السياسي -وكالات
لا يزال أغلب صنّاع الدراما السورية يقعون بالأخطاء ذاتها فيقدمون ككتاب ومخرجين ومنتجين مشاهد غير مقنعة في بداية مسلسلاتهم وفي سياق حلقاتها، ما يجعلنا كمشاهدين غير قادرين على أن ندخل معهم لعبة الإيهام وأن نستغرق في متابعتها كأن أحداثها حدثت للتو وأمامنا.
سنتيمتر واحد
وحتى لا نطيل عليكم سنبدأ من المسلسل الذي يتوهم صنّاعه ومشجعيه على وسائط السوشال ميديا أنه رقم واحد في المتابعة، ونقصد مسلسل “ولاد بديعة”، فجميعنا شاهد أن شخصية “بديعة/إمارات رزق” أنجبت توأم “ياسين وشاهين” جسدهما في الكبر “سامر اسماعيل ويامن الحجلي”، لكنهما كبرا وأصبحا بعمر خمس سنوات تقريباً وبطول شقيقتهم “سكر” من أمهم، التي جسدتها حين كبرت ” سلافة معمار”، وللمفارقة ظلت سكر محافظةً على ملامحها ذاتها، منذ أول مشهد ظهرت فيه مع أمها من دون سنتيمتر واحد زيادة في حجمها، وحتى يزداد الطين بلةً، تركتها المخرجة بالثياب ذاتها أيضاً! فكيف لنا كمشاهدين أن تقتنع بما نشاهد؟
كالرسوم المتحركة
وإن تجاوزنا ذلك وانتقلنا للشجار بين الثلاثة “ياسين وشاهين وسكر” مع “مختار” في أحداث الحلقة 4، لشاهدنا شجاراً كان مخالفاً لمنطق الطفولة الذي لا يقول بأن يلعب مختار وحده بالكرة، فخيروه بين اللعب معه أو تعطيل اللعب عليه، فاضطر للهرب والصعود إلى سطح عربات القطار المعطلة، ثم شاهدنا كيف دفعه شقيقه شاهين من عليها، والنتيجة جرح صغير في رأسه، من دون أن يصاب بكسر ما في ظهره أو في رجله أو حتى في يده! فمثل هذا لا يحدث إلاّ بأفلام الرسوم المتحركة! فلعل المخرجة تختبر ذلك المشهد بذاتها لتعرف أننا نتحدث عن ارتفاع مترين تقريباً، وأن لا طفل يقع منه بطريقة الأكشن التي حرصت عليها من دون أن يصاب بضرر بالغ.
ثم لماذا تغييب أم الطفل مختار/ ديمة الجندي، عن الاهتمام بطفلها عقب هذا المشهد الذي يفرضه المنطق الدرامي للحدث، في أن يذهب باكياً إليها يشكو عدم اهتمام والده به وتعييره بـ “دلوع الماما”، بدلاً من الاهتمام به ومداواة جرحه؟!
تلك الملاحظات التي أفقدت المسلسل منذ البدء قدرته على إقناعنا كمشاهدين، ليس بما جرى بل وبما سيأتي بعده، تقع على عاتق كاتبي النص “علي وجيه، يامن الحجلي” والمخرجة، بالتساوي.
نسيان وقتل
وإن انتقلنا لمسلسل “انتهى بنقطة” للكاتب فادي حسين، والمخرج محمد عبد العزيز، الذي شاهدنا فيه حادثة قتل الصيدلي فارس/ عابد فهد لابن خالته “لؤي/ عامر فياض” من دون أن يعرفه، بعد مواجهة بينهما عقب اكتشاف الأول للثاني وهو يسرق من صيدليته، ثم شجارهما الذي أدى للقتل. حادثة غير مقنعة من حيث زمن ارتكاب السرقة التي حدثت عقب إغلاق الصيدلية بأقل من خمس دقائق، فعودة الصيدلي فارس للصيدلية لنسيانه إحضار دواء السكري لأمه لم يستغرق دقائق جد معدودة، فإن كنا نبرر سرعة فعل السرقة بعدم معرفة لؤي بالسرقة وحيثياتها، لكن ما الذي يبرر لـ”كَرْمَى/ ندى أبو فرحات ” ترك زوجها يعود وحده رغم أننا نعلم أنهما يذهبان ويعملان ويعودان معاً، ولم يكونا قد ابتعدا كثيراً عن الصيدلية، فالطبيعي أن تعود معه رغم ملاحظتنا تأففها أنها متعبة، فلو عادت لما حدث القتل وتوقف المسلسل.
زاوية تصوير
دعكم من ذلك وسواء اقتنعنا بأسباب الشجار ثم القتل أم لا، لكن كيف لنا أن نقتنع بحضور سيارة فارس لنقل جثة لؤي، وحدها رغم أنهما يذهبان ويعودان مشياً بين البيت والصيدلية لقربهما من بعض، فهل هي مركونة دائماً قرب الصيدلية؟ وأعتقد أننا جميعاً كمشاهدين لاحظنا كيف كان ينظر فارس بالاتجاه الآخر وهو يسحب جثة لؤي نحو السيارة فكيف تم تصويره من قبل “غزوان/ أنس طيارة” ولم يلحظه فارس؟ ثم مضى يبتزه بالفيديو، ويورطه بأعمال تعود عليه بنتائج كارثية! لو أن المخرج غيّر زاوية التصوير كأن تكون من الأعلى لاقتنعنا، لكن كما عُرِض، واستعيد المشهد، غير مقنع إلاّ لمشاهدين في مرحلتهم الطفولية الأولى!
جلسة تفاوض
أمّا المُشَاهِد المُدَقِق في مسلسل ” وصايا الصبار ” للكاتب نفسه فادي حسين عن “ماكبث” للمسرحي شكسبير، وإخراج سمير حسين، ينتبه للحوار الذي يقوله “سلوم الملاح/ فايز قزق” لابنه “جبران/ عامر علي” من أنه أرسلهما للغرب ودرّسهما معاً هو و “خلدون/ عبد المنعم عمايري”، فلماذا ليس فالحاً مثل خلدون، الذي يعتمد عليه بكل شيء. من انتبه للحوار فلا بد له أن يعود بذاكرته إلى جلسة التفاوض مع رجل أعمال يتحدث، فتترجم لهم فتاة ! كيف ذلك فهل نسي الكاتب والمخرج أين درست شخصية المسلسل الرئيسية، وهل يوجد رجل أعمال مهما كان المشروع الذي يأخذ تنفيذه من شركة ما بدفع كامل المبلغ دفعة واحدة، وقدره 100 مليون دولار!
خيانة وفخامة
سنمضي معاً باتجاه الحلقات التالية لنعرف أن ” نديمة/ أمل عرفة” زوجة خلدون مسيطرة عليه وهو غير محب كثيراً للمال على خلاف زوجته التي خططت وضغطت على زوجها لكي يخون مديره صاحب الشركة سلوم الملاح، وتأمره أن يعطي رجل الأعمال رقم حسابه هو بدلاً من حساب الشركة، ليصبح مبلغ 100 مليون دولار ملكاً له.
ثم نسمع كمشاهدين حجج الزوجة أنها بحاجة لأن تعيش بمستوى لائق يشبه مستوى حياة صاحب الشركة، عندما اقترح خلدون إعادة المبلغ بما أن الحاج سلوم خصه بنسبة أرباح من مشروعين، لكنها ترفض وتعبّر أكثر عن شهوتها للمال رغم أننا نشاهدهم في شقة فاخرة، ولديهم سيارة فاخرة أيضاً بل هي أكثر فخامة من سيارة الحاج سلوم صاحب الشركة، من دون أن ينتبه المخرج لهذا الفارق! ولديهم مزرعة كبيرة وجميلة أهداهم إياها سلوم!
في ضوء أن صاحب المال من الطبيعي أن يصبح لديه شهوة في تضخيم رأس ماله ومضاعفته مرات عدة، لكن الشكوى يجب أن تكون مقنعة، لنقتنع كمشاهدين بحاجة صاحبها، فلو أن الجريمة التي دفعت نديمة زوجها إلى ارتكابها وهي سرقة المبلغ السالف الذكر أولاً، ومن ثم قتل سلوم في بانيو الحمام، خلال استضافته بالمزرعة، كانت قد تمت في مزرعة سلوم لاقتنعنا بالشكوى من الحاجة، أي قبل أن يصبح لديها مزرعة كبيرة وجميلة مثل التي شاهدنا، ولاقتنعنا أنها رغم تخطيطها وتحريضها لزوجها على السرقة والقتل، بكل دقة ومهارة، ولحاولنا أن نجد لها العذر رغم مهارتها في عدم قدرتها بالتصرف بالـ”بشكيرين” أداة جريمة القتل، لكن كيف سنبرر لها خطأها في رميهما بحاوية القمامة ليلاً أمام المزرعة ليراهما جلال زميل زوجها بالشركة ويصبح لديه ورقة ضده!.فمن المؤسف أننا لم نشاهد لا أفعال ولا أحداث مقنعة، فليعذرنا المخرج والكاتب في آن واحد. وليعذرنا كل الممثلات والممثلين الذين جسدوا تلك الأعمال فجهدهم الذي أمتعنا بالأداء طوال ست حلقات من كل مسلسل اعتمدت عليهم أسطرنا هذه، لا علاقة له بما تناولناه.