جاري التحميل...

حين يندمج المال بالسلطة… وحين يُستدعى الثقافي إلى الوليمة:

بقلم: عماد خالد رحمة

ليس أخطر على المجتمعات من اجتماع الثروة والسلطة حين تنعدم بينهما المسافة الأخلاقية؛ فحين يمدّ المال يده إلى السلطة، وتستجيب السلطة لإغراء المال، يكون الفساد غالباً هو الابن الثالث لهذا الزواج غير المقدّس. عندها لا تعود الدولة فضاءً عاماً تُصان فيه المصلحة المشتركة، بل تتحول، شيئاً فشيئاً، إلى سوقٍ مغلقة تتبادل فيها النخب المنافع، وتُعاد صياغة القوانين والقرارات وفق مقتضيات النفوذ والثروة، لا وفق مقتضيات العدالة والحق والصالح العام.

إن العلاقة بين السلطة والمال، حين تنفلت من الرقابة والمؤسسات، ليست مجرد خلل في الإدارة أو انحراف في السلوك السياسي؛ إنها، في جوهرها، اختلال في ميزان القيم. فالسلطة، حين تصبح أسيرة لرأس المال، تتنازل عن بعض أعز ما يفترض أن تحميه: الأمانة، والنزاهة، والعدالة، والضمير العام. وحين يدخل رجال الأعمال إلى المجال السياسي لا بوصفهم مواطنين أصحاب حق، وإنما بوصفهم أصحاب مصالح اقتصادية مباشرة، يصبح احتمال تضارب المصالح أكثر خطورة، لأن من يشارك في صناعة القرار قد يجد نفسه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شريكاً في صناعة الامتياز الذي يعود عليه بالنفع.
وهنا تبدأ الدولة في فقدان معناها الأخلاقي، ويبدأ المواطن في فقدان ثقته بها.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس فقط: ماذا يحدث حين يتزوج المال بالسلطة؟ بل: ماذا يحدث حين ينتقل السياسي من المال والسلطة إلى الثقافة، وحين تتحول الثقافة نفسها إلى امتداد للنفوذ السياسي؟
ذلك هو السؤال الأكثر خطورة، لأن فساد السياسة يمكن أن يُقاوم بالقانون، وفساد المال يمكن أن يُلاحق بالمؤسسات الرقابية، أما حين تتلوث الثقافة بالسلطة، فإن الفساد يتسلل إلى المنطقة التي يُفترض أن تنتج الوعي الذي يكشف الفساد ويقاومه.

فالإنسان لا يحيا بالخبز وحده، لكنه أيضاً لا يستطيع أن يعيش بالسياسة وحدها. وحين تختزل حياة الشعوب في السياسة، تصبح السياسة مرضاً إضافياً بدلاً من أن تكون وسيلة للعلاج. الإنسان يحتاج إلى الغذاء، لكنه يحتاج كذلك إلى المعرفة، وإلى التعليم، وإلى الصحة، وإلى العدالة، وإلى المعنى، وإلى القدرة على فهم ذاته ومجتمعه والعالم الذي يعيش فيه.
ومن هنا فإن اختزال أزمات المجتمعات العربية في السياسة وحدها يبدو أشبه بمحاولة قراءة شجرة كاملة من خلال ورقة واحدة.

لقد عرفت مجتمعاتنا العربية، خلال عقود طويلة، تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، غير أن كثيراً من نتائج تلك التحولات لم يكن سياسياً خالصاً؛ بل كان وراءه تاريخ طويل من التربية، والتعليم، والعادات، والأعراف، والبنية الاجتماعية، وأنماط التنشئة، وصور السلطة داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، فضلاً عن الخوف المتوارث، وثقافة الامتثال، وغياب التفكير النقدي، وضعف الثقة بالمؤسسات.
ولذلك فإن كثيراً من مشكلاتنا المستعصية لا توجد مفاتيحها في القصر الرئاسي أو البرلمان أو الحزب وحدها، وإنما في البيت والمدرسة والشارع والجامعة ومناهج التعليم ووسائل الإعلام وفي الطريقة التي يتعلم بها الإنسان منذ طفولته معنى السلطة والاختلاف والحق والواجب.

إن الجوع نفسه ليس ظاهرة اقتصادية محضة؛ فالجوع، كما تشير دراسات علم النفس والسلوك، يمكن أن يؤثر في المزاج والإدراك والحكم على الأشياء، وقد يجعل الإنسان أكثر عرضة للتوتر والانفعال والنظرة السلبية إلى المستقبل. لكن الوجه الآخر للمسألة لا يقل خطورة: الثروة التي لا تتحول إلى معرفة وعدالة وتنمية قد تصبح، هي الأخرى، نوعاً من الفقر.
وهنا تستعيد أسطورة الملك ميداس معناها الفلسفي القديم.

كان ميداس قادراً على تحويل كل ما تلمسه يداه إلى ذهب. بدا الأمر في البداية نعمةً مطلقة، فإذا به يتحول إلى لعنة؛ فالطعام يصير ذهباً، والماء يصير ذهباً، وحتى ابنته التي احتضنها تحولت إلى ذهب. امتلك الملك كل شيء، لكنه فقد القدرة على الحياة.
وهذه الأسطورة تصلح استعارةً بليغة لبعض تجاربنا الحديثة: قد تمتلك الدولة النفط والغاز والمعادن والأموال والاستثمارات، لكنها لا تمتلك بالضرورة الإنسان الذي يحسن تحويل الثروة إلى معرفة، والمعرفة إلى تنمية، والتنمية إلى عدالة اجتماعية.
الثروة، إذن، ليست في ذاتها خلاصاً.

إنها تصبح ثروة حقيقية حين تتحول إلى مدرسة جيدة، ومستشفى لائق، وجامعة منتجة، ومختبر علمي، ومكتبة مفتوحة، ومسرح حي، ومركز بحث مستقل، ومواطن قادر على التفكير، وقانون يحمي الضعيف من القوي.
أما حين تتراكم الثروة بينما يتراجع التعليم، ويضيق مجال المعرفة، وتُهدر الطاقات البشرية، فإننا نكون أمام صورة أخرى من صور ميداس: ذهب كثير، وحياة فقيرة.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً هنا: لماذا لم يحتل علم النفس وعلم الاجتماع المكان الذي يستحقه في مشاريعنا التعليمية والسياسية والثقافية؟
لقد ظل هذان العلمان، في كثير من مجتمعاتنا، أقرب إلى اختصاصين أكاديميين محصورين في الجامعات ومراكز الأبحاث، بينما كان ينبغي أن يكونا جزءاً من الثقافة العامة للمواطن. فالسياسي الذي لا يفهم النفس البشرية قد يسيء إدارة المجتمع، والمشرّع الذي لا يفهم البنية الاجتماعية قد يصنع قوانين تصطدم بالواقع، والمربي الذي لا يعرف كيف يتشكل الوعي قد يكرر، من حيث لا يدري، الأخطاء نفسها التي أنتجت أجيالاً مأزومة.

ولو أن علم النفس والاجتماع أُدخلا منذ وقت مبكر في صميم المشروع العربي، لا بوصفهما مادتين هامشيتين، وإنما بوصفهما أداتين لفهم الإنسان والمجتمع، لربما تغير جزء كبير من طريقة تفكيرنا في السياسة والاقتصاد والتعليم والثقافة.
فنحن كثيراً ما نحاول إصلاح الدولة قبل أن نسأل: أي إنسان نريد أن يعيش في هذه الدولة؟
ونطالب بالديمقراطية قبل أن نسأل: هل تربى الإنسان على قبول الاختلاف؟

ونرفع شعار الحوار قبل أن نسأل: هل تعلمنا الإصغاء؟
ونتحدث عن الحرية قبل أن نسأل: هل نحتمل حرية الآخر حين تخالفنا؟
ونطالب بالتعددية قبل أن نسأل: هل تخلصنا من نزعة الإقصاء؟
إن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط؛ إنها ثقافة يومية، تبدأ من قدرة الإنسان على الاعتراف بأن الحقيقة لا تسكن جيبه وحده.

والتعددية ليست مجرد كثرة أحزاب؛ إنها استعداد أخلاقي للاعتراف بحق الآخر في الوجود والتفكير والاختلاف.
والحوار ليس تبادل الكلمات؛ إنه استعداد حقيقي لاحتمال أن يغير الآخر شيئاً فينا.
ومن هنا نفهم أن الوصولية والانتهازية والأنانية والتملق ليست مجرد أمراض سياسية؛ إنها في جانب كبير منها أمراض اجتماعية وثقافية، تدخل السياسة محمولةً على أكتاف المجتمع. ولذلك فإن تغيير الواجهة السياسية دون تغيير البنية الثقافية التي تنتج السلوك السياسي قد لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج المرض بأسماء جديدة ووجوه جديدة.

إن السياسي لا يأتي دائماً من كوكب آخر؛ إنه ابن بيئته، ونتاج أسرته ومدرسته ومجتمعه وثقافته. فإذا كانت البيئة مشبعةً بالانتهازية، فلا ينبغي أن نتفاجأ حين تتسلل الانتهازية إلى المؤسسات السياسية. وإذا كانت ثقافة المجتمع تمجد القوة أكثر مما تمجد الكفاءة، فلا ينبغي أن نستغرب أن تصبح السلطة غاية في ذاتها.
وهنا تتضح أهمية العبارة التي أطلقها طه حسين في مقاله الشهير «العلم والثروة» سنة 1923، حين نظر إلى العلاقة بين الثروة والعلم في التجربة الأوروبية، فرأى في رأس المال قيمةً حين يُستثمر في الإنسان والحياة، لا حين يتحول إلى غاية مستقلة عن الإنسان.

إن القضية، في نهاية الأمر، ليست في امتلاك المال، وإنما في ثقافة المال؛ وليست في وجود السلطة، وإنما في ثقافة السلطة؛ وليست في وجود الثقافة، وإنما في استقلال الثقافة.
فالمال يمكن أن يكون أمياً، ويمكن أن يكون مثقفاً.
والسلطة يمكن أن تكون عمياء، ويمكن أن تكون رشيدة.

والثقافة يمكن أن تكون ضميراً للمجتمع، ويمكن، في أسوأ حالاتها، أن تتحول إلى زينة للسلطة.
وهنا نصل إلى أخطر منطقة في المقال: ماذا يحدث حين يتحالف السياسي مع الثقافي؟
إذا كان المال يستطيع شراء بعض الولاءات السياسية، فإن السلطة تستطيع، حين تتغول، شراء الصمت الثقافي أو تدجينه. وعندما تتحول الثقافة إلى تابع للسياسة، يفقد المثقف أهم وظائفه: أن يسأل، وأن يشك، وأن يعترض، وأن يكشف المسكوت عنه، وأن يقف في المسافة الأخلاقية التي تسمح له برؤية السلطة من خارجها.
المثقف الذي يصبح موظفاً في بلاط السلطة قد يحتفظ بلقبه، لكنه يفقد وظيفته التاريخية.

والثقافة التي تتحول إلى بروتوكول رسمي تفقد قدرتها على أن تكون قوة نقدية.

والجامعة التي تخاف السؤال تتحول إلى مصنع للشهادات.

ومركز البحث الذي يخشى الحقيقة يتحول إلى أرشيف للصمت.

والكتاب الذي يكتب لإرضاء السلطة قد يكون جميلاً في لغته، لكنه فقير في وظيفته الإنسانية.

إن أخطر أشكال الاستبداد ليس أن يمنعك من الكلام فقط؛ بل أن يجعلك تقول ما يريد هو أن تقوله، وأن تقنع نفسك بعد ذلك بأنك اخترت الكلام بإرادتك.

لهذا فإن استقلال الثقافة ليس ترفاً نخبوياً، وإنما شرط من شروط صحة المجتمع.

ولا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي بثقافة خائفة، ولا بناء دولة حديثة بعقلية قبلية، ولا بناء مواطن حر بتربية تقوم على الطاعة العمياء.

إن واقعنا العربي يحتاج إلى أن يوسع زاوية النظر. فالسياسة مهمة، لكنها ليست كل شيء. والاقتصاد مهم، لكنه ليس كل شيء. والثقافة ليست ديكوراً يوضع على هامش الدولة في المناسبات الرسمية.

الثقافة هي المختبر العميق الذي تتشكل فيه صورة الإنسان عن نفسه، وعن الآخر، وعن الوطن، وعن السلطة، وعن الحق، وعن الحرية.

ولهذا فإن إصلاح السياسة من دون إصلاح الثقافة يشبه تغيير واجهة البناء وترك أساساته متصدعة.

لقد تراكمت في مجتمعاتنا طبقات كثيفة من الأعراف القبلية والعشائرية، وأنماط التفكير التقليدي، والقوانين القديمة، والذاكرة الجمعية المثقلة بالخوف، والتصورات المغلقة عن السلطة والمجتمع والمرأة والآخر والاختلاف. وكلها تحتاج إلى قراءة علمية هادئة، لا إلى شعارات سياسية عابرة.

وما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الضجيج السياسي، وإنما مشروعاً ثقافياً يعيد بناء الإنسان العربي من الداخل.

نحتاج إلى علم النفس في المدرسة، وعلم الاجتماع في الجامعة، والتفكير النقدي في التعليم، والفلسفة في الحياة العامة، والفنون في تكوين الذائقة، والأدب في تهذيب الحس، والبحث العلمي في صناعة المستقبل.

نحتاج إلى أن ننتقل من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال أعمق: كيف تشكل الإنسان الذي سيحكم؟

ومن سؤال: كم نملك؟ إلى سؤال: ماذا نصنع بما نملك؟

ومن سؤال: كيف نصل إلى السلطة؟ إلى سؤال: كيف نمنع السلطة من إفساد الإنسان؟

ومن سؤال: كيف ننتصر سياسياً؟ إلى السؤال الأكثر إنسانية: كيف ننتصر للإنسان؟

إن الجامعات ومراكز الأبحاث العربية تزخر ببحوث وأطروحات في علم النفس والاجتماع والعلوم الإنسانية، لكن جزءاً كبيراً من هذه المعرفة ما يزال محاصراً داخل أسوار الأكاديميا، ومكدساً في رفوف المكتبات، وأغلفة الرسائل الجامعية، بينما يحتاج المجتمع إلى أن تتحول هذه المعرفة إلى سياسات عامة وثقافة مدرسية ووعي اجتماعي.

المشكلة ليست في نقص المعرفة وحده، وإنما في المسافة الهائلة بين المعرفة وتطبيقها.

وهذه المسافة لا تُردم إلا حين تصبح الثقافة شريكاً مستقلاً في صناعة القرار، لا تابعاً له؛ وحين يصبح المثقف ضميراً نقدياً لا موظفاً في جهاز التبرير؛ وحين يصبح البحث العلمي سلطة معرفية لا ملحقاً إدارياً؛ وحين تدرك السلطة أن الثقافة الحرة ليست عدواً لها، بل مرآتها الضرورية.

فإذا كان زواج المال بالسلطة قد ينتج الفساد، فإن زواج السلطة بالثقافة قد ينتج ما هو أخطر: شرعنة الفساد، وتجميل القبح، وإضفاء المشروعية على الخطأ، وتحويل الانحراف إلى خطاب، والصمت إلى فضيلة.

وهنا تحديداً تبدأ الكارثة.

لأن المال حين يفسد السياسة يسرق بعض مؤسسات الدولة؛ أما حين تفسد السلطة الثقافة، فإنها تحاول سرقة وعي المجتمع نفسه.

ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست سياسية فقط، ولا اقتصادية فقط؛ إنها، في عمقها، معركة ثقافية على الإنسان.

والطريق إلى مجتمع عربي أكثر عدلاً وحريةً لا يبدأ من صناديق الاقتراع وحدها، ولا من خزائن المال وحدها، بل من إعادة بناء العقل الذي يذهب إلى صندوق الاقتراع، والضمير الذي يدير المال، والثقافة التي تراقب السلطة.

فحين يستقيم الإنسان، تستقيم مؤسساته.

وحين تتحرر الثقافة، يصبح النقد ممكناً.

وحين يصبح النقد ممكناً، يصبح الإصلاح ممكناً.

وحين يصبح الإصلاح ثقافةً لا حملةً موسمية، يبدأ المجتمع أخيراً في مغادرة الدائرة التي ظل يدور فيها طويلاً:

سلطةٌ تنتج المال، ومالٌ يشتري السلطة، وثقافةٌ يُراد لها أن تصمت.

والخروج من هذه الدائرة يبدأ من المكان الذي أهملناه طويلاً:

من الإنسان… ومن الثقافة.