سبعة أيام على الحرب: سيناريوهات تطور المواجهة بين إيران والمحور الأمريكي-الإسرائيلي

بروفيسور عوض سليمية

باحث في العلاقات الدولية

 

تقدير الاتجاه

تتجاوز اهداف العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران مجرد تحقيق الاهداف التي أعلنها ترامب قبيل إطلاق العملية العسكرية على طهران ليلة 28 شباط فبراير 2026، من بينها منع طهران من امتلاك برنامجاً نووياً تخصيباً وتخزيناً؛ وصواريخ باليستية بعيدة المدى. وما يجري اليوم هي محاولات تحت الضغط العسكري لإعادة صياغة المفاهيم الأمنية وإعادة رسم الخارطة السياسية والاقتصادية للشرق الأوسط. عبر المحاولات التالية:

§        فرض واقع اقليمي جديد تكون فيه اسرائيل هي الدولة المهيمنة على منطقة الشرق الاوسط، الوكيل الحصري والوحيد لواشنطن في المنطقة.

§        محاصرة الصين لإخضاعها اقتصادياً عبر تجفيف مصادر الطاقة الواردة اليها من منطقة الخليج وإيران الجديدة بعد تجفيف منابع فنزويلا (تستورد الصين قرابة %50 من احتياجاتها النفطية من إيران ودول الخليج)

§        ضمان استمرار زعزعة الامن والاستقرار في المنطقة بعد إعادة تقسيمها على اسس طائفية وعرقية متنازعة، تستدعي مبرر التواجد الامريكي والاسرائيلي الدائم لحفظ السلام والامن والازدهار. وربما يلجأ ترامب لاحقاً لإنشاء مجلس سلام يضم قيادة إيران الجديدة ودول الخليج واسرائيل؛ على غرار مجلس السلام في قطاع غزة.

كيف يتم تحقيق ذلك

تعيش الادارة الامريكية على نشوة الانتصارات الوهمية السريعة، بما فيها إزاحة رأس النظام في فنزويلا، الاستيلاء على جرينلاند، إسقاط النظام السوري. على هذا النحو، تعتقد إدارة ترامب ومستشاروه ان شن حرب على إيران لن تكون نتائجها خارجه عن هذه النماذج مهما بلغت القدرات العسكرية الايرانية. خاصة بعد النجاحات الكبيرة التي حققتها الضربة الامريكية-الاسرائيلية الاولى والتي ادت الى مقتل المرشد الايراني ونخبة من القادة السياسيين والعسكريين (بلغ مجموعهم حتى الان قرابة 50 مسؤولاً).

§        النموذج الفنزويلي: اعتقدت الادارة الامريكية ان مجرد “قطع رأس” النظام الايراني -اغتيال الخامنئي، وعدداً من القيادات والمتنفذين في النظام سبباً كافياً لإحلال قيادة جديدة تقبل التعامل مع الشروط الامريكية، ومن ثم استكمال مراحل التغيير بقوة دفع داخلية تفضي الى انشاء سلطة جديدة.  يقول ‏ترامب: “الأمور في إيران ستسير كما حدثت في فنزويلا”.

§        النموذج السوري: تراهن إدارة ترامب على تحريك الجماعات والفصائل المسلحة المعارضة للنظام بما فيها الفصائل الكردية، وجماعات من عرقيات مختلفة داخل إيران لإسقاط النظام من الداخل. بالتزامن مع ثورة شعبية وانشقاقات داخل الجيش والحرس الثوري، تزيح ما تبقى من رموز النظام الايراني.

النموذج الاول اثبتت فشله بالنظر لانتقال السلطة بشكل سلس الى يد مجلس قيادي جديد مكون من ثلاثة اشخاص، مع احكام القبضة الامنية للحرس الثوري على مجريات الحرب القائمة. ولم يظهر مجلس القيادة الجديدة او قيادة الحرس الثوري اية استجابات حتى اللحظة لدعوات ترامب-“الانشقاق وتسليم السلاح مقابل العفو”. بالمقابل، تناقلت عدد من التقارير -المتضاربة، اجتياز عدد من المسلحين الاكراد الحدود العراقية-الايرانية ودارت اشتباكات بين المسلحين وحرس الحدود الايراني. لكن حتى اللحظة لا يوجد زخم فعلي على الارض يمكن المراهنة عليه؛ وهو ما تؤكده احدى التقارير الواردة على موقع رويترز بتاريخ 2 مارس آذار 2026 بهذا المعنى “المسؤولون الامريكيون متشككون بإسقاط النظام الايراني بعد اغتيال المرشد الخامنئي، وهناك شكوكاً جدية في قدرة المعارضة الإيرانية المنهكة على إسقاط النظام الحاكم”. مع عدم وجود اية علامات على وقوع انتفاضة او انشقاقات، هذا يعني ان كل شيء متزامن مع الهدف العام للدفاع عن إيران.

مزاجية ترامب ومحاذير حرب الاستنزاف

تتباين التبريرات للهجمات الأمريكية-الاسرائيلية بين منع إيران من الحصول على أسلحة نووية وصواريخ باليستية وصولاً الى تغيير النظام بشكل كامل. ومع ذلك، من المرجح أن تتبدد هذه المطالب سريعاً بسبب ميل ترامب للسعي خلف “انتصارات” سريعة وواضحة بدلاً من التحوّلات الاستراتيجية الكبرى. هذا الموقف يمكن العثور عليه في أحدث تصريحات لوزير الخارجية الامريكي روبيو وفقاً لموقع اكسيوس “هدف واشنطن ليس تغيير النظام الإيراني بل تريد أشخاصا مختلفين لإدارة البلاد”.

استمرار تماسك القيادة الايرانية وتبادل الهجمات الصاروخية مع ضغط متزايد على عصب عين الاقتصاد العالمي؛ جراء توقف سلاسل التوريد والطاقة من دول الخليج عبر مضيق هرمز (20% من نفط العالم و30% من الغاز و70% من الاسمدة…). ومع فشل مخطط حدوث انقلاب او ثورات مدنية او مسلحة، الى جانب، استمرار الحرس الثوري بالتحكم والسيطرة، وإطهاره قدرات على توسيع رقعة الحرب -حتى الان، كلها عوامل تساهم في رفع التكاليف السياسية والعسكرية والاقتصادية، ليس فقط على امريكا واسرائيل بل على دول الخليج والعالم عموماً وخاصة الدول الاوروبية-ارتفعت اسعار الغاز الى 50% وسط مراجعة روسي لتحويل شحنات الغاز الى مناطق اخرى أكثر فاعلية. هذه الخسائر من غير المرجح أن تتحملها غريزة ترامب المُصممة على تحقيق المكاسب السريعة.

اين تتجه الامور

استمرار سريان المجهود الحربي على هذا النحو- ردع مائل لصالح امريكا لكنه يقابل بصمود ايراني، وسط غياب اشارات على استسلام إيران-كما غرد ترامب على منصة تروث سوشال- “لن يكون هناك اتفاق مع إيران إلا بالاستسلام غير المشروط! بمجرد تحقيق ذلك، واختيار قائد (أو قادة) عظيمين ومقبولين، سنعمل نحن والعديد من حلفائنا وشركائنا الرائعين والشجعان بلا كلل لإنقاذ إيران من حافة الهاوية، وجعلها أقوى اقتصاديًا من أي وقت مضى. سيكون لإيران مستقبل عظيم. لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى”. هذا الوضع الناشئ على الارض تدفع ترامب الى إعادة التدقيق في خطة الحرب وربما تبني واحداً من المسارات التالية:

1.    نموذج العراق: استدعاء اعضاء حلف الناتو والعمل على إنشاء تحالف عالمي، يقوده الى تنفيذ هجوم بري على إيران. بهدف:

–       تقاسم الاعباء الاقتصادية للحرب بين دول الحلفاء.

–       دفع جيش الحلفاء للغزو البري لإيران، وتجنيب الجيش الامريكي تكرار مستنقع افغانستان.

وبالنظر للمواقف الاوروبية وخاصة الدول الفاعلة في حلف الناتو– فرنسا، ايطاليا، المانيا وحتى بريطانيا، الرافضة للانخراط في هذه الحرب غير القانونية والاكتفاء بموقف الدفاع عن مصالحها. فإن هذا المسار من صعب ان يسلكه ترامب. وبالتالي فإن المسار المرجح مع نهاية الاسبوع القادم على أكثر تقدير؛ هو:

أن يبادر ترامب بوقف الحرب وإعلان الانتصار من جانب واحد، ويبدأ باستعراض قائمة لا نهاية لها من الإنجازات العظيمة التي حققها خلال اسبوعين من العملية العسكرية، بما فيها (1) الحاق ضرراً بالغاً ببرامج الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية والبحرية الايرانية (2) التفاخر بقتل قيادتهم في غضون دقيقة واحدة (3)، سحق الصناعات العسكرية الكبيرة و(4) منع النظام الايراني من تشكيل أي تهديد لمصالح واشنطن ومصالح حلفائها في المنطقة. مع ابقاء ورقة الحصار على إيران قائمة الى حين قبولها بالعودة للمفاوضات. ومتوقع ان يمنح ترامب ضوءً اخضر لاسرائيل والقوات الامريكية بتنفيذ طلعات جوية متكررة على اهداف ايرانية وتحديداً المنطقة الغربية المحاذية لبحر العرب ومضيق هرمز، على غرار ما تقوم به اسرائيل في جنوب لبنان وقطاع غزة.

Ø     هذا هو السيناريو المرجح الذي تدعمه طبيعة رجل الصفقات “الربح السريع”. يدعم هذا السيناريو تصريحات رئيس مجلس النواب مايك جونسون التي قال فيها “الولايات المتحدة ليست في حالة حرب مع إيران، ولا تنوي الدخول في حرب. هذه عملية عسكرية محدودة، وهي تقترب من الاكتمال”.

مع وجود ضوء في آخر النفق تقابل هذه الاشارات وهي تصريحات الرئيس الايراني الاخيرة بيزشكيان التي قال فيها ” أن بعض الدول بدأت “جهوداً للوساطة” بشأن الحرب، مؤكداً أن “ردنا عليها واضح: نحن ملتزمون بالسلام المستدام في المنطقة، لكننا لا نتردد لحظة واحدة في الدفاع عن عزة البلاد وهيبتها”.