الوعي الفلسطيني بين جغرافيا المكان وقلق الوجود

بقلم الدكتور صالح الشقباوي

أستاذ محاضر في علم الاجتماع والفلسفة الوجودية المعاصرة
ليست فلسطين مجرد قطعة جغرافية متنازع عليها بين مشروعين سياسيين، بل هي سؤال وجودي مفتوح على التاريخ والزمان والمعنى. فالفلسطيني لم يدخل الصراع بوصفه إنساناً يبحث عن حدود دولة فقط، وإنما بوصفه ذاتاً تاريخية تحاول الدفاع عن معنى وجودها فوق أرض حاولت الصهيونية اقتلاعها من الذاكرة قبل اقتلاعها من المكان.
إن الوعي الفلسطيني تشكّل داخل لحظة تاريخية مأساوية؛ لحظة النكبة التي لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل زلزالاً وجودياً ضرب معنى الإنسان الفلسطيني ذاته. فمنذ تلك اللحظة أصبح الفلسطيني يعيش جدلية معقدة بين الحضور والغياب، بين الوطن والمنفى، وبين الذاكرة ومحاولات المحو. ولذلك فإن الفلسطيني لم يعد ينظر إلى الأرض كحيز جغرافي فحسب، بل باعتبارها امتداداً للروح والهوية والكينونة.
فالمكان الفلسطيني ليس مادة صامتة، بل ذاكرة حية تتكلم بلغات التاريخ والرمز والدين والمعاناة. القدس، غزة، يافا، حيفا، والخليل ليست أسماء مدن فقط، وإنما تجليات لمعنى الوجود الفلسطيني في الزمان. ومن هنا فإن الصراع على فلسطين لم يكن صراع حدود، بل صراع روايتين: رواية تريد تثبيت الإنسان الفلسطيني داخل التاريخ، وأخرى تحاول إخراجه من التاريخ وإلغاء حضوره الرمزي والأنطولوجي.
وفي هذا السياق، يتحول الفلسطيني إلى كائن يحمل قلقه الوجودي يومياً. فهو يعيش داخل وطنه كمنفي، ويعيش في المنفى كمن يحمل وطنه داخله. وهنا تظهر المفارقة الفلسفية الكبرى؛ فالفلسطيني الذي حاولت الصهيونية تحويله إلى رقم لاجئ، أعاد إنتاج ذاته كثورة وهوية ومعنى. لقد انتقل من حالة الانتظار إلى حالة الفعل، ومن موقع الضحية الساكنة إلى موقع الذات المقاومة التي ترفض العدم.
أما إسرائيل، فإنها رغم امتلاكها فائض القوة العسكرية، تعيش قلقاً وجودياً مضاداً. فالقوة التي لا تجد شرعيتها الأخلاقية تبقى محكومة بالخوف من الزمن. ولذلك فإن المشروع الصهيوني يعيش مأزقاً فلسفياً عميقاً؛ إذ يدرك في داخله أن القوة لا تستطيع وحدها صناعة المعنى أو إنتاج الطمأنينة التاريخية. فالموت الذي حاولت إسرائيل فرضه على الفلسطيني، تحول إلى سؤال يلاحقها هي أيضاً، لأن العنف حين يصبح أساس الوجود يتحول الوجود نفسه إلى قلق دائم.
إن المأساة الفلسطينية ليست مأساة شعب فقد أرضه فقط، بل مأساة إنسان وجد نفسه مضطراً للدفاع عن حقه في المعنى وفي الاعتراف بإنسانيته. ولذلك فإن الفلسطيني لا يقاتل من أجل التراب وحده، بل من أجل حقه في أن يكون مرئياً داخل التاريخ، ومعترفاً به داخل الجغرافيا الإنسانية.
ومن هنا تبرز أهمية الوعي الفلسفي في فهم القضية الفلسطينية؛ لأن الصراع لم يعد مجرد صراع سياسي تقليدي، بل أصبح صراعاً بين فلسفتين: فلسفة ترى الإنسان قيمة أخلاقية وتاريخية، وفلسفة ترى القوة وسيلة لإعادة تشكيل الحقيقة. وبين هذين النقيضين يقف الفلسطيني حاملاً ذاكرته وقلقه وأمله، مؤمناً أن الوجود الحقيقي لا يُقاس بامتلاك القوة وحدها، بل بالقدرة على البقاء داخل التاريخ والمعنى.
إن فلسطين، في جوهرها العميق، ليست مجرد قضية شعب، بل اختبار أخلاقي وفلسفي للعالم كله. فمن ينتصر للحق الفلسطيني لا ينتصر لشعب فقط، وإنما ينتصر لفكرة الإنسان ذاتها، ولحقه الطبيعي في أن يعيش حراً فوق أرضه، ممتلكاً لذاكرته وتاريخه ومستقبله.
وهكذا يبقى الفلسطيني، رغم كل محاولات الإلغاء، شاهداً على أن الوجود الإنساني الحقيقي لا يُهزم، وأن الهوية التي تُولد من الألم والذاكرة قادرة دائماً على إعادة إنتاج ذاتها داخل الزمن، مهما اشتدت محاولات الاقتلاع والنسيان.