اسامة ناصر / شيكاغو
يتشكل داخل المجتمع الفلسطيني خطر يتجاوز حدود التنافس بين فتح وحماس وسائر القوى السياسية. فالتنافس على الانتخابات وتجديد النظام السياسي أمر طبيعي ومطلوب ما دام يقوم على البرامج والرؤى ويحتكم إلى إرادة الناخبين. لكن الخطر يبدأ عندما ينتقل الانقسام من المؤسسات والفصائل إلى العلاقات الاجتماعية والعائلية فيتحول الاختلاف السياسي إلى اصطفاف عائلي أو مناطقي أو فئوي يهدد تماسك المجتمع.
وتزداد احتمالات هذا الانتقال في ظل غياب مشروع وطني واضح يجيب عن الأسئلة التي فرضتها حرب غزة وما يجري في الضفة الغربية ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني. فعندما تعجز القوى السياسية عن تقديم رؤية مشتركة يتسرب الانقسام إلى المجتمع ويعيد تشكيل الولاءات على أسس ضيقة.
انه غياب المشروع وتراجع الثقة.
لم يعد اليسار الفلسطيني يمتلك المشروع الذي يتيح له مخاطبة الناس وتقديم بديل حقيقي. وفي المقابل تنشغل فتح وحماس بالتنافس السياسي والانتخابي من دون أن تقدما إجابة واضحة عن شكل المرحلة المقبلة أو كيفية إعادة بناء النظام السياسي واستعادة ثقة المجتمع. وهذا الفراغ لا يضعف المؤسسات فحسب بل يفتح المجال أمام تفكك اجتماعي يتغذى على فقدان الثقة.
كلما ضعفت المؤسسة ازدادت حاجة المواطن إلى البديل الأقرب وتبرز العائلة هنا بوصفها الإطار الأكثر قربا وقدرة على توفير الحماية والمساندة. وقد كانت العائلة الفلسطينية دائما جزءا من قوة المجتمع ومصدرا للتكافل في الأزمات لكن الخطر يظهر عندما تتقدم على المؤسسة الوطنية وتتحول من إطار اجتماعي إلى مرجعية سياسية. عندها يصبح الانقسام السياسي قابلا للتحول إلى انقسام بين جماعات اجتماعية ومناطقية متنافسة ويغدو الانتماء إلى العائلة أو المنطقة أقوى من الانتماء إلى المصلحة العامة.
الانتخابات ضرورة لكنها ليست كافية.
لا شك في أن الانتخابات مهمة لأنها قد تكون مدخلا إلى تجديد النظام السياسي وإعادة الشرعية إلى المؤسسات وفتح المجال أمام قيادات وبرامج جديدة. لكنها لا تستطيع وحدها إعادة بناء مجتمع فقد ثقته بمؤسساته ولا تمنع انتقال التنافس السياسي إلى صراع اجتماعي إذا جرت من دون مشروع وطني جامع.
وهنا يكمن القلق الحقيقي. فاليمين الإسرائيلي الذي يرفض قيام كيان فلسطيني موحد لن يحتاج دائما إلى تفكيك المجتمع من الخارج إذا ترك الفلسطينيون فراغا يتسع من الداخل. وكلما تحول الانقسام السياسي إلى ولاءات اجتماعية متعارضة أصبح المجتمع أكثر هشاشة وأقل قدرة على مواجهة التحديات الخارجية.
ولا يعني ذلك أن العائلات تعمل لمصلحة إسرائيل أو أن القوى السياسية تريد تفكيك المجتمع لكن النتائج قد تكون أخطر من النوايا. فالتنافس على النفوذ حتى من دون قصد قد يرسخ الانقسامات الاجتماعية ويضعف الشعور بالمصلحة الوطنية المشتركة.
فننتقل من الانقسام السياسي إلى التفكك الاجتماعي.
كان المجتمع الفلسطيني أقوى عندما شعر بأن له قضية واحدة ومصلحة مشتركة ومؤسسات تمثله. أما إذا بدأ كل فرد يبحث عن تمثيل عائلته وكل منطقة عن نفوذها وكل فصيل عن حصته الانتخابية عبر تجمعات عائلية أو قبلية فإننا ننتقل من الانقسام السياسي إلى تفكك اجتماعي أعمق. عندها لا يعود الخلاف بين برامج سياسية بل يصبح صراعًا بين جماعات ترى في بعضها تهديدا لمصالحها ووجودها.
لذلك يجب أن تكون الانتخابات المقبلة فرصة حقيقية لتجديد النظام السياسي لا مجرد وسيلة لتغيير موازين القوى. نحن بحاجة إلى انتخابات تفتح الطريق أمام تجديد القيادة وتطوير المؤسسات وظهور برامج جديدة وإرساء محاسبة حقيقية حتى لا تتحول نتائجها إلى وقود لانقسامات اجتماعية جديدة.
ونحتاج في الوقت نفسه إلى مشروع يعيد الاعتبار للمصلحة الوطنية ويمنع تحول العائلة أو الفصيل أو المنطقة إلى بديل عن الدولة والمؤسسة. فاستعادة وحدة المجتمع تتطلب أن يشعر المواطن بأن حقوقه وحمايته وخدماته مرتبطة بمؤسسات عامة لا بولائه لجماعة اجتماعية أو سياسية بعينها.
السؤال اليوم ليس فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ بل ماذا سنفعل بالنظام السياسي بعدها؟ وهل نستطيع إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة قبل أن يصبح الاعتماد على البدائل العائلية والفئوية أمرا طبيعيا ؟فالإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان التنافس السياسي سيبقى داخل المؤسسات أم سيتحول إلى تفكك اجتماعي.
هذه هي المعركة التي تستحق أن نخوضها لأن خسارة انتخابات يمكن تعويضها في انتخابات أخرى أما خسارة تماسك المجتمع فقد تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تُستعاد. وكلما تأخر إصلاح المؤسسات ازداد خطر أن يصبح الانقسام السياسي جزءا من البنية الاجتماعية نفسها.
ولهذا فإن الخطر المقبل لا يكمن فقط في استمرار الانقسام السياسي بل في تحوله إلى واقع اجتماعي. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة يصبح إصلاح السياسة أسهل من إصلاح المجتمع لأن الخلاف لن يعود بين قيادات وفصائل بل بين جماعات ومناطق وعائلات.
وهنا تكون الكارثة؛ لأن البيت الفلسطيني إذا فقد الثقة بين سكانه فلن يحتاج خصومه إلى هدمه فقد يبدأ هو نفسه في التفكك من الداخل.
اخوكم اسامة ناصر / شيكاغو