السياسي – دخلت مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية وآلية اختيار رئيس الوزراء منعطفاً جديداً، مع تزايد مؤشرات الانقسام داخل قوى الإطار التنسيقي، في ظل تباين واضح حول معايير الاختيار وترتيب مراكز الثقل السياسي.
وبرغم محاولات إظهار الانسجام الداخلي، فإن الأيام الأخيرة كشفت عن تراجع التفاهم بين أطراف الإطار، وتزايد الصراع على “الاسم الأول” داخل البيت الشيعي، فيما انعكس الضغط الأمني الناتج عن الهجوم على حقل كورمور للغاز على أجواء المشهد السياسي وحسابات الأطراف المختلفة.
ورغم الوعود التي أطلقتها الكتل السياسية بشأن الإسراع في تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء، فإن الواقع يسير في اتجاه معاكس، إذ إن التوقيتات الدستورية باتت مهددة بالتمديد بسبب توسّع قائمة المرشحين داخل الإطار التنسيقي.
وبلغ عدد المرشحين، بحسب مصادر سياسية، نحو 18 اسماً، أبرزهم نوري المالكي، ومحمد شياع السوداني، ومصطفى الكاظمي، وقاسم الأعرجي، وحميد الشطري، وآخرون من شخصيات تنفيذية وسياسية تحظى بدعم جزئي من أطراف متفرقة داخل الإطار.
وفي هذا السياق، كشف مصدر سياسي عراقي أن تعقد المشهد داخل الإطار يعود إلى أربعة أسباب رئيسية يتقدمها تعدد المرشحين على نحو غير مسبوق.
وأشار كذلك إلى تأرجح الرأي الإيراني بين دعم مرشح يحظى بقبول داخلي أو اسم آخر أكثر انسجاماً مع مقاربات طهران الأمنية والإقليمية، يضاف إلى ذلك الغموض حيال الموقف الأمريكي الذي لم يُظهر حتى الآن تفضيلاً واضحاً لأي من المرشحين، فضلاً عن صعود قوى جديدة داخل الإطار باتت تمتلك وزناً تفاوضياً وتسعى لفرض مواقعها في معادلة السلطة المقبلة.
وأوضح المصدر، الذي طلب حجب اسمه، أن “هذا الخليط من العوامل جعل عملية الحسم أكثر تعقيداً، وهو ما يفتح الباب أمام إطالة أمد التفاوض”، محذراً من أن “استمرار الخلافات سينعكس تلقائياً على الموقفين الكردي والسني، إذ ستتجه كلا القوتين لرفع سقف مطالبهما أو إعادة ترتيب حساباتهما بما يتلاءم مع اهتزاز مركز القرار الشيعي”.
ويعود سبب تضخم عدد المرشحين إلى أن كل كتلة داخل الإطار تمتلك 25 مقعداً نيابياً فما فوق تعتبر نفسها “كتلة ترشيح” ومن حقها الدفع باسمها الخاص.
وبالمقابل، دفع هذا التشظي إلى تحركات معاكسة داخل القوى الصغيرة، حيث شكّلت أطراف مثل المجلس الأعلى، وتحالف حقوق، وتحالف الأساس، تكتلاً جديداً يصل مجموع مقاعده إلى نحو 25 مقعداً، بهدف تقديم مرشح خاص بها؛ ما أضاف أسماء جديدة إلى القائمة المعقدة أصلاً.
ولا يعتمد الإطار على آلية تصويت واضحة للحسم، بل على التوافقات، وهي صيغة تزيد من صعوبة الوصول إلى قرار نهائي في ظل تضارب المصالح وتعدّد الولاءات الداخلية والخارجية.
وأسهمت التطورات الأمنية، وعلى رأسها هجوم كورمور الأخير في محافظة السليمانية، في إعادة صياغة النقاشات داخل الأوساط السياسية والإعلامية.
ورأت بعض القوى أن توقيت الضربات يحمل رسائل تتعلق بملف الغاز وأجندات النفوذ وتوازنات ما بعد الانتخابات، فيما تذهب أطراف أخرى لاعتبارها محاولة للضغط على القوى الشيعية وتعديل مسار التفاوض.
ويرى مراقبون أن استمرار تعدد المرشحين داخل الإطار من دون معايير محددة سيؤدي إلى تراجع الانسجام الداخلي؛ ما يؤشر مباشرة على ميزان التفاوض مع القوى الأخرى.
بدوره، قال باحث سياسي إن “الإطار التنسيقي لا يواجه أزمة ترشيح فقط، بل أزمة تعريف لدور الحكومة المقبلة وما يفترض أن تمثله في السنوات الثلاث القادمة”.
وأوضح أن “النقاشات داخل الإطار لا تدور حول الأسماء وحدها، بل حول طبيعة الحكومة، وكونها حكومة إدارة أزمة مالية واقتصادية، أم حكومة مواجهة مع الضغوط الخارجية، أم حكومة انتقال سياسي تستعد لمرحلة ما بعد إعادة ترتيب مراكز النفوذ”.
وأضاف أن “الهجمات الأمنية الأخيرة دفعت بعض الأطراف للمطالبة بمرشح يمتلك خبرة أمنية أو قدرة على إدارة الملفات المهمة، فيما تفضل أطراف أخرى مرشحاً اقتصادياً قادراً على التعامل مع فجوة الموازنة والملفات النفطية”.
ومن جهته شدد مجلس القضاء الأعلى في العراق على “احترام التوقيتات الدستورية المتعلقة بتشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية، باعتبارها تمثل أساساً للحفاظ على استقرار الدولة وشرعية النظام السياسي”.
وأكد في بيان أن “تجاوز المدد المحددة في الدستور يشكل تهديداً مباشراً لهذا الاستقرار، وأن على جميع القوى السياسية الالتزام الصارم بهذه المهل الزمنية والعمل ضمن الأطر الدستورية حصراً، بوصفها الضامن الوحيد لاستمرار الشرعية ومنع أي مساس بتوازن السلطات”.






