بقلم المحللة السياسية الدكتورة تمارا حداد.
مدى الاخبار : لا يبدو التصعيد الإسرائيلي الراهن في المنطقة مجرد سلسلة من العمليات العسكرية المنفصلة، بل بات أقرب إلى نمط متكامل من استخدام القوة لإعادة فرض معادلات أمنية وسياسية جديدة تمتد من قطاع غزة والضفة الغربية إلى لبنان وسوريا. وبينما تتذرع إسرائيل في كل جبهة بمبررات أمنية، فإن اتساع نطاق العمليات، واستمرار الضربات رغم وجود تفاهمات ووقفات لإطلاق النار، والتوغلات داخل الأراضي المجاورة،
في قطاع غزة، لم يؤد وقف إطلاق النار إلى إنهاء العمليات العسكرية بصورة كاملة. فقد استمرت الضربات والقصف في مناطق مختلفة من القطاع، وسُجلت في 24 آب عمليات إسرائيلية أدت إلى مقتل فلسطينيين.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بحجم الضربات، وإنما بالمعادلة التي تحاول إسرائيل فرضها بعد وقف إطلاق النار: أي أن الهدنة لا تعني بالضرورة وقفاً كاملاً للعمليات، وإنما استمرار قدرة الجيش الإسرائيلي على الضرب كلما اعتبر أن هناك تهديداً أو خرقاً.
وهذه المعادلة تحمل خطراً كبيراً، لأنها تجعل وقف إطلاق النار هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة، وتبقي غزة في حالة حرب منخفضة أو متقطعة بدلاً من الانتقال إلى مرحلة تثبيت الهدوء وإعادة الإعمار.
أما في الضفة الغربية، فالمشهد مختلف من حيث الأدوات لكنه متشابه من حيث الهدف. فهناك الاقتحامات والاعتقالات والحواجز والتوسع الاستيطاني، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وهنا تتضح خطورة ما يجري، الضفة لا تواجه فقط عملية عسكرية، وإنما عملية تغيير تدريجي للواقع الجغرافي والديمغرافي والأمني.
فالاستيطان، وتقطيع أوصال المدن والقرى، وتوسيع الحواجز والطرق الالتفافية، وفرض واقع أمني دائم، كلها عوامل تجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أكثر صعوبة.
في لبنان، انتقل التصعيد إلى مستوى أكثر خطورة. فإسرائيل لا تكتفي بالضربات الجوية، بل تتحدث عن استمرار وجود قواتها في مناطق تعتبرها “مناطق أمنية”، فيما تتواصل الغارات والقصف في الجنوب اللبناني.
وفي الأيام الأخيرة استمرت الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان، بما في ذلك استهداف منازل وبنية تحتية وتحركات عسكرية، رغم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد.
والأخطر أن مسؤولين إسرائيليين تحدثوا عن عدم الانسحاب من مناطق تسيطر عليها إسرائيل في لبنان وسوريا وغزة، تحت عنوان الاحتفاظ بمناطق أمنية.
وهذا يعني أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بمنع تهديدات حزب الله، وإنما بدأت تأخذ شكلاً أكثر ارتباطاً بإعادة تعريف الحدود الأمنية لإسرائيل خارج حدودها المعترف بها دولياً.
في سوريا، تبدو الصورة أكثر حساسية. فإسرائيل واصلت تنفيذ ضربات جوية وعمليات داخل الأراضي السورية، بما في ذلك استهداف مواقع عسكرية.
وفي 22 آب، نفذت إسرائيل ضربة بطائرة مسيّرة في جنوب سوريا استهدفت، بحسب الرواية الإسرائيلية، شخصاً وصفته بأنه يمثل تهديداً فورياً لقواتها، بينما قالت دمشق إن الضربة أصابت مركبة مدنية واعتبرتها انتهاكاً لسيادة سوريا.
كما نفذت إسرائيل في أغسطس ضربة على قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال سوريا، في خطوة أثارت مخاوف من اتساع نطاق التدخل الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.
وهنا تكمن المفارقة، في الوقت الذي تحاول فيه سوريا الخروج من سنوات الحرب وإعادة بناء مؤسساتها وعلاقاتها الخارجية، تجد نفسها أمام واقع أمني جديد تفرض فيه إسرائيل قواعد اشتباك من طرف واحد.
ما الذي يجمع بين غزة والضفة ولبنان وسوريا؟
عند النظر إلى هذه الساحات مجتمعة، يمكن ملاحظة أربعة مسارات متوازية:
أولاً: توسيع مفهوم الأمن الإسرائيلي.
إسرائيل لم تعد تتعامل مع حدودها التقليدية باعتبارها خطاً فاصلاً، بل باتت تتحدث عن “مناطق أمنية” تمتد داخل أراضي دول ومناطق أخرى.
ثانياً: الضربات الوقائية والاستباقية.
تقوم إسرائيل في كثير من الحالات بتبرير عملياتها بأنها تستهدف تهديدات مستقبلية أو بنية عسكرية يجري تطويرها، وهو ما يسمح لها بتوسيع نطاق العمليات من الرد على هجوم إلى منع احتمال وقوعه.
ثالثاً: تحويل القوة العسكرية إلى أداة سياسية.
القصف والتوغلات لا تستهدف فقط أهدافاً عسكرية، وإنما تستخدم أيضاً للضغط على الخصوم ودفعهم إلى قبول ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.
رابعاً: اختبار ردود الفعل الدولية.
كلما حدث تصعيد ولم يؤدِّ إلى رد دولي حاسم، تتسع مساحة الحركة الإسرائيلية. ولذلك فإن استمرار العمليات في أكثر من ساحة في الوقت نفسه يطرح سؤالاً عن حدود القدرة الدولية على فرض وقف حقيقي للتصعيد.
هل نحن أمام حرب إقليمية مفتوحة؟
ليس بالضرورة أن يكون الهدف الإسرائيلي هو إشعال حرب إقليمية شاملة، فالحسابات الإسرائيلية قد تكون أكثر تعقيداً. المطلوب ربما هو إدارة عدة جبهات في وقت واحد، وإضعاف الخصوم، وفرض أحزمة أمنية، ومنع إعادة بناء قدراتهم، من دون الوصول إلى حرب إقليمية لا يمكن التحكم بمسارها.
لكن المشكلة أن هذه السياسة تحمل في ذاتها خطر الانفجار.
فحين تتعرض غزة للقصف، والضفة للتوسع الاستيطاني والاقتحامات، ولبنان للغارات والتوغلات، وسوريا للضربات داخل أراضيها، فإن تراكم الأزمات يمكن أن يؤدي إلى انتقال الصراع من جبهات منفصلة إلى منظومة صراع مترابطة.
وهنا تصبح أي حادثة صغيرة قابلة لأن تشعل سلسلة من الردود المتبادلة.
الاختبار الحقيقي ليس فقط لإسرائيل، وإنما للمجتمع الدولي أيضاً. فإذا كانت قواعد القانون الدولي تمنع احتلال أراضي الغير أو استهداف المدنيين أو انتهاك سيادة الدول، فإن تطبيق هذه القواعد لا ينبغي أن يكون انتقائياً.
المطلوب ليس فقط بيانات الإدانة، وإنما آليات سياسية وقانونية قادرة على وقف التصعيد ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان تنفيذ الاتفاقات وقرارات الأمم المتحدة.
فالهدنة التي تسمح باستمرار القصف، والاتفاق الذي لا يمنع التوغلات، والحدود التي تتحول إلى “مناطق أمنية” تفرضها قوة عسكرية واحدة، كلها تعني أن المنطقة تتجه نحو وضع أخطر: سلام شكلي فوق الأرض، وحرب مستمرة تحت السطح.
ما يجري من غزة إلى الضفة الغربية ولبنان وسوريا يعكس تحولاً في طبيعة السياسة الإسرائيلية من التعامل مع كل جبهة باعتبارها أزمة منفصلة إلى بناء منظومة أمنية إقليمية تقوم على الردع بالقوة، والضربات الاستباقية، والتوغلات، وإقامة مناطق عازلة أو أمنية، ومنع الخصوم من إعادة بناء قدراتهم.
لكن هذه السياسة، مهما بدت قادرة على تحقيق مكاسب عسكرية قصيرة الأمد، لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار دائم.
فالاستقرار لا يُبنى بالقصف المستمر ولا بتوسيع المناطق الأمنية ولا بإبقاء الأراضي تحت السيطرة العسكرية، وإنما عبر حل سياسي يعالج جذور الصراع، وينهي الاحتلال، ويحترم سيادة الدول، ويضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية، ويضع ترتيبات أمنية متبادلة بدلاً من أمن يقوم على القوة من طرف واحد.
وإذا استمر المسار الحالي، فإن الخطر الأكبر لن يكون فقط استمرار الحروب في غزة ولبنان وسوريا، وإنما تحول الشرق الأوسط إلى مساحة مفتوحة للعمليات العسكرية المتبادلة، حيث تصبح السيادة والحدود والهدن والاتفاقات كلها قابلة لإعادة التفسير بالقوة. وهذا هو السيناريو الذي ينبغي على المجتمع الدولي منعه قبل أن يتحول التصعيد المتعدد الجبهات إلى حرب إقليمية يصعب احتواؤها.
عن مدى نيوز