بقلم: فراس الطيراوي – شيكاغو
ليس كل رحيل غيابًا، ولا كل موت نهاية. هناك أسماء حين ترحل تدرك أنها تجاوزت أعمار أصحابها، لأنها أصبحت جزءًا من ذاكرة شعب، ومن صورة وطن، ومن حكاية لا تنتهي برحيل صاحبها.
هكذا هو سليمان منصور.
رحل الفنان، وبقيت لوحاته شاهدة على مسيرة طويلة اختار فيها أن يقول، باللون والخط والصورة، ما آمن به طوال حياته: هنا فلسطين، وهنا شعب له أرض وذاكرة وهوية لا تُمحى.
لم يكن سليمان منصور فنانًا يرسم فلسطين وحسب، بل كان واحدًا من أبرز الذين أسهموا في تشكيل ذاكرتها البصرية الحديثة. رسم الأرض كما يعرفها أهلها: الزيتون، ووجوه الأمهات، والفلاحين، والثوب الفلسطيني، والحجر القديم، والقدس التي لم تكن في أعماله مجرد مدينة، بل ذاكرة وهوية ووجدانًا.
كان يعرف أن الوطن ليس حدودًا على خريطة فقط. الوطن تفاصيل صغيرة تسكن الإنسان وترافقه أينما ذهب: شجرة زيتون، بيت قديم، وجه أم، يد فلاح، رائحة تراب، وملامح رجل أتعبته الطريق لكنه لم يتخلَّ عن وطنه.

ومن هنا جاءت قوة أعماله.
لم تكن لوحاته ترفا جماليا ، ولم تكن ألوانه محايدة. كان الفن بالنسبة إليه شهادة على زمن، وحفظًا للذاكرة، ووسيلة للدفاع عن رواية شعب واجه، وما زال، محاولات اقتلاعه من أرضه ومن حكايته في الوقت نفسه.
حين حمل الفلسطيني القدس على ظهره
لعل لوحته الأشهر، «جمل المحامل»، تختصر جانبًا كبيرًا من تجربته الفنية والوطنية.
ذلك الرجل الفلسطيني المنحني تحت ثقل القدس ليس مجرد شخصية مرسومة. إنه صورة تختصر حكاية شعب أثقلته الحروب والاحتلال واللجوء والمنافي، لكنه ظل يحمل وطنه معه أينما ذهب.
ينحني الرجل تحت الحمل، لكنه لا يسقط.
وفي هذه الصورة البسيطة تكمن قوة اللوحة.
فالقدس هنا ليست حجارة تُحمل على الظهر، بل ذاكرة وانتماء وهوية. والرجل لا يحملها لأنها خفيفة، بل لأنها جزء منه، ولأنه ببساطة لا يستطيع التخلي عنها.
وكأن سليمان منصور يقول من دون خطاب أو شعار: قد يثقل الوطن ظهورنا، لكنه لا يسقط من قلوبنا.
الزيتونة… أكثر من شجرة
وفي عالم سليمان منصور، لم تكن شجرة الزيتون تفصيلًا جماليًا يملأ مساحة في اللوحة.
كانت جزءًا من الحكاية الفلسطينية نفسها: جذورًا ضاربة في الأرض، وذاكرة تتوارثها الأجيال، وشجرة تعرف معنى البقاء في مواجهة الريح والاقتلاع.

أدرك منصور مبكرًا أن الصراع على فلسطين ليس صراعًا على الأرض وحدها، بل على الذاكرة والرواية والصورة أيضًا. ومن يريد أن ينفي شعبًا عن أرضه، يحاول أولًا أن ينفي حكايته عنها.
لهذا أعاد سليمان منصور، عبر فنه، تثبيت الفلسطيني داخل حكايته.
رسمه كما يعرف نفسه: إنسانًا له وجه وبيت وأم وأرض وحلم وكرامة وتاريخ. وحين اختزلت السياسة والإعلام الفلسطيني أحيانًا في رقم، أو خبر عاجل، أو صورة عابرة، أعاده منصور إلى اللوحة إنسانًا كاملًا.
مقاومة من نوع آخر
اختار سليمان منصور سلاحه مبكرًا: الفن والذاكرة.
كان يدرك أن الثقافة ليست هامشًا في معركة الشعوب من أجل وجودها، بل واحدة من أكثر ساحاتها بقاءً.
يمكن هدم بيت، وإقامة حاجز، واقتلاع شجرة، لكن اقتلاع صورة الوطن من ذاكرة شعب مهمة أخرى. وهنا تحديدًا كان دور ريشة سليمان منصور.
جعل من الفن مساحة لحماية الذاكرة، ومن اللون لغة تحكي الرواية الفلسطينية، ومن اللوحة وثيقة تتجاوز زمنها لتقول للأجيال القادمة إن الفلسطيني كان هنا، وإن له حكاية وذاكرة وعلاقة بهذه الأرض لا تبدأ بخبر سياسي ولا تنتهي به.
لم يرسم سليمان منصور فلسطين كما يتخيلها الآخرون، بل كما يعرفها الفلسطينيون أنفسهم.
وهذه، في رأيي، واحدة من أهم قيم تجربته.
الفنان يرحل… واللوحة تبقى
اليوم، ونحن نودع سليمان منصور، فإننا لا نودع فنانًا فقط، بل شاهدًا على مرحلة، وحارسًا لذاكرة، ورجلًا أسهم في منح فلسطين وجهًا فنيًا عرفه العالم.
لكن الفنان الحقيقي يمتلك حياة أخرى بعد رحيله: حياة أعماله.
سيبقى سليمان منصور كلما وقف طفل فلسطيني أمام إحدى لوحاته وسأل عن حكايتها.
سيبقى في الزيتونة التي رسمها، وفي وجه الأم الفلسطينية، وفي القدس التي حملها ذلك الرجل المتعب على ظهره، وفي كل لون تحول تحت ريشته إلى شهادة على شعب يريد أن يعيش حرًا على أرضه.
ستتغير السياسة، وتتبدل الخرائط والوجوه والأسماء، لكن اللوحة الصادقة تستطيع أن تعبر الأزمنة لأنها تحتفظ بشيء تعجز نشرات الأخبار عن الاحتفاظ به: روح الإنسان وذاكرته.
ولهذا لن يكون سليمان منصور مجرد اسم في تاريخ الفن الفلسطيني.
سيبقى جزءًا من الطريقة التي يرى بها الفلسطيني نفسه، ومن الصورة التي قدمت بها فلسطين نفسها إلى العالم.
رحل الرجل الذي رسم الأرض، لكن الأرض لن تنسى من رسمها.
ورحل الفنان الذي أحب الزيتون، وسيظل الزيتون شاهدًا على حكايته.
أما فلسطين التي حملها سليمان منصور طوال حياته في قلبه وريشته، فستحمل اسمه في ذاكرتها.
وداعًا سليمان منصور…
وضعت الريشة جانبًا، لكن لوحاتك ستواصل الكلام.
وستظل تقول:
هنا فلسطين…
هنا شعب لا ينسى…
وهنا أرض تعرف أصحابها.