مسودة الاتفاق الامريكي-الايراني: مخرج طوارئ لإدارة الازمة وليس لحل جذور الصراع

بروفيسور عوض سليمية

باحث في العلاقات الدولية

تزدحم التقارير السياسية والدبلوماسية التي تشير إلى اقتراب كل من واشنطن وطهران من بلورة مسودة اتفاق أولي “مذكرة تفاهم” لوقف إطلاق النار الذي استمر لمدة 40 يوماً، ضمن إطار تفاوضي ثنائي المراحل يمتد لستين يوماً، وسط ضغوط دولية متزايدة لاحتواء تداعيات الحرب التي بدأت يوم 28 شباط فبراير، وما رافقها من اضطرابات في سلاسل توريد الطاقة العالمي؛ وأمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز وبحر العرب. وعلى الرغم من محاولة إشاعة الاجواء الايجابية إلا ان التصريحات المتبادلة بين أطراف الصراع، تكشف أن الطريق نحو إعلان اتفاق مبدئي لا يزال طويلاً، وأن ما يجري حتى الآن أقرب إلى صياغة “هدنة اضطرارية” منه إلى تسوية نهائية شاملة تعالج جذور الازمة المتوارثة.

من ناحية، يحاول ترامب نشر روايته على المسرح الدولي وتقديم مسودة الإطار التفاهمي باعتبارها إنجازاً عظيماً؛ كمحصلة لحرب الاربعين يوماً ونجاح الحصار على الموانئ الايرانية، دون تقديم تنازلات جوهرية لإيران. وفي تصريح لافت قال ترامب إن الاتفاق مع إيران أصبح “قريباً من الصياغة النهائية”، مؤكداً أن مضيق هرمز “سيُعاد فتحه” “دون رسوم عبور”. وكرر موقفه الثابت من أن، أي اتفاق لن يسمح لإيران بالاحتفاظ بقدرات نووية، قائلاً إن واشنطن تسعى إلى “اتفاق حقيقي” يختلف عن اتفاق عام 2015، ويتضمن تفكيك البرنامج النووي ومنع إيران من امتلاك اليورانيوم عالي التخصيب. في الوقت نفسه، يحرص ترامب على إبقاء عنصر الضغط العسكري قائماً، “الحصار سيبقى حتى يتم التوصل إلى اتفاق نهائي”، في إشارة إلى استمرار الحصار البحري الأمريكي على موانئ إيران وإبقاء الخيارات العسكرية حاضرة على الطاولة في حال فشل التفاهمات.

بالمقابل، تظهر طهران موقفاً لا يقل تشدداً عن مواقف ترامب فيما يتعلق بقضايا الخلاف الجوهرية، وخاصة قضية مضيق هرمز والبرنامج النووي ووجوب رفع الحصار والافراج عن الاموال الايرانية المجمدة. فالتصريحات القادمة من طهران تشير ان الفجوة ما زالت قائمة بين الطرفين – بل وتتسع مع تصريحات ترامب، من ناحية، ترفض إيران التخلي عن السيطرة الأمنية التي رسختها على المضيق خلال فترة الحرب، باعتباره جزءاً من السيادة الوطنية وورقة ضغط قوية تضاف الى ما تملكه من منظومات الردع. وتحدثت المصادر الإيرانية أن المرشد الاعلى أصدر توجيهات بعدم نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج، وهو ما يعكس تمسك طهران بأحد أهم أوراق قوتها التفاوضية. مضافاً الى ذلك، مطالب طهران بإرجاء النقاش في الملف النووي الى المرحلة الثانية من الاتفاق؛ بعد التأكد من صدق نوايا واشنطن وتنفيذها المطالب الايرانية بما فيها رفع الحصار الكامل والسماح لها ببيع نفطها بشكل حر.

بينما تحاول واشنطن تسويق مذكرة التفاهم باعتبارها إنجازاً عظيماً -وسط بيئة دولية غير مواتية ولا تتفق مع سياسة واشنطن. تنظر إسرائيل إلى هذه المفاوضات بعين القلق، ويرى نتنياهو أن أي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيك كامل للبنية النووية الإيرانية؛ ولا يعالج قضية الصواريخ الباليستية؛ وتغيب عنه قضية النفوذ الايراني في الاقليم، سيمنح طهران فرصة لإعادة ترميم قدراتها العسكرية والإقليمية. واستبق احتمالية إعلان الصفقة بمنح جيشه حرية العمل خارج نطاق الاتفاق “إسرائيل ستبقى حرة في التحرك ضد أي تهديد”، في رسالة مباشرة إلى واشنطن بأن تل أبيب لن تجد نفسها مُلزمة بأي تفاهم أمريكي–إيراني، خصوصاً على جبهة لبنان.

ضمن هذا السياق، شدد نتنياهو على أن أي وقف لإطلاق النار يجب ان “لا يشمل لبنان”، وان العمليات الإسرائيلية في لبنان سوف تستمر حتى لو تم إعلان الهدنة بين الطرفين الامريكي-الايراني. في الوقت الذي يشارك فيه حليفه الموثوق ترامب الموقف ذاته من قضية عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، “لن تحصل إيران أبداً على سلاح نووي”، ويعتبر أن منع طهران من الوصول إلى العتبة النووية يمثل “قضية وجودية بالنسبة لإسرائيل”.

 

هذه التصريحات تكشف أن الموقف الإسرائيلي لا يقتصر على التحفظ السياسي من الخطوة الامريكية فقط، بل يرتبط بإستراتيجية أوسع تهدف إلى منع أي اتفاق قد يسمح لإيران بالخروج من عزلتها الاقتصادية والعالمية مروراً إعادة بناء نفوذها الإقليمي. على هذا النحو، فإن مستقبل الاتفاق الأمريكي–الإيراني سيكون مرتبطاً إلى حد كبير بمدى قدرة واشنطن على احتواء ما يسميه نتنياهو “المخاوف الإسرائيلية”، أو على الأقل منع تل أبيب من تقويض التفاهمات عبر التصعيد العسكري في لبنان أو قطاع غزة؛ وربما تنفيذ عمليات اغتيال لقادة ايرانيين.

في هذا السياق، تبدو جبهتا قطاع غزة ولبنان بمثابة ساحتي اختبار حقيقيتين لأي اتفاق محتمل. فإذا شعرت إسرائيل أن التفاهمات تمنح إيران متنفساً اقتصادياً وسياسياً كبيراً، فقد تلجأ إلى تصعيد ميداني يفرض وقائع جديدة قبل تثبيت الاتفاق بشكله النهائي. أما إذا نجحت واشنطن في تقديم ضمانات أمنية كافية لتل أبيب، فقد نشهد مرحلة من التهدئة المؤقتة، دون أن يعني ذلك نهاية الصراع.

التصريحات المتضاربة بين الطرفين على الرغم من محاولات إشاعة الاجواء الايجابية وقرب الوصول الى إعلان الاتفاق، تعكس قناعة كل طرف انه حقق نصراً كبيراً على الاخر، ويتطلع للحظة الحصاد السياسي. فإيران ترى أن صمودها وتوافر قدرات الردع واوراق الضغط لديها؛ أعادت تصميم قواعد الاشتباك ومنحتها حق فرض معادلة سيادية جديدة على مضيق هرمز-الممر البحري الأهم عالمياً، بينما تنظر واشنطن أن إعادة فتح المضيق وفق المعايير السابقة للحرب الى جانب تخلي طهران عن مشروعها النووي شرطان أساسيان لوقف الحرب والمضي قدماً في الصفقة. ولهذا، فإن قضية المضيق لم تعد مجرد ملف ملاحي، بل عنواناً لصراع أوسع يتعلق بمن يمتلك حق تصميم شكل النظام الأمني القادم في الخليج.

في المحصلة، فإن تباين التصريحات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية تكشف أن المنطقة لا تتجه نحو استقرار دائم، بل استراحة محارب فرضتها ظروف داخلية وخارجية. فترامب يريد اتفاقاً يوقف النزيف الاقتصادي والعسكري مع تقديم إنجاز لقاعدته الانتخابية بعد تدهور كبير في شعبيته، يظهره بمظهر المنتصر. بينما تريد إيران اعترافاً صريحاً بنفوذها الإقليمي وحقها في تخصيب اليورانيوم. بالمقابل، تسعى إسرائيل إلى حرمان الطرفين من التفاخر بأي إنجازات وتدفع نحو استئناف الحرب.

وعليه، فإن نجاح الاتفاق – إن تم – سيظل هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة كما هو الحال في لبنان وغزة، لأن نقاط الخلاف الاساسية والتي على اساسها انطلقت شرارة الحرب لم تُحل -على الاقل خلال الثلاثون يوماً من مفاوضات المرحلة الاولى، بل جرى تأجيلها؛ بعد ان أدركت واشنطن أن الحرب المفتوحة مع إيران بدأت تتجاوز حدود الخليج، مع تهديد خطوط الملاحة الدولية وارتفاع أسعار الطاقة والاسمدة، وما يرافق ذلك من تداعيات على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتوريد. في المقابل، أدركت طهران أن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل مخاطر داخلية سياسية واقتصادية وامنية كبيرة، خاصة في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة على المواطن الايراني بسبب العقوبات الممتدة منذ عقود. عند هذه النقطة، يحاول الطرفان العثور على تذكرة خروج طارئ مؤقت – عبر مذكرة التفاهم. وقد يكون من المبالغة القول إن وميضًا مفاجئًا من التألق الدبلوماسي الأمريكي او تراجع في العقيدة الايرانية هو الذي ضمن الاختراق أخيرًا. لكن هذا الخروج المؤقت يمثل تطوراً طبيعياً لصراع يجب ان يصل الى نهايته عندما يكون كلا الجانبين منهكين.