جاري التحميل...

رواية تحاكي فصلا من الإبادة

عمر حلمي الغول
أصدرت دار الأرض، حديثة التأسيس في محافظة رام الله – البيرة الفلسطينية، الطبعة الأولى من رواية بعنوان “أيام دانيال الأخيرة” هذا العام 2026، من القطع المتوسط، بعدد 262 صفحة، للروائي الشاب عبدالله عسلية من غزة، وزعها على 8 محطات أو فصول، وهي التجربة الأولى له. ويمكن الجزم بعد قراءة الرواية بتأن وتدقيق، أن الروائي عسلية أبدع في محاكاة فصله الخاص والمتواضع من الإبادة الجماعية على قطاع غزة، بعد السابع من تشرين اول / أكتوبر 2023، لا سيما وأن لكل مواطن من أبناء القطاع له فصله وقسطه الذاتي من السردية الجمعية، لأبناء الشعب الفلسطيني، الذين ابتلوا وانتكبوا بالكارثة الوحشية الإسرائيلية على مدار الأعوام الثلاثة الماضية.
ورغم أن الروائي الشاب وقع ما بين الصفحات 64 و75، وقع في بعض الهنات في التاريخ ودور القوى السياسية والاجتماعية بعد نكبة عام 1948، وفي ستينات وسبعينات القرن الماضي، ومع إقامة السلطة الوطنية الوليدة، التي لم أكن أتمنى تعرضه لها، لكنه حاول ربط محطات تاريخ النكبة الأولى وما تلاها. الا أنه أنجز وثيقة وشهادة متميزة وخلاقة في استنطاق ابطال روايته، وفي مقدمتهم بطل الرواية دانيال، الذي عاش تفاصيل رحلته الممتدة على الجزء الأكبر من الإبادة الجماعية، وحاكى كل بقعة ومكان وشقة نزح اليها، من شمال القطاع الى جنوبه، وأنطق الموت، والدمار، والجوع، والعطش، والهلع والخوف، والحصار، وحواجز جيش الإبادة الإسرائيلي، وقناصته، ومعسكر الإبادة الأميركي في رفح، الذي أطلقوا عليه كذبا وتزويرا “معسكر الإغاثة” في منطقة الشوكة. والاحتجاز مع والده الدكتور اليساري على الحواجز، ثم وقوعه في قبضة الجيش الإسرائيلي في إحدى المدارس التي آوى اليها مع أبو الأسد قريبه الذي لا يعرفه، قبل ان تسلمه مجموعة من ميليشيات حماس التي اعتقلته اليه، وهو ما يكشف عن التكامل بين ميليشيات حماس والعصابات الخاصة المنتشرة في المناطق المختلفة. ولولا جواز سفره المليء بالأختام وتأشيرات الدول التي جال عليها اثناء دراسته في اسبانيا قبل عودته للوطن عشية الإبادة، لكان مصيره الموت اسوة بمن اعتقل معهم في حارة الدرج، وكان نصيبهم الإعدام دون سبب، والطائرات المسيرة بأنواعها المختلفة، كما أن جواز سفره أنقذه من الأسر الإسرائيلي، نتاج تشابه الاسم مع أحد المستهدفين من عناصر حركة حماس، وكيفية خروجه مع العائلات من النساء والأطفال، الذين أسر ازواجهن وابناءهم الشباب من الجيش الإسرائيلي سيرا على الاقدام الى شارع الرشيد غرب مدينة غزة.
تفاصيل موحشة ورهيبة جال عليها بطل الرواية بتفاصيل هامة وشيقة، بقدر ما تحمل اشكال الألم والكارثة والاهوال والتيه في صحراء الإبادة، بقدر ما كانت لغة سلسة بانسيابيتها وعذوبتها وتدافعها الانيق وخصبها، مشبعة بكشف اسنان ومخالب الوجع القاسي والفظيع، ورشيقة ومعبرة عن كل ذرة من الكارثة غير المسبوقة، ورغم الموت الملازم لأبطال الرواية في كل زاوية مروا بها، كان دانيال ينسج خيوط روايته الرائعة بخيوط العمليات الجراحية الدقيقة، وحاكى واقع مدينة غزة وشوارعها الهامة قبل الإبادة واثناءها، فأماط اللثام عن حجم وأهوال جريمة النازية الإسرائيلية، وخاصة شارع فهمي بيك، وأسواق المدينة واحياءها التاريخية، التي باتت جزءً من الاطلال المدمرة وأكوام متناثرة يغطي رمادها وسوادها كل بقعة ضوء سابقة للإبادة.
لكن لعل من اهم النقاط التي يمكن تسليط الضوء عليها، التي تكشف عن ولادة روائي مبدع وملهم، من وجهة نظري، أنه أختار اسم دانيال بطلا للرواية، ولم يكن محض صدفة، انما لإن والدته الدكتورة الاسبانية أليونا ميخائيل المسيحية ووالده اليساري، منحاه الاسم؛ كما انه بدأ روايته مع والدته، عندما رافقها الى كنيسة القديس برفيريوس الكائنة في حارة الزيتون، في المرة الأولى مع بداية الإبادة الجماعية، لكي تودع وصيتها بين يدي القاضي أليكسيوس في ديوان المطرانية، والثانية للصلاة والتطهر بعد أن ألمت بها وعكة نفسية جراء تطبيبها لطفل لم يبلغ العاشرة، طالت حروقه كامل جسده بلا استثناء. وختم راويته وهو يبحث عن والدته في مستشفى الشفاء، ولم يجدها في غرفة العمليات الجراحية، رغم انتظاره وقتا طويلا، حيث كانت من أول الأطباء الذين انطلقوا لمعالجة الجرحى في مستشفى المعمداني بعد قصف وحشي إسرائيلي، ولم يُعرف مصيرها، لأن الجيش الإسرائيلي حاصر الأطباء وأسرهم أو قتلهم.. ليس معروفا.
ومن النقاط الهامة الربط الرائع بين أبناء المجتمع الفلسطيني مسيحيه ومسلميه، في عناق أبدي ووحدة مصيرية بين أبناء الشعب الواحد الموحد، في مواجهة نازيو العصر الحديث الصهاينة. الرواية تستحق القراءة، لأنها رواية ووثيقة هامة في آن، فضلا عن لغتها الرشيقة والرائعة.
[email protected]
[email protected]