عندما يتحول الفقد إلى نداء وطني

بقلم نجيب الكمالي

في مشهدٍ تتداخل فيه الجغرافيا مع الألم، وتتشابك فيه العائلة مع القضية، تتوالى أخبار الفقد التي لا تُقرأ كأحداث منفصلة، بل كامتدادٍ مفتوحٍ لجراحٍ واحدة. فقد استُشهد حمزة قبل ذلك، ثم استُشهد عزام خليل الحية الفقيد الذي استُشهد أمس وأُعلن عن استشهاده اليوم، كما استُشهد همام في قطر، والرابع في قطاع غزة، في سلسلة فقدٍ تعكس حجم المأساة واتساعها بين المنافي والداخل الفلسطيني.
في هذا السياق لم يكتب الزميل عمران الخطيب بصفته صحفيًا يراقب الحدث من مسافة باردة، بل كإنسان فلسطيني يكتب من قلب الوجع. كان واضحًا أن الألم الذي اعتصره لم يدفعه فقط إلى رثاء الفقد، بل إلى إطلاق صرخة سياسية ووطنية تتجاوز حدود الخبر العابر نحو سؤال أكبر يتعلق بمصير الفلسطينيين أنفسهم.
فالمقال لم يكن مجرد سرد لحادثة جديدة في سجل الدم الفلسطيني، بل محاولة لتحويل الفقد إلى لحظة مراجعة داخلية. وبين السطور، بدا الخطيب وكأنه يقول إن حجم التضحيات بات أكبر من أن يُستهلك في الانقسام والخلافات، وأن الدم الفلسطيني الذي يسقط كل يوم يجب أن يكون سببًا للوحدة لا مبررًا لمزيد من التشتت.
ما يميز هذا الطرح أن الكاتب لم يكتفِ بإدانة الاحتلال أو تحميله مسؤولية المشهد المأساوي، بل انتقل إلى مساحة أكثر حساسية حين وجّه خطابه إلى الداخل الفلسطيني نفسه. هناك، حيث الانقسام الذي طال أمده، وحيث التباينات السياسية التي تحولت مع الوقت إلى عبء ثقيل على القضية الفلسطينية. ومن هنا جاء سؤاله الضمني المؤلم: إذا كان الاحتلال لا يفرق بين الفلسطينيين، فلماذا يصر الفلسطينيون على التفرق؟
هذا النوع من الأسئلة لا يصدر عن خطاب سياسي تقليدي، بل عن شعور حقيقي بالإحباط والخوف على مستقبل القضية. ومع ذلك، فإن الخطيب، رغم كل هذا الألم، لم يكتب بروح اليأس. على العكس، كان واضحًا أن خلف الحزن إيمانًا عميقًا بأن الشعب الفلسطيني ما زال قادرًا على النهوض، وأن الجراح مهما اتسعت لا تلغي إمكانية استعادة الوحدة.
وفي دعوته للعودة إلى المظلة الوطنية الجامعة، وإعادة ترميم الصف الداخلي، بدا المقال أقرب إلى نداء وطني منه إلى نص سياسي عابر. فهو لا يهاجم طرفًا بعينه، بل يحاول تذكير الجميع بأن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في استمرار العدوان، بل أيضًا في استمرار التآكل الداخلي الذي يضعف قدرة الفلسطينيين على مواجهة التحديات.
وعند قراءة هذا الخطاب في سياق أوسع، تتكشف حقيقة تتكرر في أكثر من ساحة عربية: أن الانقسامات الداخلية غالبًا ما تكون أكثر إيلامًا من الصراعات الخارجية، لأنها تنخر الجسد الوطني من الداخل. ولهذا بدا الخطيب وهو يكتب كمن يحاول إنقاذ ما تبقى من الروح الفلسطينية الجامعة، قبل أن يتحول الألم إلى حالة اعتياد.
في النهاية، لا يخرج القارئ من مقال عمران الخطيب بشعور الحزن فقط، بل بإحساس أن هذا الوجع الفلسطيني المستمر ما زال قادرًا على إنتاج أصوات تؤمن بأن الوحدة ليست حلمًا مستحيلًا، بل ضرورة يفرضها الدم نفسه، وأن فلسطين، رغم كل الجراح، ما زالت تمتلك القدرة على جمع أبنائها حول قضية واحدة ومصير واحد.