السياسي -متابعات
شهدت قاعات العرض المعتمة بمدينة “كان” الفرنسية هذا الأسبوع ولادة صور سينمائية لم تألفها الشاشات من قبل، حيث ظهر رجال تنبت من أعناقهم حراشف السمك، وبطلة ينبض قلبها خارج جسدها، وجيوش ضخمة تجتاح الميادين دون أن تطأ قدم ممثل واحد أرض الواقع.
جسدت هذه المشاهد افتتاح الدورة الأولى من “المهرجان العالمي لأفلام الذكاء الاصطناعي” (WAIFF)، الذي اختار “كان” ساحة لانطلاقته الكبرى، معلناً عن عصر جديد يتجاوز حدود الخيال التقليدي.
موجة جديدة تعيد صياغة القواعد السينمائية
اتخذ مهرجان “كان” السينمائي العريق في دورته الـ76 موقفاً حازماً بحظر تقنيات الذكاء الاصطناعي في منافسات السعفة الذهبية، معتبراً أن هذه التكنولوجيا “تحاكي جيداً لكنها لن تلمس المشاعر العميقة أبداً”.
ورغم هذا الموقف الرسمي، ضجت منطقة “الكروازيت” بحراك مختلف تماماً، حيث دفعت شركات التقنية الكبرى واستوديوهات هوليوود بقوة نحو المهرجان الوليد، وسط حديث متزايد عن “موجة جديدة” توشك أن تعيد صياغة القواعد السينمائية للأبد.

هوليوود تحسب حساباتها بعين الاستثمار
كشفت الأرقام عن تحول ضخم في التوجهات الإنتاجية، إذ استقبل المهرجان 5,000 فيلم أنجزت كلياً بالذكاء الاصطناعي، قفزة من 1,000 فيلم فقط في النسخة التمهيدية التي عقدت العام الماضي في مدينة نيس.
واجتذب هذا التدفق استثمارات من أسماء ثقيلة مثل “رون هاورد”، و”جيمس كاميرون”، و”ماثيو ماكونهي”، بينما أكدت شركة “باراماونت” أن هذه التقنية ستؤثر على كل مفاصل أعمالها.
ويهدف المنطق التجاري الجديد إلى توزيع المخاطر، بإنتاج عدة أفلام بميزانيات متوسطة تبلغ 50 مليون دولار للفيلم الواحد بدلاً من المراهنة على فيلم ضخم بـ 200 مليون دولار.
الذكاء الاصطناعي يصنع الإبهار ويكشف حدوده
أظهرت العروض تفاوتاً ملموساً بين الدقة التقنية والعمق السردي، فبينما برعت الأفلام في تصوير تفاصيل الجلود والظلال فائقة الواقعية، افتقرت بعض القصص إلى الدفء الإنساني والتوقيت الكوميدي المتقن.
وظهرت صيحة غريبة لحيوانات تحاكي البشر، مما دفع بعض السينمائيين للمطالبة بضوابط فنية أكثر صرامة، بحسب صحيفة “غارديان”.
وفي المقابل، أثبت المخرج الشاب “دارييو شيرينشيوني” تفوق الموهبة، حيث أنجز فيلماً مؤثراً عن مرض الخرف بتكلفة لم تتجاوز 500 يورو، مستفيداً من كفاءة الذكاء الاصطناعي الاقتصادية مقارنة بـ 20,000 يورو للمؤثرات التقليدية.
شبح حقوق الملكية يلقي بظلاله
واجه المهرجان توترات قانونية بعد بروز فيلم قصير تظهر فيه شخصيات تشبه أبطال “والاس وغروميت” الشهيرين، مما دفع المخرج “ماتيو كاسوفيتس” للتساؤل باستنكار عن مصدر هذه الإبداعات، واستجابت الإدارة سريعاً بسحب الفيلم تأكيداً على “التزامها الصارم بحقوق الملكية الفكرية”.
وبدت التناقضات واضحة حين عبر “كاسوفيتس” عن عدم اكتراثه بالحقوق أثناء عمله على استوديو جديد للذكاء الاصطناعي بباريس، بينما هدد بمقاضاة أي شخص يستخدم نفس التقنية للمساس بأعماله الخاصة.
أسطورة السينما الصينية: “لنستكشف معاً”
اختارت النجمة العالمية “غونغ لي”، رئيسة المهرجان، لغة دبلوماسية في ليلة الافتتاح بقولها: “الذكاء الاصطناعي قد يكون مثيراً للجدل، لكنه يفتح طرقاً جديدة لتخيل القصص، فلنستكشف هذا معاً”.
وفي خطوة لافتة، أعلن المخرج المخضرم “كلود لولوش” صاحب الـ 88 عاماً اعتماده التقنية في فيلمه الـ 52، مؤكداً أنها أعادت إليه “روح الطفولة” والقدرة على التجريب بلا حدود.







