عماد خالد رحمة _ برلين.
لم تعد الهرمينوطيقا، في صورتها الحديثة، مجرد تقنية لشرح النصوص وتأويل مغاليقها، ولا بقيت حبيسة وظيفتها الأولى في تفسير النصوص الدينية أو استعادة المعاني الغامضة في المدونات القديمة؛ فقد تحولت تدريجيًا إلى وعي فلسفي يبحث في شروط الفهم ذاته: كيف نفهم؟ ومن أين يأتي المعنى؟ وهل يوجد معنى نهائي يستقر في النص، أم أن المعنى يتشكل في المسافة المتحركة بين النص والقارئ والسياق والتاريخ؟ ومن هنا غدت الهرمينوطيقا سؤالًا عن الإنسان بقدر ما هي سؤال عن النص؛ لأن كل قراءة تحمل وراءها أفقًا معرفيًا وثقافيًا وتاريخيًا يشارك، بصورة واعية أو خفية، في إنتاج الدلالة. وإذا كان المسار الهرمينوطيقي قد انتقل من تأويل النص المقدس إلى تأويل النص الأدبي والقانوني، ثم إلى نظرية عامة في الفهم، فإن وصوله إلى مجال النص الديني الإسلامي يطرح سؤالًا أكثر حساسية: هل يمكن نقل أدوات التأويل من سياقها التاريخي والفلسفي الغربي إلى النص الإسلامي دون إعادة فحص مقدماتها ومفاهيمها وشروط اشتغالها؟
من تأويل النص إلى سؤال الفهم
يصعب اختزال تاريخ الهرمينوطيقا في خط مستقيم أو سردية تطورية بسيطة؛ فهي لم تنتقل من مرحلة إلى أخرى بإلغاء السابق وإحلال اللاحق مكانه، وإنما تراكمت داخلها أسئلة متعددة، ظل بعضها حيًا في المراحل اللاحقة، وإن تغيرت وظائفه وأدواته.
في بداياتها ارتبطت الهرمينوطيقا ارتباطًا وثيقًا بتفسير النصوص الدينية، ولا سيما النصوص المسيحية، حيث كان الهم الأساسي هو الكشف عن المعنى الصحيح للنص، ورفع الالتباس عن عباراته، ومواجهة تعدد القراءات والتفسيرات. وكان السؤال المركزي يدور حول كيفية الوصول إلى المعنى المقصود، وما القواعد التي ينبغي أن تضبط عملية التأويل حتى لا تتحول إلى إسقاط ذاتي على النص.
وفي هذه المرحلة كان النص المقدس يتمتع بمكانة مرجعية استثنائية؛ ولذلك لم يكن التأويل مجرد ممارسة معرفية، بل كان يتصل بقضايا العقيدة والسلطة الدينية وحدود المشروعية في فهم النص.
غير أن التاريخ لم يترك الهرمينوطيقا داخل هذا السياج طويلًا.
الهرمينوطيقا الدنيوية واتساع مجال النص
مع تطور الاهتمام بالتراث الكلاسيكي، اتسع مجال التأويل ليشمل النصوص اليونانية واللاتينية والأدبية والفلسفية. وهنا بدأت الهرمينوطيقا تتحرر تدريجيًا من اختصاصها الديني الضيق، لتصبح أداة لفهم النصوص التي أنتجتها عصور وثقافات مختلفة.
لم يعد السؤال: كيف نفسر النص المقدس؟ فقط، وإنما أصبح: كيف نفهم نصًا ينتمي إلى زمن آخر، وثقافة أخرى، وأفق معرفي مختلف؟
وهنا تظهر مشكلة المسافة التاريخية؛ فالقارئ لا يدخل النص خاليًا من خلفياته، وإنما يحمل معه لغته ومفاهيمه وأسئلته وتصوراته. ومن ثم فإن فهم النص القديم لا يمكن أن يكون مجرد استخراج آلي لمعنى جاهز، لأن القارئ نفسه جزء من العملية التأويلية.
وهذه النقلة كانت حاسمة؛ إذ بدأ التأويل ينتقل من مجرد البحث عن معنى النص إلى البحث في شروط إمكان فهم النص.
الهرمينوطيقا القانونية: النص حين يتحول إلى فعل
أما الهرمينوطيقا القضائية، فقد طرحت إشكالية مختلفة؛ لأن النص القانوني لا يعيش في الكتب وحدها، بل يدخل في مجال التطبيق، وتترتب على تفسيره آثار عملية واجتماعية وقضائية.
وهنا يصبح التأويل فعلًا يربط النص بالواقعة.
فالقاضي لا يواجه عبارة قانونية مجردة فحسب، وإنما يواجه واقعة محددة تحتاج إلى تنزيل القاعدة عليها. ومن هنا تبرز أسئلة اللغة والسياق والمقصد وحدود الدلالة وعلاقة النص بظروف إنتاجه وبالواقعة التي يراد تطبيقه عليها.
وقد ساهم هذا المجال في تعميق فكرة أساسية ستصبح لاحقًا من صميم الوعي الهرمينوطيقي: أن فهم النص لا ينفصل عن السؤال الذي يُطرح عليه، ولا عن السياق الذي تتم فيه عملية الفهم.
من شلايرماخر إلى ديلتاي: الهرمينوطيقا بوصفها نظرية عامة
تمثل أعمال فريدريش شلايرماخر منعطفًا مهمًا في تاريخ الهرمينوطيقا؛ إذ سعى إلى تجاوز خصوصية التأويل الديني أو الكلاسيكي، والنظر إلى التأويل بوصفه ممارسة عامة لفهم الخطاب.
ومن هنا برزت أهمية اللغة، والسياق، والمؤلف، والعلاقة بين الجزء والكل فيما يعرف لاحقًا بالدائرة الهرمينوطيقية: لا نفهم الجزء إلا في ضوء الكل، ولا يتضح الكل إلا من خلال أجزائه.
ثم جاء فيلهلم ديلتاي ليوسع المجال باتجاه العلوم الإنسانية، واضعًا مسألة الفهم في مواجهة النموذج التفسيري الذي ساد العلوم الطبيعية. فبينما تميل العلوم الطبيعية إلى تفسير الظواهر وفق علاقات سببية، تحتاج العلوم الإنسانية إلى فهم التجربة الإنسانية من الداخل، واستيعاب المعنى الذي تمنحه الذوات لأفعالها وتاريخها.
وهنا لم تعد الهرمينوطيقا مجرد منهج لتفسير النصوص، بل أصبحت مدخلًا لفهم الإنسان وعالمه التاريخي.
هايدغر: من تأويل النص إلى تأويل الوجود
مع مارتن هايدغر حدث تحول أعمق؛ إذ انتقلت الهرمينوطيقا من كونها نظرية في فهم النص إلى كونها مرتبطة ببنية الوجود الإنساني ذاته.
فالإنسان لا يبدأ الفهم من نقطة الصفر؛ إنه موجود داخل عالم، ويحمل تاريخًا وتجارب ولغة وتوقعات سابقة. ولذلك فإن الفهم ليس نشاطًا عرضيًا يمارسه الإنسان عندما يقرأ كتابًا، بل هو طريقة أساسية في وجوده.
ومن هنا أصبح السؤال الهرمينوطيقي أكثر جذرية:
ليس كيف نفهم النص فحسب، بل كيف يكون الفهم ممكنًا أصلًا؟
وهذه النقلة جعلت التأويل يتجاوز حدود المنهج ليصبح فلسفة في الإنسان والعالم واللغة.
غادامير: أفق الفهم واندماج الآفاق
يواصل هانس جورج غادامير هذا التحول، ولا سيما في كتابه الحقيقة والمنهج، حيث يعيد التفكير في علاقة القارئ بالنص والتاريخ.
فالقارئ لا يدخل النص بعقل محايد، لأن كل قارئ يحمل معه ما يمكن تسميته أفقًا تاريخيًا يتشكل من لغته وثقافته وتجاربه وأسئلته وتقاليده. والنص نفسه ينتمي إلى أفق تاريخي آخر.
لكن الفهم لا يستلزم محو أحد الأفقين؛ بل يمكن أن يحدث ما يسميه غادامير اندماج الآفاق، أي أن ينشأ من الحوار بين أفق القارئ وأفق النص أفق جديد للمعنى.
وهنا يصبح التأويل حوارًا لا استخراجًا؛ فالقارئ لا ينتزع المعنى من النص كما ينتزع معدنًا من صخر، وإنما يدخل معه في علاقة سؤال وجواب.
من النص المغلق إلى القارئ الشريك
مع هذه التحولات أخذت صورة النص تتغير. لم يعد النص كيانًا مغلقًا يحتوي معنى واحدًا جاهزًا ينتظر قارئًا ماهرًا ليستخرجه، كما لم يعد القارئ مجرد متلقٍ سلبي.
غير أن هذا لا يعني أن القارئ يستطيع أن يجعل النص يقول ما يشاء.
وهنا تكمن إحدى أكثر القضايا حساسية في الوعي الهرمينوطيقي: الفرق بين التأويل والإسقاط.
فالتأويل المنتج يفتح إمكانات المعنى التي يسمح بها النص، بينما الإسقاط يجعل النص مجرد شاشة نرى عليها أفكارنا السابقة.
ومن ثم فإن حرية التأويل لا تعني فوضى التأويل، وتعدد المعنى لا يعني غياب القيود الدلالية، وانفتاح النص لا يعني إلغاء تاريخيته ولغته وبنيته.
عندما تصل الهرمينوطيقا إلى النص الديني الإسلامي
هنا تبدأ المسألة الأكثر تعقيدًا.
فانتقال أدوات الهرمينوطيقا الغربية إلى مجال النص الديني الإسلامي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتقالًا تقنيًا محايدًا من منهج إلى نص. فالمنهج نفسه يحمل تاريخًا فلسفيًا ولاهوتيًا ومعرفيًا، وينطلق من تصورات معينة عن اللغة والنص والقارئ والتاريخ والحقيقة.
والنص القرآني، من جهته، نشأ داخل منظومة لغوية وثقافية ودينية وتاريخية خاصة، وتكوّن حوله تراث طويل من علوم اللغة والتفسير وأصول الفقه والقراءات والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والمكي والمدني وغيرها.
ومن ثم فإن استدعاء الهرمينوطيقا الغربية لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: كيف نطبقها على القرآن؟ وإنما بالسؤال الأكثر تأسيسًا:
ما الذي يمكن أن تضيفه الهرمينوطيقا إلى علوم القرآن، وما الذي تحتاج هي نفسها إلى إعادة النظر فيه عندما تدخل مجالًا معرفيًا مختلفًا؟
وهنا يتحول الحوار من عملية استيراد منهج إلى مقابسة معرفية نقدية.
بين الهرمينوطيقا وعلوم التأويل في التراث الإسلامي
ليس من الدقة أن نتصور أن الحضارة الإسلامية عاشت تاريخًا بلا أسئلة تأويلية حتى جاءت الهرمينوطيقا الغربية لتقدم لها مفهوم الفهم. فقد عرف التراث الإسلامي جدلًا واسعًا حول العلاقة بين اللفظ والمعنى، والمحكم والمتشابه، والظاهر والباطن، والحقيقة والمجاز، والسياق، والمقصد، ودلالة اللغة، وطرق الاستنباط.
وفي علوم أصول الفقه خصوصًا، نشأت منظومات دقيقة لفهم النص وتحديد دلالاته وشروط حمل ألفاظه على معانيها المختلفة. وفي علم التفسير ظهرت مدارس واتجاهات متعددة، وتبلورت أسئلة تتصل باللغة والسياق والقراءة والتاريخ.
لكن الاعتراف بهذا التراث لا يعني رفض الهرمينوطيقا الغربية، كما أن الاستفادة منها لا تعني إعلان القطيعة مع التراث الإسلامي.
المطلوب هو بناء حوار معرفي بين تقاليد التأويل.
فالهرمينوطيقا الغربية يمكن أن تساعد في طرح أسئلة جديدة حول تاريخ الفهم، وأفق القارئ، وشروط إنتاج المعنى، وعلاقة النص بالسياق؛ بينما يستطيع التراث الإسلامي أن يرفد هذا الحوار بخبرة طويلة في تحليل اللغة والتشريع والتفسير والمقاصد.
نحو وعي هرمنيوطيقي عربي
إن الحاجة اليوم ليست إلى استنساخ الهرمينوطيقا الغربية، ولا إلى رفضها باسم الخصوصية الثقافية، وإنما إلى تأسيس وعي هرمنيوطيقي عربي نقدي.
وعي يعرف الغرب دون أن يتبعه، ويعرف التراث دون أن يتجمد داخله.
فالوعي التأويلي الحقيقي لا يسأل فقط: ماذا يقول النص؟ وإنما يسأل أيضًا: من الذي يقرأ؟ وبأي أدوات؟ وتحت أي شروط تاريخية ولغوية وفكرية؟
إنها أسئلة تجعل القارئ مسؤولًا عن قراءته، وتجعل المنهج موضوعًا للنقد مثلما يكون أداة للنقد.
وهنا تكتسب الهرمينوطيقا معناها الأعمق: ليست سلطة جديدة تفرض نفسها على النص، بل دعوة إلى كشف السلطات الخفية التي تتحكم في فعل القراءة.
من امتلاك المعنى إلى محاورة المعنى
لقد قطعت الهرمينوطيقا مسافة طويلة: من تفسير النص المقدس، إلى قراءة النصوص الكلاسيكية، إلى التأويل القانوني، ثم إلى نظرية عامة في الفهم، وصولًا إلى فلسفة تجعل الفهم جزءًا من الوجود الإنساني نفسه.
غير أن أهم ما يمكن استخلاصه من هذا المسار ليس منهجًا واحدًا جاهزًا، بل فضيلة السؤال.
فالنص لا يصبح حيًا بكثرة القراءات التي تُسقط عليه، وإنما بقدرتنا على الإصغاء إليه دون أن نفقد قدرتنا على مساءلته. والقارئ لا يكون واعيًا لأنه يمتلك المعنى، وإنما لأنه يدرك أن طريقه إلى المعنى يمر عبر اللغة والتاريخ والثقافة والأسئلة السابقة.
ومن هنا فإن التعامل مع النص الديني الإسلامي في ضوء الهرمينوطيقا الغربية ينبغي أن يكون حوارًا نقديًا لا تبعية منهجية، ومقابسة معرفية لا استيرادًا آليًا، وانفتاحًا على الآخر دون التفريط في خصوصية النص وسياقه.
فالمطلوب في النهاية ليس أن نختار بين التراث والحداثة، أو الشرق والغرب، أو التفسير والتأويل، بل أن ننتقل إلى مستوى أعمق: أن نمتلك القدرة على قراءة مناهجنا كما نقرأ نصوصنا.
ذلك هو جوهر الوعي الهرمينوطيقي:
أن نعرف أن المعنى لا يسكن النص وحده، ولا القارئ وحده، وإنما يولد في المسافة الحية بينهما؛ وأن نعرف، قبل أن نفسر النص، كيف نصنع نحن فعل التفسير.