبهن وتعليمهن في الاكاديمية الجديدة. والفنان عز الدين هو مؤسس ورئيس مهرجان القدس السينمائي الدولي، ورئيس ومؤسس مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، وله العديد من المساهمات والأفلام الوثائقية التي تركز على القضية والشعب الفلسطيني وقضايا وحقوق المرأة. كما ساهم معه في بناء ركائز الأكاديمية الفنانة المخرجة المبدعة مي المصري، عبر الزووم وغيرها من التقنيات المساعدة، ولها العديد من الأفلام الهامة.
وقال شلح لموقع “ديدلاين”: “السينما في غزة ليست مجرد شكل فني، بل وسيلة لحفظ الذاكرة، واستعادة حقنا في تشكيل صورتنا بأنفسنا، ومنح جيل جديد الأدوات اللازمة لرواية قصته.” ورافق الإعلان عن الاكاديمية عرض فيلم قصير ظهر فيه شلح داخل أحد الفصول الدراسية برفقة مجموعة من الشابات الطامحات الى العمل في حقل السينما وصناعة الأفلام، وهذا ما عبرن عنه في الفيلم. وحظيت مبادرة تأسيس الاكاديمية بدعم أسماء بارزة في السينما والتلفزيون الفلسطيني، من بينهم آن ماري جاسر، وهيام عباس، وصالح بكري، الى جانب الممثل والمخرج المصري رامي يوسف، والمخرجة التونسية كوثر بن هنية عضو لجنة تحكيم مهرجان فينيسيا هذا العام.
ويمثل إطلاق الاكاديمية رسميا مرحلة جديدة ضمن مشروع بدأ في عام 2024، أي وسط معمان وكارثة وأهوال الإبادة الجماعية الإسرائيلية، مع تطوير “دبلوم صناعة الأفلام في غزة”. وهو برنامج تدريبي نظري وعملي مدته 9 شهور، واستقبل أول دفعة ضمت 25 شابة فلسطينية في اذار / مارس 2026. وتعمل الاكاديمية على تطوير درجة أكاديمية في صناعة الأفلام، معتمدة من جامعة القدس المفتوحة، بهدف تأسيس مسار تعليمي لدراسة السينما داخل قطاع غزة.
واستوقفني هنا ملاحظة، أن الاستهداف للشابات، ولم الحظ وجودا أو استقطابا للشباب الذكور، الذين من المؤكد بينهم من يطمح ويرغب في الالتحاق بالأكاديمية ومسارها الفني في صناعة الأفلام، وبالتالي تفرض الضرورة على شلح إيلاء أهمية في تحفيز واستقطاب الشباب، لخلق جيل من المبدعين الفنانين لمحاكاة قصصهم ومآسيهم ومصائبهم وتاريخهم وتوثيق جرائم الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة وعموم فلسطين التاريخية، وليس في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية فقط، وكذلك لاحقا تسليط الضوء على معاناة أبناء الشعب في مخيمات الشتات والمغتربات، ومعالجة تاريخ القضية والثورة الفلسطينية المعاصرة.
أن بناء صرح اكاديمية السينما في قطاع غزة يشكل لحظة هامة في مسار النهوض والتطوير للفن السينمائي، كما أن دلالة ذلك، يكمن في عجائبية وجنون غزة، التي تكابد الموت والابادة الإسرائيلية، وفي ذات الوقت تنهض من بين الركام كطائر الفينيق، شعار مدينة غزة، لتبعث الأمل والحياة في مسار الشعب، والدفاع عن الهوية والشخصية الوطنية، وعن مآسي أبنائها وبناتها واطفالها ونسائها وشيوخها، لتقول للعالم اجمع، أن هذا الشعب العظيم لا يمكن لآلة الموت الإسرائيلية قهر ارادته ودفاعه المشروع عن المشروع الوطني، وعن حق الاستقلال والحرية وتقرير المصير والعودة. وكل التحية للمخرجين عزالدين شلح ومي المصري على اسهامها الريادي في تأسيس الاكاديمية.
[email protected]