جاري التحميل...

كيف نحرر فتح من السرديات اليتيمة؟

فتح فكرةٌ ووطنٌ وتاريخٌ أكبر من الفتحاويين
بقلم: د. صالح الشقباوي
مناضل فتحاوي

ثمة لحظات في تاريخ الحركات الوطنية يصبح فيها السؤال عن المستقبل أهم من الدفاع عن الماضي، ويصبح الصمت عن الخلل نوعاً من المشاركة فيه. وأعتقد أن فتح تقف اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات التاريخية.
السؤال لم يعد فقط: من يقود فتح؟
بل أصبح السؤال الأهم: أي فتح نريد؟
هل نريد فتح التي ولدت من رحم الثورة، أم فتح التي أصبحت أسيرة البيروقراطية؟
هل نريد فتح التي صنعت التاريخ، أم فتح التي أصبحت تدير تاريخها؟
هل نريد فتح التي كان الوطن غايتها، أم فتح التي أصبح الموقع فيها غاية لبعض أبنائها؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تفرض علينا أن نعود إلى البداية، إلى اللحظة التي كانت فيها فتح فكرة قبل أن تكون تنظيماً، وثورة قبل أن تصبح مؤسسة، ومشروعاً وطنياً قبل أن تصبح جزءاً من بنية السلطة.
أولاً: من البدايات إلى الوطن
لم تولد فتح من فراغ.
لقد ولدت من رحم الهزيمة الفلسطينية والعربية، ومن واقع تحول فيه الفلسطيني بعد النكبة إلى لاجئ ينتظر المساعدة، وإلى إنسان منزوع القدرة على التأثير في مصيره.
وكان الفعل التاريخي الأهم لفتح أنها أعادت تعريف الفلسطيني.
نقلته من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن اللاجئ الذي ينتظر إلى المناضل الذي يبادر، ومن حالة الانكسار إلى حالة المقاومة، ومن انتظار الآخرين إلى صناعة القرار الفلسطيني المستقل.
لقد قالت فتح، في جوهر تجربتها الأولى، إن الفلسطيني يستطيع أن يستعيد زمام تاريخه بنفسه.
وهنا تكمن عظمتها التاريخية.
ففتح لم تكن مجرد تنظيم يريد السلطة، بل حركة أرادت أن تعيد للفلسطيني معنى الوجود السياسي والتاريخي.
ولهذا فإن اختزال فتح اليوم في أشخاص أو مواقع أو لجان أو أجيال بعينها هو اختزال لتاريخ أكبر بكثير من هؤلاء جميعاً.
ثانياً: فتح لم تشخ كفكرة
علينا أن نفرق بين شيخوخة الأشخاص وشيخوخة الأفكار.
فتح لم تشخ كفكرة.
ففلسطين لم تتحرر، والإنسان الفلسطيني لم يصل بعد إلى كامل حقوقه الوطنية، والأسئلة الكبرى التي ولدت من أجلها فتح ما زالت قائمة.
الذي يمكن أن يشاخ هو الإنسان، والمؤسسة، والقيادة، وآليات العمل، وليس الفكرة الوطنية نفسها.
ومن هنا أقول:
فتح لم تشخ كفكرة؛ وإنما شاخ بعض الذين حملوا مشاعلها.
وهذه ليست إهانة لجيل أو إنكاراً لتضحياته.
على العكس تماماً.
إن الاعتراف بشيخوخة بعض الأدوات هو دفاع عن عظمة الفكرة.
فالذين صنعوا فتح في بداياتها لم يكونوا أسرى للماضي؛ كانوا ثائرين عليه.
ولذلك فإن الوفاء الحقيقي لهم لا يكون بتجميد فتح في صورتها القديمة، وإنما باستعادة شجاعتهم في التغيير.
ثالثاً: من الثورة إلى البيروقراطية
كان الخطر الأكبر على فتح دائماً أن تتحول من حركة تصنع التاريخ إلى مؤسسة تدير الماضي.
الحركة الثورية تنتج المبادرة.
أما البيروقراطية فتنتج الانتظار.
الحركة تفتح الأبواب.
أما البيروقراطية فتحرس الأبواب.
الحركة تسأل: ماذا نستطيع أن نفعل؟
أما المؤسسة الجامدة فتسأل: كيف نحافظ على ما لدينا؟
وهنا يبدأ التآكل الداخلي.
حين يصبح الموقع أهم من الفكرة، وحين تصبح المحافظة على المكان أهم من المحافظة على المشروع، وحين يصبح معيار الشرعية هو طول البقاء في التنظيم، فإننا نكون قد انتقلنا من شرعية الفعل إلى شرعية الزمن.
وهذا خطر حقيقي على أي حركة وطنية.
رابعاً: فتح ليست ملكاً لأحد
يجب أن نقولها بوضوح:
فتح ليست ملكاً شخصياً لأحد.
وليست ملكاً لقائد مهما كان تاريخه.
وليست ملكاً لمجموعة مهما كانت قوتها.
وليست ملكاً لجيل مهما كانت تضحياته.
فتح ملك وطني فلسطيني.
هي ملك كل من آمن بها، وكل من حمل بندقيتها، وكل من سُجن بسببها، وكل من استشهد في سبيل فلسطين، وكل من جُرح، وكل لاجئ ظل متمسكاً بحق العودة، وكل فلسطيني رأى فيها ذات يوم طريقاً نحو الحرية.
ولهذا لا يحق لقلة أن تستولي على فتح، أو تأسرها، أو تقيدها بسلاسل اللامنطق واللامعنى والجهل.
من يحاول احتكار فتح يصغرها.
ومن يضع نفسه فوق فتح لم يفهم فتح.
ومن يعتقد أن تاريخه الشخصي يمنحه حق امتلاك مستقبل الحركة، يخلط بين الوفاء للتاريخ واحتكار التاريخ.
خامساً: فتح أكبر من الفتحاويين
إن فتح أكبر من الفتحاويين.
وأكبر من قياداتها.
وأكبر من مؤتمراتها.
وأكبر من لجانها.
وأكبر من الأشخاص الذين مروا عبر تاريخها.
هذه ليست عبارة انتقاص من الفتحاويين، وإنما هي تكريم لفتح.
فالحركات الوطنية الكبرى لا تُقاس بأشخاصها فقط، بل بقدرتها على الاستمرار بعد الأشخاص.
حتى ياسر عرفات، بكل عظمته التاريخية والرمزية، لم يكن أكبر من فتح.
كان أحد أعظم أبنائها وحَمَلة مشروعها.
وبقيت فتح بعد رحيله لأن الفكرة أكبر من حاملها.
وهذه هي القاعدة التي يجب أن تحكم فتح اليوم:
إذا كانت فتح أكبر من عرفات، فهي بالتأكيد أكبر من أي قيادة جاءت بعده.
سادساً: لمن نعطي المشعل؟
المشعل ليس ملكاً لمن حمله أولاً إلى الأبد.
المشعل أمانة.
والأمانة تنتقل من يد إلى يد.
لذلك يجب أن نعطي المشعل لمن ناضلوا، وسُجنوا، وقاتلوا، واستشهدوا، وانجرحوا، وصمدوا، ولمن يحملون اليوم مشروع فلسطين بصدق.
كما يجب أن نعطيه للأجيال الجديدة.
للشباب الذين لم تتح لهم فرصة المشاركة الحقيقية في صناعة القرار، والذين يجب ألا يبقوا مجرد جمهور انتخابي أو طاقة مؤجلة.
إن الحركة التي لا تنتج قيادات جديدة تتحول إلى حركة تعيش على رصيدها التاريخي.
والرصيد التاريخي، مهما كان عظيماً، ينفد إذا لم يتحول إلى طاقة جديدة.
سابعاً: الرحيل لا يعني الفراق
هناك من يتعامل مع مغادرة الموقع وكأنها نهاية العلاقة بفتح.
وهذا خطأ.
الرحيل عن الموقع لا يعني الفراق عن فتح.
بل قد يكون الرحيل أحياناً أرقى أشكال الوفاء.
حين يترك الإنسان موقعه لكي يفسح المجال لجيل جديد، فإنه لا يخون تاريخه؛ بل يحميه.
وحين يقبل قائد بأن يسلم المشعل إلى غيره، فإنه لا يخسر؛ بل يترك أثراً تاريخياً.
إن التجديد يعني ضخ دم جديد مكان دم شاخ وهرم وهو يحمل راية التيه.
والتجديد ليس إلغاءً للماضي.
إنه استمرار للماضي في صورة جديدة.
ثامناً: فتح لمن صدق وليس لمن سبق
هنا أصل إلى جوهر المسألة.
لقد آن الأوان لكي نعيد تعريف الشرعية داخل فتح.
ليس كل من سبق إلى التنظيم أحق بمستقبله.
وليس كل من جاء متأخراً أقل وفاءً.
السبق الزمني قيمة تاريخية، لكنه ليس صك ملكية.
هناك من سبقوا وقدموا الكثير، وهناك من جاءوا بعدهم وقدموا الكثير.
المعيار الحقيقي هو الصدق والعطاء والتضحية والقدرة على حمل المشروع الوطني.
ولهذا أقول:
فتحٌ لمن صدق، وليس لمن سبق.
فتح لمن حمل فلسطين، لا لمن حمل موقعاً.
فتح لمن ضحى، لا لمن احتكر.
فتح لمن يصنع المستقبل، لا لمن يسكن الماضي.
تاسعاً: السرديات اليتيمة
المشكلة ليست فقط في الأشخاص.
المشكلة في السرديات التي يصنعها الأشخاص حول أنفسهم.
السردية اليتيمة هي التي تختزل فتح في مرحلة واحدة، أو في قائد واحد، أو في مجموعة واحدة، أو في تفسير واحد للتاريخ.
أما السردية الوطنية فهي التي ترى فتح بوصفها جزءاً من الذاكرة الفلسطينية الكبرى.
ومن هنا فإن تحرير فتح من السرديات اليتيمة يعني تحريرها من:
الشخصنة.
احتكار الحقيقة.
احتكار التاريخ.
تقديس المواقع.
الخوف من الأجيال الجديدة.
تحويل التنظيم إلى مؤسسة مغلقة.
اعتبار التجديد تهديداً.
فتح تحتاج إلى سردية جديدة، لا تلغي تاريخها، وإنما تعيد قراءة التاريخ لكي تنتج المستقبل.
عاشراً: المطلوب ليس هدم فتح بل تحريرها
أنا لا أدعو إلى هدم فتح.
بل أدعو إلى تحرير فتح.
تحريرها من الجمود.
تحريرها من الشخصنة.
تحريرها من الخوف.
تحريرها من احتكار المواقع.
تحريرها من تقديس الماضي.
تحريرها من السرديات اليتيمة.
وتحريرها من الاعتقاد بأن التجديد مؤامرة على الحركة.
إن التجديد ليس تهديداً لفتح.
الجمود هو التهديد الحقيقي.
والذين يخافون من التجديد عليهم أن يتذكروا أن فتح نفسها كانت في لحظة ولادتها أكبر مشروع للتجديد السياسي الفلسطيني.
فكيف يمكن لحركة ولدت من التغيير أن تخاف من التغيير؟
الحادي عشر: فتح الجديدة ليست ضد فتح القديمة
لا نريد فتحاً تنكر تاريخها.
ولا نريد جيلاً جديداً يقطع جذوره مع الجيل المؤسس.
بل نريد علاقة جدلية بين الأجيال.
جيل يورث الذاكرة.
وجيل يحمل المشعل.
وجيل يصنع المستقبل.
وهنا يمكن أن تستعيد فتح طبيعتها كحركة وطنية حية.
لا نريد أن نعيد فتح إلى الماضي.
نريد أن نعيدها إلى روحها.
روح المبادرة.
روح الثورة.
روح الاستقلال.
روح التنظيم.
روح التضحية.
روح فلسطين.
الثاني عشر: من فتح الأشخاص إلى فتح الوطن
لقد آن الأوان لكي تنتقل فتح من سؤال الأشخاص إلى سؤال الوطن.
بدلاً من أن نسأل:
من سيبقى؟
يجب أن نسأل:
ماذا سنفعل لفلسطين؟
بدلاً من أن نسأل:
من يملك القرار؟
يجب أن نسأل:
كيف يستعيد الفلسطيني قراره الوطني؟
بدلاً من أن نسأل:
من يرث فتح؟
يجب أن نسأل:
كيف نُورث الأجيال القادمة مشروعاً وطنياً قادراً على الحياة؟
وهنا تتحول فتح من موضوع للصراع الداخلي إلى أداة للنهوض الوطني.
خاتمة: فتح لا تحتاج إلى حراس على أبوابها
فتح لا تحتاج إلى من يحرس شيخوختها.
فتح تحتاج إلى من يصنع شبابها.
لا تحتاج إلى من يغلق أبوابها.
تحتاج إلى من يفتحها أمام الأجيال.
لا تحتاج إلى من يحتكر تاريخها.
تحتاج إلى من يحفظ تاريخها ويجعله قادراً على إنتاج المستقبل.
إن فتح ليست مزرعة لأحد.
وليست إرثاً شخصياً.
وليست مقعداً دائماً.
وليست سجناً للكوادر.
وليست ملكاً لجماعة.
إنها فكرة وطنية فلسطينية كبرى.
والأفكار الكبرى لا يموت أصحابها فقط؛ بل تموت عندما يمنعون الأجيال الجديدة من إعادة إنتاجها.
لهذا فإن الرحيل عن الموقع ليس فراقاً.
إنه قد يكون بداية التجدد.
والتجديد ليس انقلاباً على فتح.
إنه عودة إلى فتح.
والمشعل يجب أن ينتقل من يد أنهكها الزمن إلى يد قادرة على حمله نحو المستقبل.
من يد تعرف كيف تحفظ الذاكرة، إلى يد تعرف كيف تصنع الغد.
ومن جيل أدّى واجبه، إلى جيل جديد يريد أن يؤدي واجبه.
وفي النهاية، لا بد من قولها بأعلى صوت:
فتح أكبر من الفتحاويين.
أكبر من قياداتها.
أكبر من أشخاصها.
أكبر من أجيالها.
لأنها جزء من التاريخ الوطني الفلسطيني.
والتاريخ لا يملكه أحد.
إن فتح ملك الشعب الفلسطيني، وذاكرة الشهداء، وحق الأسرى، ووجدان اللاجئين، وأمل الأجيال القادمة.
ولذلك:
فتحٌ لمن صدق، وليس لمن سبق.
فتح لمن حمل فلسطين، لا لمن حمل موقعاً.
فتح لمن ضحى، لا لمن احتكر.
فتح لمن يصنع المستقبل، لا لمن يسكن الماضي.
فتح لمن يرى فيها وطناً، لا سلطة.
وإذا كان لا بد من تلخيص كل هذا الكلام في جملة واحدة، فهي:
فتح لم تشخ كفكرة؛ وإنما شاخ بعض الذين حملوا مشعلها، ولذلك فإن تجديد فتح ليس خروجاً عليها، بل عودة إليها.
د. صالح الشقباوي
مناضل فتحاوي