غزة بين الإبادة والانقسام والحراك الشعبي: الفرص، التهديدات، وإدارة الغضب نحو مسار وطني وإنساني جامع

د. صلاح عبد العاطي

ورقة تقدير موقف
أولًا: مقدمة
تشهد الساحة الفلسطينية، وقطاع غزة على وجه الخصوص، لحظة تاريخية شديدة التعقيد تتداخل فيها الإبادة المستمرة وما تخلّفه من كارثة إنسانية غير مسبوقة، مع استمرار الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار والشرعية، وغياب دور السلطة، وتشكيل بدائل ادارية غير فاعلة مثل لجنة إدارة غزة وتعثر عمل مجلس السلام ، ومع تصاعد الدعوات لحراك الشعبي بوصفه تعبيرًا عن ضغط إنساني واجتماعي بالغ القسوة.
هذا الحراك لا يمكن اختزاله في قراءة واحدة؛ فهو يجمع بين كونه:
تعبيرًا مشروعًا عن ألم جماعي متراكم
مساحة مفتوحة للتأويل السياسي والاستقطاب
واحتمالًا لزيادة التوتر إذا أُدير بمنطق التخوين أو الإقصاء أو التوظيف
ومن هنا، فإن الإشكال المركزي لا يتعلق بوجود الحراك من عدمه، بل بكيفية إدارته وتوجيهه بما يحفظ السلم الأهلي، ويمنع الانزلاق نحو الداخل، ويُبقي البوصلة نحو الاحتلال بوصفه المصدر البنيوي للأزمة، لا نحو تفريغ الصراع داخل المجتمع الفلسطيني نفسه.

ثانيًا: السياق العام

1. سياق الإبادة والكارثة الإنسانية
يشهد قطاع غزة انهيارًا شبه شامل في مقومات الحياة بفعل العدوان المستمر، بما يشمل:
استهداف مباشر ومتواصل للمدنيين
نزوح واسع ومتكرر يفوق قدرة المجتمع على الاستيعاب
تدمير واسع للبنية التحتية
انهيار المنظومة الصحية والخدمات الأساسية
شحّ حاد في الغذاء والدواء والمأوى
ما جعل المجتمع في حالة ضغط وجودي يهدد شروط البقاء ذاتها.

2. سياق الانقسام وتعدد مراكز الشرعية
أدى استمرار الانقسام السياسي إلى إعادة إنتاج تعدد المرجعيات ومصادر الشرعية، وأبرزها:
شرعية سياسية/تنظيمية
شرعية مقاومة/ميدانية
شرعية وظيفية مرتبطة بتوفير الحد الأدنى من الحياة
وصاية دولية
هذا التعدد لم يُدار ضمن إطار وطني جامع، بل تحول في أحيان كثيرة إلى مصدر إضافي للتشظي وفقدان البوصلة الجامعة.

3. سياق الحراك والفضاء العام
تزايدت الدعوات للحراك الشعبي في ظل ضغط إنساني متصاعد، ما أدى إلى:
اتساع التعبير عن الغضب والألم
خطاب موازٍ يحذر من الفوضى أو الاستغلال
حالة استقطاب حاد حول معنى الحراك ووظيفته
وفي بعض الحالات، ترافق ذلك مع:
اتهامات متبادلة
توظيف سياسي
ومحاولات لإعادة تفسير الحراك داخل صراع الشرعيات والانقسامات.

4. سياق الإدارة السياسية وتعدد التفسيرات
يتعمق الحراك في ظل تعمق الانقسام، و غياب إدارة وطنية موحدة للملف الفلسطيني وبالذات في قطاع غزة ، وتعدد المقاربات السياسية، ما أنتج تفسيرات متباينة داخل الرأي العام، أبرزها:
اتجاه نقد الإدارة القائمة:
يركز على إشكاليات إدارة الشأن العام من قبل حركة حماس، توزيع الموارد، الرسوم، غياب التوافق الوطني، وتعدد الوفود والتمثيل، ورفض ما يتم قبولة لاحقا ، وما ترتب على ذلك من فقدان الثقة والإرباك.
اتجاه بنيوي/احتلالي:
يرى أن جوهر الأزمة مرتبط بالاحتلال الإسرائيلي وسيطرته على المعابر والموارد واستمرار حرب الإبادة ورفض الاحتلال اي إدارة محلية فلسطينية ما يحعل اي ادارة قدرتها محدودة على التأثير الجوهري في مجال التخفيف من الكارثة الإنسانية.

اتجاه الانقسام العام:
يعتبر أن قطاع غزة يجب ان يعود للسلطة الفلسطينية ويحمل المسؤلية عما حدث من ابادة الي جوار الاحتلال الى لحركة حماس عدا عن سؤ ادارتها للتفاوض واعاقتها للتوفق وتاخرها في الاستجابة الي جهود الوسطاء وعدم قدرتها علي تقديم المقاربات المطلوبة .

اتجاه التحذير من الفوضى والاستغلال:
يخشى من دخول أطراف داخلية أو خارجية على خط الحراك وتوظيفه بما يضر المجتمع، وخاصة مع تقديم الفصائل الفلسطينية المقاربات الوطنية والرود الايجابية المطلوبة للوسطاء، وان الإشكالية كانت في تعنت الاحتلال واصرارة علي مواصلة الابادة وبقاء الكارثة الإنسانية.

الخلاصة: الأزمة متعددة الطبقات ولا يمكن ردّها إلى سبب واحد.

ثالثًا: اتجاهات الرأي العام
يمكن تمييز أربعة اتجاهات رئيسية:

1. اتجاه الضغط/النجاة
وقف الحرب هو الأولوية القصوى حماية الإنسان و
إنهاء الكارثة الإنسانية شرط لأي نقاش سياسي
دعم أي فعل يضغط باتجاه وقف الإبادة الجماعية ويمنع اتفجار الأوضاع

2. اتجاه الحذر/الشك
يخشى الاستغلال الداخلي أو الخارجي
يطرح أسئلة حول التوقيت والأهداف ومن وراء الدعوات و
يتحفظ على الحراك في ظل هشاشة الوضع

3. اتجاه الاستقرار/الضبط
أولوية مطلقة للسلم الأهلي
الانفجار الداخلي يُعد تهديدًا وجوديًا
تجنب أي صدام داخلي مهما كانت المبررات

4. اتجاه التخوين والشيطنة
قراءة الحراك بمنطق الاتهام المسبق
ربطه بأطراف سياسية السلطة أو إقليمية أو الاحتلال
يعمّق الانقسام ويضعف المجال العام
الخلاصة العامة
المجتمع في غزة لا يتحرك وفق مشروع سياسي موحد، بل ضمن حالة ضغط جماعي تبحث عن الحد الأدنى من الأمان والنجاة في ظل انهيار شامل.

رابعًا: إشكالية الحراك الشعبي
يمثل الحراك الشعبي في غزة حالة مركبة:
من جهة: تعبير مشروع عن ضغط إنساني هائل ورغبة في إنهاء الواقع الكارثي
من جهة أخرى: مساحة قابلة للتأويل والتوظيف داخل بيئة منقسمة
ويبرز هنا توتر جوهري بين:
الحق في التعبير والتجمع السلمي
مخاوف الفوضى والانقسام والصدام الداخلي
تعدد اتجاهات البوصلة: الاحتلال أم الداخل.
وتزداد الخطورة حين تتحول لغة التخوين والشيطنة إلى أداة لإدارة الخلاف والرؤي بما يؤدي إلى:
إضعاف السلم الأهلي
تعميق الانقسامات
وتشويه الفعل الاجتماعي الوطني ذاته
خامسًا: التهديدات
توظيف الانقسام السياسي للحراك
تحويل الحراك إلى ساحة صراع شرعيات بدل كونه تعبيرًا اجتماعيًا.
احتمالات الاحتكاك أو الصدام الداخلي
ما يهدد النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي بشكل مباشر.
تصاعد خطاب التخوين والشيطنة
إنتاج بيئة استقطاب وكراهية متبادلة.
استغلال الاحتلال لحالة الانقسام و الاضطراب الفوضي
تعميق الانقسام وإضعاف المجتمع الفلسطيني.
تآكل الثقة العامة بين المجتمع والقوى السياسية ومؤسساتها المختلفة.

سادسًا: الفرص المتاحة
تحويل الغضب إلى ضغط سياسي موحد
باتجاه وقف الإبادة وإنهاء الكارثة الإنسانية.
توحيد الخطاب حول وقف الحرب
كقاسم مشترك جامع يتجاوز الانقسام.
إعادة تعريف الشرعية
على أساس حماية الإنسان الفلسطيني وكرامته ووجوده وحماية الحقوق الإنسانية والوطنية .
فتح مسار إدارة مدنية/إنسانية لقطاع غزة
يشمل الضغظ تجاه دخول لجنة إدارة غزة وادخال الاغاثة والمساعدات الإنسانية والصحية الكافية ة وإعادة تنظيم وتعافي الخدمات.
ضمان مقاربة لإعادة الإعمار
كأولويات عاجلة غير قابلة للتأجيل.
خلق مساحات تعبير سلمية آمنة
تخفف الاحتقان وتمنع الانفجار.
بناء توافق وطني على الحد الأدنى الإنساني
كأساس لإدارة المرحلة الانتقالية.
إبراز الكارثة أمام العالم
وكشف عجز المجتمع الدولي عن وقف الحرب وتأمين الاحتياجات.
إعادة إحياء مركزية القضية الفلسطينية دوليًا في ظل تراجع الاهتمام بفعل التحولات الإقليمية والدولية.

سابعًا: التقدير الاستراتيجي
تقف غزة أمام مفترق حاسم:
إما تحويل الغضب الشعبي إلى قوة ضغط موحدة ضد الاحتلال والإبادة والكارثة الإنسانية
أو انزلاقه إلى استقطاب داخلي يهدد النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي
وفي المقابل، فإن:
قمع الحراك أو شيطنته
قد يؤدي إلى:
تفجير الغضب بشكل غير منضبط
تعميق الانقسامات وحالة الاحتقان الداخلي
إضعاف الاستقرار الهش والسلم الاهلي .

وعليه، فإن إدارة هذه اللحظة تتطلب توازنًا دقيقًا بين:
حماية حرية التعبير والتجمع السلمي،
منع الانفجار الداخلي،
وتثبيت البوصلة نحو الاحتلال كسبب رئيسي للأزمة والكارثة الإنسانية.
توجيه المطالبات ضد الاحتلال وللعالم لوقف جرائم الابادة وخروقات اتفاق وقف إطلاق النار وعرقلة دخول المساعدات وعمل المؤسسات الدولية ومنع دخول لجنة إدارة غزة وقوة الحماية الدولية او الاستقرار.
الضغظ علي الاطراف الداخلية لمزيد من التوافق علي الحد الأدنى لمنع الانفجار وحماية الوجود الفلسطيني وتعزبز الصمود

ثامنًا: التوصيات
ضمان حرية التعبير والتجمع السلمي كحق غير قابل للمصادرة
رفض التخوين والشيطنة كأداة لإدارة الخلاف، وتركيز الغضب ضد الاحتلال كمصدر رئيسي للكارثة
ومنع تحويل الحراك إلى صراع داخلي والحفاظ على السلم الاهلي وما تبقي من منشاءات ومؤسيات تقدم الخدمات ، وتعزيز خطاب وطني جامع لوقف الحرب
الدفع نحو توافقات وطنية على الحد الأدنى الإنساني والسياسي
دعم وقف الحرب، إدخال المساعدات، إعادة الإعمار، والانسحاب الإسرائيلي
إعادة تعريف الشرعية على أساس حماية الإنسان لا السيطرة

تاسعًا: الخلاصة الختامية
غزة اليوم ليست فقط ساحة إبادة وصراع مع الاحتلال، بل أيضًا ساحة اختبار داخلي بالغ الحساسية بين الألم والخوف والأمل، بين الانقسامات والاحتقانات والتوافقات الاجتماعية والسياسية، وبين الحاجة إلى التعبير والحاجة إلى البقاء.
ويبقى التحدي المركزي: كيف يمكن تحويل الغضب الشعبي إلى قوة ضغط موحدة ورافعة إنسانية وسياسية لحماية الانسان وكرامتة ، بدل أن يتحول إلى أداة استنزاف داخلي تعمّق الانقسام وتضعف المجتمع في مواجهة أخطر لحظاته التاريخية؟