من يعيد لفلسطين ضحكتها…؟؟؟؟؟؟

بقلم: شادي عياد

كانت فلسطين تضحك.

تضحك كما تضحك الحقول حين يعبر الربيع فوقها، وكما تضحك السنابل عندما تميل للريح دون خوف، وكما تضحك الأمهات حين يركض الأطفال في أزقة القرى وبين بساتين البرتقال والزيتون.

قبل أن تصبح فلسطين عنوانًا دائمًا للحروب والأخبار العاجلة، كانت حياةً كاملة.

كانت القدس تجمع الأجراس والأذان في مشهدٍ واحد، وكانت بيت لحم تتزين لأعياد الميلاد كما تتزين السماء بالنجوم، وكانت المدن والقرى الفلسطينية تستقبل الأعياد الإسلامية ببهجةٍ تفيض من البيوت والساحات والأسواق.

كان الناس يختلفون في الرأي، لكنهم يلتقون في الفرح.

وكانت الضحكة الفلسطينية تسكن البيوت كما يسكن الضوء النوافذ.

ثم جاءت النكبة.

فلم تُسرق الأرض فقط، بل اقتُلعت قرى بأكملها من الذاكرة الحية، وتحولت المفاتيح إلى رموز، والخيام إلى أوطان مؤقتة امتدت عشرات السنين.

تفرقت العائلات، وامتلأت المنافي بالحكايات، وسار الفلسطيني حاملاً وطنه في قلبه بعدما عجز عن حمله على كتفيه.

ومع ذلك…

لم تمت الضحكة.

كانت تخرج من بين ثقوب الخيام، وتولد من جديد في أعراس المخيمات، وفي إصرار اللاجئين على الحياة رغم كل شيء.

ثم بدأت تتشكل ملامح الثورة الفلسطينية.

ففي زمنٍ كان كثيرون يعتقدون أن النكبة أصبحت قدرًا دائمًا، خرج رجال ونساء آمنوا أن الشعوب لا تموت ما دامت تقاوم النسيان.

كانت البدايات متواضعة.

لكن الحلم كان كبيرًا بحجم فلسطين.

وحملت الثورة الفلسطينية راية الكفاح الوطني، محاولةً إعادة القضية إلى أصحابها الحقيقيين، وإعادة اسم فلسطين إلى واجهة العالم بعد سنواتٍ من الضياع والتشتت.

ثم جاءت النكسة.

وكأن جرح النكبة أراد أن يختبر قدرة الفلسطيني على الاحتمال مرة أخرى.

ففي عام 1967 سقطت القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي، واتسعت دائرة الألم والخسارة.

كانت صدمةً قاسية.

لكنها في الوقت نفسه دفعت الثورة الفلسطينية إلى قلب المشهد الوطني والعربي، ومنحتها زخمًا جديدًا جعلها عنوانًا لمرحلة كاملة من النضال الفلسطيني.

فكبرت الثورة، وكبرت معها التضحيات وامتلأت صفحات التاريخ بأسماء الشهداء والأسرى والمنفيين، وارتفع صوت فلسطين في المحافل الدولية، وأصبح الشعب الفلسطيني حاضرًا في ضمير العالم رغم كل محاولات التغييب.

ثم جاءت الانتفاضة الأولى.

فخرج الحجر من يد الطفل ليهز صورة الاحتلال أمام العالم.

واكتشف الجميع أن الشعوب قد تكون أعزل من خصومها، لكنها ليست أعجز منهم.

كانت انتفاضة الكرامة والإرادة الشعبية وكانت فلسطين تنزف لكنها تبتسم.

لأن الأمل كان ما يزال حيًا.

ثم ولدت السلطة الوطنية الفلسطينية.

فعاد آلاف المنفيين إلى أرضهم، وارتفعت الأعلام الفلسطينية فوق المؤسسات، وشعر الناس أن حلم الدولة لم يعد مجرد أمنية بعيدة.

امتلأت الشوارع بالأغاني الوطنية.

وازدحمت المدارس بالطلاب.

وكبرت أحلام الأجيال الجديدة.

وكان الفلسطيني يحاول أن يبني حياته فوق أرض ما زالت ترزح تحت الاحتلال.

ثم جاءت انتفاضة الأقصى.

فاشتعل الغضب الفلسطيني من جديد.

وامتلأت الشوارع بالمواجهات.

وتحوّل المشهد إلى واحدة من أكثر مراحل الصراع دموية وتعقيدًا.

سقط آلاف الشهداء والجرحى، وتعرضت المدن الفلسطينية للاجتياحات والحصار والدمار، وعادت مشاهد الألم لتخيم على البيوت الفلسطينية.

لكن الفلسطيني بقي متمسكًا بحقه في الحرية، رغم الثمن الباهظ.

ثم واصل الاحتلال تغيير أدواته.

مرة بالحواجز.

ومرة بالاستيطان.

ومرة بالجدران.

ومرة بمحاولات خنق الاقتصاد والأمل معًا.

ثم جاء الانقسام.

وكان واحدًا من أكثر الفصول إيلامًا في الرواية الفلسطينية.

فالوطن الذي صمد أمام النكبة والنكسة والثورة والانتفاضات، وجد نفسه أمام جرح داخلي ثقيل.

انقسمت الجغرافيا.

وتباعدت المواقف.

وتعبت السياسة.

وأصبحت القضية في كثير من الأحيان أسيرة الخلافات بدل أن تكون بوصلة الجميع.

ومع مرور السنوات، تمددت مظاهر الفساد في بعض الزوايا، وتراجعت الكفاءة في بعض المواقع، وتراكمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية فوق أكتاف الناس.

وبات الفلسطيني يواجه سؤالين معًا:

كيف يحمي وطنه؟

وكيف يحمي لقمة عيشه وكرامته ومستقبل أبنائه؟

ثم جاء السابع من أكتوبر.

فانفجر المشهد كله دفعة واحدة.

ودخلت فلسطين فصلًا جديدًا من الألم يفوق قدرة الكلمات على الوصف.

حرب مدمرة.

ومدن منكوبة.

وعائلات كاملة اختفت من سجل الحياة.

وأطفال كبروا سنوات طويلة في أيام قليلة.

وأمهات يبحثن عن أبنائهن بين الركام.

ومشاهد من الموت والدمار ستبقى محفورة في الذاكرة الفلسطينية لأجيال طويلة.

حتى الأعياد لم تعد كما كانت.

فكم من شجرة ميلاد أضيئت والقلوب مطفأة.

وكم من تكبيرة عيد ارتفعت فيما البيوت غارقة في الحزن.

وكم من طفل ارتدى ثوب العيد وهو ينتظر أبًا أو أمًا أو أخًا لن يعود.

وهنا تقف فلسطين اليوم.

مثقلة بالتعب.

محمّلة بالجراح.

محاصرة بالأزمات.

لكنها لم تنكسر.

فهذا الشعب الذي عبر النكبة والنكسة، وخاض الثورة والانتفاضات، وبنى مؤسساته تحت الاحتلال، وتحمل الانقسام والحروب والحصار، ما زال قادرًا على الوقوف.

ويبقى السؤال الكبير:

من يعيد لفلسطين ضحكتها؟

هل يعيدها السياسيون وحدهم؟

هل تعيدها المؤتمرات والخطب والشعارات؟

أم تعيدها المعجزات التي ننتظرها كل صباح؟

الحقيقة أن ضحكة فلسطين لن تعود بقرار عابر.

ستعود عندما يصبح الفلسطيني سندًا لأخيه الفلسطيني.

وعندما تتقدم المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.

وعندما تصبح خدمة الناس مسؤولية لا امتيازًا.

وعندما يكون القانون فوق الجميع.

وعندما تُحارب مظاهر الفساد أينما وُجدت.

وعندما يُصان الإنسان الفلسطيني كما تُصان القضية الفلسطينية.

ستعود عندما يشعر الطفل بالأمان.

والشاب بالأمل.

والأم بالطمأنينة.

والمسن بأن تضحيات عمره لم تذهب سدى.

ففلسطين لم تكن يومًا مجرد أرض نريد تحريرها.

كانت وما زالت إنسانًا نريد أن يحيا بكرامة.

وطنًا نريد أن يفرح.

وشعبًا يستحق الحياة بعد كل هذا الألم.

فلسطين لا تبحث اليوم عن معجزة…

بقدر ما تبحث عن أبنائها مجتمعين حولها.

فالضحكة التي سرقتها الحروب قد تعود بالوحدة، والبهجة التي أطفأها الألم قد يوقظها الأمل، أما فلسطين نفسها، فكما كانت دائمًا، أكبر من جراحها وأبقى من كل العواصف.

وعندما تعود ضحكة فلسطين…

سيعرف العالم أن هذا الشعب لم يكن يقاتل من أجل البقاء فقط، بل كان يقاتل من أجل أن يستعيد حقه الطبيعي في الحياة، والفرح، والأمل.

وأن الأوطان العظيمة قد تتعب…

لكنها لا تموت.