أستاذ علم الاجتماع والفلسفة المعاصرة
في لحظة سياسية وتنظيمية فارقة من تاريخ حركة فتح، جاءت نتائج المؤتمر الثامن لتؤكد أن الحركة ما زالت قادرة على إعادة إنتاج ذاتها، وتجديد نخبها، والمحافظة على وحدتها الداخلية رغم كل التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني. لقد حملت نتائج الانتخابات رسائل سياسية وتنظيمية عميقة، أبرزها تجديد الثقة بقيادات تاريخية ووطنية مؤمنة بخيار الدولة الفلسطينية والسلام العادل، وفي مقدمتهم القائد الأسير مروان البرغوثي الذي حصد أعلى الأصوات، في دلالة واضحة على حضوره الرمزي والنضالي داخل الوعي الفتحاوي والوجدان الوطني الفلسطيني.
إن حصول القائد مروان البرغوثي على هذا العدد الكبير من الأصوات ليس مجرد نجاح تنظيمي عابر، بل هو تجديد للعهد مع تاريخ النضال الفلسطيني، وتجديد للأمل بأن حركة فتح ما زالت ترى في القيادات الوطنية القادرة على الجمع بين الشرعية النضالية والشرعية الشعبية ركيزة لمستقبلها السياسي. فمروان بالنسبة لكثيرين ليس فقط قائداً أسيراً، بل يمثل فكرة الاستمرار الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، ورمزاً لوحدة الحركة الوطنية الفلسطينية.
كما أتقدم بأصدق التهاني والتبريكات إلى الأخ المناضل توفيق الطيراوي، وإلى الأخت المناضلة ليلى غنام، وإلى الأخ ياسر عباس، على هذه الثقة الكبيرة التي منحتهم إياها حركة فتح، هذه الحركة التي ما زالت تؤمن بتجديد الدماء، وصناعة المستقبل بأيدي وقلوب وعقول وطنية جديدة قادرة على فهم التحولات الإقليمية والدولية القادمة.
إن ما يميز هذه المرحلة ليس فقط إعادة تشكيل اللجنة المركزية، بل إعادة إنتاج خطاب سياسي جديد يستند إلى فلسفة الرئيس محمود عباس القائمة على السلام العادل، وسلام الشجعان، وسلام إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. وهو سلام لا يقوم على الاستسلام، بل على تثبيت الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتوسيع الاعتراف الدولي بعدالة القضية الفلسطينية، والعمل على عزل اليمين الصهيوني المتطرف الذي يمثله بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
إن العالم اليوم يقف على أعتاب تحولات جيوسياسية كبرى، في ظل الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين على قيادة النظام الدولي. ومن هنا، فإن القضية الفلسطينية مطالبة بإعادة صياغة خطابها السياسي والفلسفي والاجتماعي بما ينسجم مع هذه التحولات. لم يعد كافياً أن نخاطب العالم بلغة السياسة فقط، بل يجب أن نخاطبه بلغة الإنسان، والأخلاق، والعدالة، والكرامة الإنسانية.
إن فلسطين اليوم بحاجة إلى خطاب فلسفي عميق يواجه الفلسفة البراغماتية الغربية التي اختزلت الإنسان إلى رقم داخل منظومة الرأسمالية المتوحشة، وأفرغت السياسة من بعدها الأخلاقي والروحي. وهنا يمكن للقضية الفلسطينية أن تقدم نفسها بوصفها قضية إنسانية كونية، تستند إلى قيم العدالة والحق والحرية، وتقترب في بعدها الأخلاقي من الفلسفات الإنسانية الشرقية، ومنها الفلسفة الكونفوشيوسية التي تعيد الاعتبار للأخلاق والروح والمعنى داخل المجتمع والدولة.
إن نجاح هذه القيادات الجديدة في اللجنة المركزية يجب أن يتحول إلى بداية مرحلة جديدة من العمل الوطني، تقوم على توسيع العلاقات الدولية، والانفتاح على الشعوب الحرة، وتعزيز الحضور الفلسطيني في كل ساحات الفكر والسياسة والثقافة، حتى تبقى فلسطين فكرة إنسانية عادلة قبل أن تكون مجرد قضية سياسية.
كل التهاني للقائد مروان البرغوثي، وللقائد توفيق الطيراوي، وللأخت ليلى غنام، وللأخ ياسر عباس، مع الأمل بأن تكون هذه المرحلة بداية جديدة لحركة فتح، وبداية جديدة للمشروع الوطني الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال والسلام العادل.









