جاري التحميل...

فيلم نازا يعري الإبادة

عمر حلمي الغول
الفن السينمائي الدرامي والوثائقي الملتزم لعب ويلعب دورا مهما في الدفاع عن قضايا الشعوب، وشكل رافعة هامة لتسليط الضوء على معاناة المظلومين والمسحوقين والواقعين تحت نير الاستعمار الأجنبي، ولا يقل أهمية عن الحقول السياسية والقانونية والكفاحية والفنون الاخرى، كونه سلاح فني ثقافي هام، يحاكي جمهور واسع من قطاعات الشعوب، وليس فقط من النخب والمهتمين، وله تأثير متعدد الجوانب الرمزية الفنية والثقافية المعرفية والسياسية، لأنه يكشف جوانب مختلفة من الصراع، ويدعمها بسردية إبداعية تنبض بروح ومعاناة وحكايا وقصص الشعوب المنكوبة، ويميط اللثام عن الوجه الآخر من جرائم حروب الأعداء، الذين أوغلوا في دماء الشعوب الضحية، ويعري المستور من انتهاكات وعربدات ووحشية الأنظمة البوليسية والديكتاتورية والرجعية والليبرالية والدول القائمة بالاستعمار.
ويندرج فيلم “نازا (NAZA)” الذي حبس الانفاس، وحظي بالتصفيق الأطول في تاريخ مهرجان البندقية (فينيسيا) السينمائي لمدة 24,5 دقيقة – الدورة 83، وعرض لأول مرة يوم الخميس 10 أيلول / سبتمبر 2026، في قائمة الأفلام ذات القيمة الفنية والتوثيقية والتاريخية في الدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني، وعرى المخرجان حقيقة الدولة الإسرائيلية كدولة إبادة جماعية، وكشفا اكاذيبها وافتراءاتها من خلال شهادات عدد ممن شاركوا في صناعة الإبادة الجماعية، مما أثار ردود فعل في الأوساط السياسية والعسكرية والإعلامية المتواطئة مع حكومة الائتلاف الحاكم الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو، وهاجموا المخرجين وتوعدوهم بعظائم الأمور، حتى وصل الى حد التهديد بالقتل.
وتأخر المخرجان الصحفيان الاسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل تسور، في تقديم الفيلم حتى اللحظة الأخيرة، بسبب المنتجة التي استغرقت وقتا طويلا نسبيا لإخفاء وجوه الضباط والجنود، وحتى تغيير أصواتهم بهدف حمايتهم من ملاحقة المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية. وقاما ببناء مادة الفيلم على تحقيقات نُشرت بين عامي 2023 و2025 في مجلة “+ 972” الإسرائيلية الفلسطينية، وموقع “لوكال كول” العبري، وصحيفة “الغارديان”، التي شاركت في إنتاج الفيلم. وقال المخرجان إن تحويل الشهادات المنشورة، التي تم تصويرها في مدينة تل ابيب في الليل وبشكل سري مع 24 ضابط وجندي إسرائيلي، ممن شاركوا في الإبادة الجماعية على الشعب العربي الفلسطيني عموما وفي قطاع غزة خصوصا، بعد السابع من تشرين أول / أكتوبر 2023، الى السينما بهدف كشف المنظومة النازية الإسرائيلية التي ارتكبت ابادتها الجماعية ضد الفلسطينيين.
ووثق فيلم نازا: أولا القتل الممنهج لأبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، لم يكن الاستهداف بالقتل ناتج عن أخطاء عرضية، بل نتاج نظام متكامل وسياسة متعمدة، ووفق خطة معدة مسبقا؛ ثانيا تحويل الشهداء والجرحى الفلسطينيين الذي فاق عددهم ال 300 ألف انسان خلال السنوات ال 3 الماضية، الى ارقام حسابية ضمن خوارزميات اختيار الأهداف، وليسوا بشرا لكل منهم سرديته وقصته ومكانته؛ ثالثا استخدام الذكاء الاصطناعي في تقنيات المراقبة والقصف والقتل والتدمير في إدارة العمليات القتالية؛ رابعا أكد الفيلم ووثائقه عدم قدرة دولة الإبادة الإسرائيلية وشريكتها في الكارثة الولايات المتحدة الأميركية بإدارتيها السابقة بقيادة الرئيس جو بايدن، والحالية بقيادة الرئيس دونالد ترمب، على انكار مسؤوليتهم المباشرة عن الإبادة الجماعية بحق أبناء الشعب الفلسطيني.
وقال المخرجان إن تحويل الشهادات المنشورة إلى عمل سينمائي أتاح للجمهور سماع روايات الأشخاص الذين شاركوا في تصميم الأنظمة العسكرية وتشغيلها، ومراقبة محاولاتهم شرح آلياتها وصمتهم وترددهم أمام الكاميرا. ولا يركز الفيلم على دوافع المصادر العسكرية أو شعورها بالندم؛ إذ عبر بعض المشاركين عن تأنيب الضمير، بينما تحدث آخرون بلا مبالاة أو بفخر. وأوضح أبراهام أن جعل مشاعر الضباط والجنود محور الحكاية كان سيصرف الانتباه عن القضية الأساسية، وهي بنية النظام والسياسات التي سمحت بقتل المدنيين، وليس الحالة الأخلاقية لكل فرد شارك فيه.
واستلهم صناع العمل معالجته من فيلم “منطقة الاهتمام” (The Zone of Interest) للمخرج البريطاني جوناثان غليزر، الذي أبقى ضحايا معسكر أوشفيتز خارج الصورة، مع استمرار حضورهم عبر الأصوات والتفاصيل المحيطة. ويشارك غليزر في “نازا” منتجا تنفيذيا، بينما يتولى جيمس ويلسون الإنتاج بالتعاون مع “الغارديان”. ووفقا للموقع الرسمي لمهرجان فينيسيا، تبلغ مدة الفيلم 80 دقيقة، وهو إنتاج بريطاني ناطق بالعبرية والإنجليزية. جوناثان غلازر، وراشيل تسور، ويوفال أبراهام، وجيمس ويلسون حضروا جلسات التصوير الخاصة بفيلم “نازا” (Naza) .
وكان فيلم نازا، من أبرز الأعمال المرشحة للفوز بجائزة “الأسد الذهبي”، بعد استقبال جماهيري لافت في عرضه العالمي الأول الخميس الماضي، في مدة وصفتها تقارير صحفية بأنها الأطول في تاريخ المهرجان. وبغض النظر عن أية ملاحظات يمكن تسجيلها عن امتناع أحد المخرجين عن استخدام مفهوم الإبادة الجماعية، سيبقى الفيلم متميزا وكاشفا عن حقيقة دولة إسرائيل النازية. وكل التحية لمن ساهم في انتاج وإخراج الفيلم.
[email protected]