في هذه المرحلة التاريخيّة التي وصل فيها العقل الإنساني إلى أنموذج التفكير الوضعي, يكون قد وصل هذا العقل إلى مرحلة متقدمة في نضوجه, حيث ترك أو تجاوز العقل الوضعي فيها الطرقَ القديمة في تفسير الظواهر (اللاهوتية والميتافيزيقية) وبدأ يفسرها بطرق قائمة على المعطيات العلميّة التي أنجزها الإنسان, وهي معطيات قائمة على الملاحظة والتجربة ومسترشدة بالعيني والمحسوس.
إن العقل في المرحلة العلميّة ” الوضعيّة ” يطرح على نفسه سؤالاً أساسيّاً وهو: ماهي العلاقة السائدة بين الظواهر الطبيعيّة ؟ والسبب في هذا الطرح هو الوصول الى معرفة وتحديد القوانين المتحكمة في الطبيعة والمجتمع موضوعيّاً, بيد أنه لم يستطع الخروج من أسار خضوع الطبيعة الى (حتمية) ما, تتحكم في سيرورة وصيرورة هذه القوانين, وبالتالي يظل الهاجس المعرفي في هذا العقل الوضعي قائماً ومشروعاً لديه من خلال التأكيد على أن معرفتنا لشروط هذه الحتميّة ستمنحنا قدرة التأثير على الظواهر أو التنبؤ بما قد يطرأ عليها من تغير. فإذا كان العقل مثلا يفسر ظاهرة ” الندى” في المرحلة اللاهوتية تفسيرا أسطوريّا باعتباره (دموعا لآلهة الصباح)، ويفسرها في المرحلة الميتافزيقيّة بأنه يتساقط من السماء ليلاً, فإن العقل في المرحلة الوضعية (العلميّة) استطاع أن يدرك بأن العلاقة العلمية بين اختلاف درجات الحرارة في الليل والنهار, وبين تولد الندى في النبات, هي من يسبب طاهرة الندى. وهكذا يكون الحال بالنسبة لتفسير الظواهر الطبيعيّة الأخرى.(4) .
إذن لقد سيطرت أو فرضت روح القوانين العلميّة بحتميتها هذه نفسها على مسألة التعامل مع الظواهر الخاضعة للبحث, وبالتالي فقد العقل اللاهوتي والميتافيزيقي دورهما بالبحث وتقويم الظواهر هنا.
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا
[email protected]