السياسي – تصاعدت انتقادات أحزاب المعارضة المصرية وبرلمانيين وحقوقيين لقانون الأسرة، الذي قدمته الحكومة إلى البرلمان في بداية الشهر الجاري، وسط تحذيرات من أن تمرير بعض مواده بصيغتها الحالية سيثير إشكاليات تتعلق بفسخ عقد الزواج بالحضانة والاستضافة والنفقة وإثبات النسب، إلى جانب افتقاده لما وصف بـ”فلسفة واضحة” تنظم العلاقة الأسرية وتحفظ المصلحة الفضلى للطفل.
-تفسيرات متباينة
وخلال ندوة نظمها حزب “الدستور”، انتقد المحامي الحقوقي وعضو لجنة العفو الرئاسي، طارق العوضي، عدداً من مواد مشروع القانون، معتبراً أن بعضها يعاني من عيوب في الصياغة قد تفتح الباب أمام تفسيرات قضائية متباينة، خاصة في المواد المتعلقة بإثبات النسب ومدد الحمل.
وانتقد الاتجاه إلى وضع قواعد موحدة تطبق على جميع الحالات الأسرية، معتبرًا أن “قاعدة العمومية لا يمكن تطبيقها على الجميع”، داعيًا إلى منح القضاة مساحة أوسع للتقدير وفق ظروف كل أسرة.
وقال إن المشروع يتضمن “تناقضات قانونية وشرعية”، موضحًا أن المادة 98 تثير إشكاليات بشأن الحد الأدنى لإثبات النسب ومدد الحمل، مضيفًا: “إذا كان الطفل أقل من ستة أشهر بيوم لا يُنسب للأب، وبعد يوم واحد فقط يصبح ابنه؟”.
وتتعلق المادة (98) من مشروع قانون الأسرة والأحوال الشخصية في مصر بأحكام “إثبات النسب” وفترة الحمل.
وتنص المادة على أن الحد الأدنى لمدة الحمل هو ستة أشهر قمرية من وقت الدخول بالزوجة أو الخلوة الشرعية، والحد الأقصى لمدة الحمل هو عشرة أشهر قمرية.
واعتبر العوضي أن مشروع القانون بصيغته الحالية “لن يخرج بهذا الشكل”، متوقعًا إدخال تعديلات واسعة عليه، في ظل ما وصفها بحالة “الاستعجال” في طرحه، مضيفًا أن بعض المواد تتضمن إجراءات قد تفرض أعباء إضافية على المحاكم.
قال إن مشروع القانون يفتقد إلى “فلسفة واضحة” تحقق المصلحة الفضلى للطفل، معتبرًا أن الهدف الأساسي لأي تشريع للأحوال الشخصية يجب أن يكون الحفاظ على استقرار الأسرة، وليس “إدارة النزاع” بعد الانفصال.
وفيما يتعلق بالنفقة، رأى أن بعض التقديرات الحالية لا تراعي تكاليف المعيشة الفعلية، خاصة مع صعوبة إثبات الدخول الحقيقية، لافتًا إلى أن مستوى الدخل المُعلن لا يعكس دائمًا القدرة الحقيقية على الإنفاق.
كذلك، انتقدت رئيسة جمعية “نهوض وتنمية المرأة”، إيمان بيبرس، غياب آليات واضحة لتنفيذ “التسليم والتسلم” في قضايا الاستضافة، معتبرة أن ذلك قد يفتح الباب أمام نزاعات جديدة بين الطرفين.
وأضافت، خلال كلمتها، أن كثيرًا من الحاصلين على أحكام الرؤية أو الحضانة لا يتمكنون من تنفيذها فعليًا، معربة عن تحفظها على طرح الاستضافة بصيغته الحالية، ولافتة إلى أن تطبيق أنظمة الحضانة المشتركة في بعض الدول يرتبط بوجود جهات رقابية وخدمات حماية طفل تتابع أوضاع الأطفال بصورة دورية.
وقالت إن “النساء مرعوبات من القانون”، معتبرة أن جزءًا من المخاوف يرتبط بعدم وضوح آليات التنفيذ والرقابة المتعلقة بالحضانة والاستضافة.
واستحدث مشروع القانون مادة خاصة بالاستضافة بعد الطلاق، في محاولة لحل أزمة الرؤية، حيث يشتكي كثير من الآباء من عدم قدرتهم على رويتهم أطفالهم في ظل حضانة الأم.
وتشترط المادة الخاصة بالاستضافة على ألا يقل عمر الطفل عن 5 سنوات، وأن تكون الحالة الصحية للطفل تسمح بالاستضافة والتواجد خارج منزل الحاضن، وألا يكون طالب الاستضافة ممتنعاً عن أداء نفقات الطفل دون عذر مقبول، وعدم جواز تنفيذ الاستضافة قسراً إذا رفض الطفل ذلك، ويتحول القرار في هذه الحالة إلى “الرؤية” العادية، وحددت مدة الاستضافة بحد أقصى يومين كل شهر، وفي هذه الحالة تسقط الرؤية الأسبوعية.
وفيما يتعلق بترتيب الحضانة، طالبت بيبرس بإعادة ترتيب الأولويات لتكون الأم أولًا، ثم والدة الأم، ثم الجدة من ناحية الأب، على أن يأتي الأب لاحقًا.
وينص مشروع قانون الأحوال الشخصية، قانون الأسرة الجديد في مصر، على أن الأم هي الأحق بالحضانة، وإذا تعذر وجودها، فقد منح المشروع الأب المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم، يليه في ذلك المحارم من النساء، من جهة الأم أولاً، ثم من جهة الأب.
وقالت وفاء صبري، رئيس حزب “الدستور”، إن بعض البنود المطروحة في مشروع القانون تعكس تصورًا أقرب إلى “النماذج الغربية” في إدارة العلاقات الأسرية بعد الانفصال، معتبرة أن بنية الأسرة المصرية تختلف عن السياقات التي طُبقت فيها تلك النماذج.
كما انتقدت حالة الاستقطاب المصاحبة للنقاشات حول مشروع القانون، معتبرة أن “حالة الشحن على مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في تصاعد المخاوف والاتهامات المتبادلة”.
وحسب عضوة مجلس الشيوخ، أميرة صابر، فإن النقاش الدائر حول مشروع القانون تحول في أحيان كثيرة إلى “خناقة بين الطرفين”، بدلًا من التعامل معه باعتباره تشريعًا ينظم أوضاع الأسرة والطفل.
ودعت إلى إجراء دراسة أثر تشريعي قبل إقرار القانون، معتبرة أن بعض التشريعات تصدر أحيانًا “بأهواء سياسية”، مضيفة: “أتمنى أن الدراسة الجادة لا تستغرق أقل من سنة”.
إلى ذلك، نظمت أمانة المرأة في الحزب “الاشتراكي المصري” حلقة نقاشية بالاشتراك مع “مؤسسة قضايا المرأة المصرية” لبحث قانون الأحوال الشخصية.
وخلال الندوة، جرى طرح مبادرة تهدف إلى تحقيق التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة عبر برامج وآليات عمل واضحة تسهم في توفير فرص عمل حقيقية ومستدامة، بما ينعكس على تحسين مستوى المعيشة والاستقرار الأسري، مع التركيز على ربط التمكين الاقتصادي برفع الوعي الثقافي والسياسي للمرأة وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة وصنع القرار.
وأكد المشاركون أن المبادرة لا تقتصر على تقديم الدعم الاقتصادي فقط، وإنما تستهدف إعداد كوادر نسائية واعية بحقوقها وواجباتها وقادرة على المشاركة الفعالة في التنمية، مشيرين إلى أن بناء الوعي يمثل ركيزة أساسية لتحقيق مشاركة حقيقية ومؤثرة للمرأة داخل المجتمع.
أكدت الدكتورة منال عمر أن الجدل المثار حول إسقاط سن الحضانة يجب ألا يُناقش من منظور قانوني فقط، بل ينبغي النظر إلى آثاره النفسية والاجتماعية على الأطفال، خاصة في المراحل العمرية المبكرة.
وأوضحت أن الطفل بعد سن السابعة يكون مرتبطًا نفسيًا وعاطفيًا بوالدته، ما يجعل فكرة الانفصال المفاجئ عنها أمرًا قد يترك آثارًا نفسية واضحة، مشيرة إلى أن انتقال الطفل إلى حضانة الأب لا يعني بالضرورة شعوره بالاستقرار، خصوصًا إذا كان الأب بعيدًا عن تفاصيل حياة أبنائه خلال سنوات الحضانة.
كما أشارت إلى أن بعض الأطفال يواجهون صعوبات في التعامل مع زوجة الأب أو زوج الأم، مؤكدة أن نجاح تلك العلاقات يرتبط بوجود احتواء وتفاهم داخل الأسرة، وشددت على ضرورة أن تكون مصلحة الطفل واستقراره النفسي الأساس في أي قرار يتعلق بالحضانة.
أما البرلماني عاطف مغاوري، فأكد أن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد لا يزال محل نقاش واسع بين الجهات المعنية، في ظل وجود اعتراضات وملاحظات على عدد من البنود المرتبطة بكيان الأسرة المصرية.
وأشار إلى أنه تابع أعمال اللجنة المشكلة لمناقشة القضايا الشائكة المرتبطة بقانون الأسرة، وعلى رأسها قضية الطلاق الشفهي، لافتًا إلى أن تلك الظاهرة تمثل نحو 31% من إجمالي حالات الطلاق، وهو ما وصفه بـ”الرقم الصادم” الذي يعكس حجم الأزمة المجتمعية الحالية.
وشدد على ضرورة الحفاظ على خصوصية الحياة الزوجية وعدم تحويل الخلافات الأسرية إلى مادة للجدل العلني، مؤكدًا أن حالة الجدل الحالية تعكس وجود تخوفات حقيقية لدى قطاعات مختلفة من المجتمع تجاه بعض مواد مشروع القانون.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على ضرورة إصدار قانون أسرة يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات ويحافظ على مصلحة الأطفال والأسرة المصرية، داعيًا إلى تبني “قانون أسرة موحد” يطبق على الجميع، بما يرسخ مفهوم الأسرة المصرية الواحدة ويحافظ على النسيج المجتمعي.
وأثار بند “حق الزوجة في فسخ عقد الزواج خلال 6 أشهر”، حالة من الجدل وسط مطالبات بحذفه
وجاء في المادة (7) من مشروع القانون أنه يحق للزوجة طلب فسخ عقد زواجها قضاءً خلال مدة لا تزيد على 6 أشهر من تاريخ العقد، إذا تبين لها أن الزوج ادعى لنفسه ما ليس فيه.
ويأتي هذا النص بوصفه آلية قانونية لحماية الطرف المتضرِّر من التدليس، وتمكينه من إنهاء العلاقة سريعًا قبل تفاقم آثارها.
وأكدت هبة عوف، رئيس قسم التفسير وعلوم القرآن في جامعة الأزهر، أن حق الطلاق في يد الرجل، وأن الله تعالى هو الذي شرعه، موضحة أن تطبيق مادة فسخ عقد الزواج بعد 6 أشهر قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الطلاق.
وأضافت في تصريحات متلفزة أنها ترفض هذه المادة، لأنها ستسبب مشكلات أسرية، مؤكدة أن هذا الأمر لا يوافق الشرع.
ولفتت إلى أن المرأة لا يحق لها أن تزوج نفسها، قائلة: “لا زواج إلا بولي”، وأن العاطفة قد تؤثر على قرارات المرأة، وأن مادة فسخ عقد الزواج بعد 6 أشهر تُعد مخالفة للدين والشريعة، وقد ينتج عنها مشكلات اجتماعية كثيرة.
ولفت إلى أن قانون الأحوال الشخصية يجب أن يهدف إلى الحفاظ على الأسرة وتقليل نسب الطلاق، وليس إلى سَنّ مواد قد تؤدي إلى زيادتها.
وأكد نقيب المأذونين إسلام عامر، أن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد يشهد جدلًا واسعًا، خاصة فيما يتعلق بمادة إتاحة فسخ عقد الزواج بعد 6 أشهر، موضحًا أن الأبدية في الزواج تُعد شرطًا أساسيًا.
مخالف للشريعة
وأضاف نقيب المأذونين، في تصريحات متلفزة، أن الزواج في الأصل قائم على الاستمرار مدى الحياة حتى يقع الطلاق، وليس محددًا بمدة، وأن أي عقد زواج محدد بمدة يعد باطلًا ومخالفًا للشريعة.
ولفت إلى أن العقد المحدد بمدة يشبه “عقد التجربة”، وأنه في حال ظهور عيوب أو خلافات سيتم اللجوء للفسخ، ما قد يؤثر على طبيعة عقد الزواج الشرعي، حسب قوله.
وأشار إلى أن مسألة موافقة الزوجة الأولى على زواج الزوج من أخرى ليست شرطًا شرعيًا، وإنما يتم فقط إبلاغها، ولها الحق بعد ذلك في طلب الطلاق أو الاستمرار.
وبين أنه لا يمكن توثيق موافقة الزوجة الأولى على زواج زوجها بأخرى رسميًا، معلقًا بأن مثل هذا الإجراء غير واقعي و”الزوجة هتقتله لو حاول يعمل كده”.
كانت الحكومة أحالت مشروع قانون الأسرة إلى مجلس النواب في 4 مايو/ أيار الجاري، عقب توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، منتصف أبريل/ نيسان الماضي، بسرعة الانتهاء من إعداد تشريعات الأحوال الشخصية.








