في رحاب الذاكرة… الموروث الفلسطيني يتجدد في جامعة النجاح

في فضاءٍ يتكئ على عبق التاريخ، وتحت قباب العلم التي لا تنفصل عن نبض الوطن، احتضنت جامعة النجاح الوطنية الندوة السنوية لصالون الأستاذة الدكتورة أفنان دروزة الثقافي، الموسومة بعنوان “الموروث الثقافي الفلسطيني”، بحضور أكاديمي وثقافي لافت، وبرعاية رسمية تعكس مكانة الحدث وأهميته. وقد عُقدت الندوة بالتعاون بين جامعة النجاح الوطنية وصالون الأستاذة الدكتورة أفنان دروزة الثقافي، وعلى شرف دولة الأستاذ الدكتور رامي الحمد الله نائب رئيس مجلس أمناء الجامعة.

افتُتحت الفعالية في مدرج الشهيد ظافر المصري، حيث تلاقت الوجوه على محبة فلسطين، وارتفعت الكلمات الأولى محمّلة بروح الانتماء، بدءًا بآياتٍ من الذكر الحكيم، فالسلام الوطني، ووقفة وفاء لأرواح الشهداء، وكأن المكان يستعيد ذاكرته الحيّة في لحظة امتزج فيها الحضور بالمعنى.

وتوالت الكلمات الرسمية التي أجمعت على أهمية هذه الندوة في تثبيت الوعي الثقافي، وتعزيز حضور التراث الفلسطيني في المشهد الأكاديمي، بوصفه خط الدفاع الأول عن الذاكرة الجمعية.

وفي كلمة ترحيبية، أكدت الأستاذة الدكتورة أفنان دروزة أن الموروث الثقافي ليس مجرد حكايات تُروى، بل هو هويةٌ تُصان، وجذورٌ تمتد في عمق الأرض والإنسان، مشددة على ضرورة تحويله إلى مشروع وطني جامع يحمي الرواية الفلسطينية من التزييف والاندثار.

وأدارت الندوة الدكتورة عطاف الزيّات بحضورٍ واثقٍ ولغةٍ رشيقة، فنسجت خيوط البرنامج بإتقان، وأحسنت الانتقال بين فقراته بانسيابيةٍ لافتة. وبعد أن رحّبت برئيس الجامعة وعميد الكلية،
وقبل دعوتها للدكتورة أفنان دروزة لإلقاء كلمتها، قدّمت نبذةً موجزة عن السيرة الذاتية للبروفيسور افنان دروزة، مشيرةً إلى غزارة عطائها العلمي الذي تجاوز تسعين بحثًا، إلى جانب عشرة إصدارات أدبية وعلمية، مثنيةً على مسيرتها الثرية وإسهاماتها المتواصلة في الحقلين الثقافي والأكاديمي.
وقد بدا دور عريف الحفل د. الزيات أكثر من مجرد إدارة، إذ شكّلت حلقة وصلٍ حيوية بين المنصة والجمهور، حافظت على إيقاع الندوة، ورفدت أجواءها بالحيوية والتركيز.

من جهته، قدّم رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور عبد الناصر زيد كلمةً حملت ملامح الرؤية الأكاديمية الوطنية، حيث شدد على أن الجامعات ليست فقط مؤسسات تعليمية، بل حواضن للوعي الجمعي، ومساحات لإعادة إنتاج الهوية الفلسطينية في وجه محاولات الطمس، مؤكدًا أن الجامعة ستبقى منبرًا للمعرفة الملتزمة بقضايا شعبها، وسندًا لحماية الإرث الثقافي وتوثيقه.

أما عميد كلية العلوم الإنسانية والتربوية، الدكتور عبد الخالق عيسى، فقد أضاء في كلمته على الدور المحوري للعلوم الإنسانية في صون الرواية الفلسطينية، معتبرًا أن البحث العلمي في مجالات التراث والثقافة يشكل جبهة متقدمة في معركة الوعي، وأن الكلية تضع هذا الملف في صدارة أولوياتها الأكاديمية والبحثية.

لوحة علمية متعددة الأبعاد

وشهدت الندوة تقديم مجموعة من الأوراق العلمية التي تنوعت في موضوعاتها وعمقها، حيث جاءت على النحو الآتي:

* الدكتور محمد الخطيب: “القدس في الموروث الثقافي”
* الدكتور أمين أبو بكر: “الذاكرة الوثائقية الفلسطينية”
* الدكتورة منى أبو حمدية: “حماية الموروث الثقافي الفلسطيني”
* الدكتور جعفر عباهرة: “السياحة في الموروث الثقافي الفلسطيني”

وقد شكّلت هذه الأوراق مجتمعةً فسيفساء معرفية أعادت قراءة التراث الفلسطيني من زوايا متعددة، جمعت بين التحليل الأكاديمي والالتزام الوطني.

وشهدت الندوة تفاعلًا ملحوظًا من الحضور، عبر مداخلاتٍ أثرت النقاش، وأسئلةٍ فتحت آفاقًا جديدة للتفكير في آليات صون التراث وتطويره.

وتخللت الندوة استراحة قهوة ترافقها وصلة موسيقية أضفت بعدًا وجدانيًا على الأجواء، قبل أن تُستأنف الجلسات بنقاشاتٍ غنية ومداخلاتٍ عكست تفاعل الحضور واهتمامهم.

واختُتمت الفعالية بزاوية أدبية تنوّعت بين الشعر والنثر، شارك فيها الأدباء والشعراء: معالي سلمان، سماحة حسون، ليلى قنديل، وليث النيص، حيث أعادت نصوصهم للكلمة بريقها، وجسدت حضور الذاكرة الفلسطينية في وجدان الإبداع.

هكذا، بدت الندوة محطة مضيئة في مسار حماية الموروث الثقافي الفلسطيني، حيث تلاقى الفكر والإبداع في مشهدٍ يليق بوطنٍ يكتب تاريخه كل يوم، ويصون ذاكرته رغم كل التحديات.