ثمانينيات القرن الماضي،وخاصة السنوات التي شهدت الانتفاضة الاولى، كانت سنوات توعية وبث للروح الوطنية الفلسطينية،وكان الجامعات والمعاهد الفلسطينية في كل من الضفة الفلسطينية وقطاع غزة في صدراة الدور التووعوي الفلسطيني،وكان من مناحي ذلك الدور،هو ترسيخ التراث الفلسطيني الذي يعتبر جزء من الهوية الوطنية والذي كان الاحتلال يحاربة بشراسة ، ويحاول محوه وتهويده،…سعيد الشاب إبن بلدة سيلة الظهر الواقعة بين مدينتيّ جنين ونابلس، إجتاز إمحتان الشهادة العامة ” التوجيهي” في الفرع الادبي بمجموع جيد جدا مرتفع،ورغم إلحاح أهله عليه بدراسة ما يؤهلهه لأن يدرس مادة تكون سريعة الاستجابة للوظيفة، مثل اللغة العربية أو أحد فروع الاجتماعيات من تاريخ وجغرافيا او اللغة الانجليزية ، إلا أنه أصر على الانتساب لكلية الفنون الجيلة التابعة لجامعة النجاح الوطنية،لشغفه في الفنون والتراثيات وما تفرع منها، وأمام إصراره، تماشى أهله وذويه مع هذه الرغبة،فدخل الكيلة المذكورة وإنصهر في الانشطة الطلابية الوطنية، حتى أضحى رمزاً من رموز الطلبة الوطنيين الرافضين للإحتلال،وكان يقوم بشاطات في هذا الجانب،أقلها تنظيم المعارض التراثية من أشغال يدوية وأدوات زراعية وملابس ومنتجات الاسرى في سجون الاحتلال،حتى تخرج بعد أربع سنوات من هذه الكلية يحمل شهادة البكالوريوس في الفنون الجملية، وكان مشروع تخرجه منها في جانب” التراثيات الفلسطينية والهوية الوطنية ” والتي نالها بموجبها درجة الامتياز.
****
كونه كان ناشطا طلابيا في الجامعة،فلم تتقبل دوائر التربية والتعليم التي كانت تخضع للحكم العسكري طلب تقديم الوظيفة التي قدمها سعيد، حيث كان القرار الاول والاخير في هذا الشأن للحكم العسكري وأجهزة مخابراته،،وأمام حالة الرفض تلك،وأمام الفراغ القاتل الذي بدأ يشعر فيه سعيد، وأمام إلحاح أهله وأصدقاءه،قرر أخيراً وبعد عدة أشهر من حالة البطالة أن يحمل زواته ويرحل فجراً للعمل في الداخل الفلسطيني المحتل سعيا وراء الرزق، وليعوض أهله ما أنفقوه عليه خلال فترة الدارسة بالجامعة، وليهيأ نفسه لبداية بناء الذات تمهيدا لبناء بيت صغير وأسرة…
كان يومه الاول بالاستيقاظ عبر المنبه قبيل صلاة الفجر توضأ، وصلى الفجر جماعة في مسجد البلدة، وسرعان ما إلتحق بالسيارة التي ستنقلهم لوسط مدينة جنين،حيث سيستقل الحافلة التي ستنقلهم لمكان العمل في مدينة حيفا …. عشرون دقيقة كانت كفيلة بالوصول إلى قلب مدينة جنين…. سأل أين الحافلة ؟؟
رد أحد زملاءه…. ستأتي الى هنا بعد نص ساعة تقريب…
أخذ سعيد يتامل المكان…. الليل لا زال يرخي ظلاله على المكان، تقاومه أنوار أعمدة الكهرباء الضعيفة الباهته من بعيد أصوات فناجين قهوة نحاسية يصاحبها صوت بائع لا ينفك ينادي : دمعة بالهيل …. دمعة بالهيل…
لفته ذلك المشهد البعيد،رجل ستينيّ يعتمر الكوفية،ويحمل إبريقيّ قهوة كبيرين مصنوعان من النحاس الخالص، وتتوسط خصره حرجاة لها جيبين فيها فناجين قهوة من الزجاج الصيني، وعلى جانبه إبريق ماء لغسل الفناجين….. تقدم منه .. وطلب فنجانا من القهوة..
قال الرجل: حلوة ولا مُرّة؟
قال سعيد : مُرّة
فصب له الرجل طلبه وقدمه له، في حين سارع سعيد في تقديم الثمن….
وقف سعيد يتأمل تقاسيم وجه ذلك البائع التي تحمل قسمات تراثية،… بادر سعيد بسؤال الرجل…
:- ما اسمك يا عم ؟؟
إبتسم الرجل ابتسامة خفيفة : أبو فارس
رد سعيد : بركة ….
ثم عاد باسؤال ثانٍ: منذ متى وأنت تمارس هذه الصنعة؟؟
قال منذ نحو ثلاثين عاما.. كان والدي شيخا في عشيرته،وكانت القهوة في مضافته لا تنظفأ،وعندما حدثت النكبة وهجرنا من بلادنا، وتوفي أبي،أقسمت على نفسي أن لا اترك هذا الكار ليس بقصد الكسب فقط،بل من أجل الحافظ على جزء من هواية وطني…
ذهل سعيد من رد ابو فارس وقال : يا الله …. كم هو جميل هذا الاصرار
أخرج أبو فارس علبة الدخان العربي الفضية اللون،وفتحها،وأخرج منها ورق الدخان الرقيق،وشرع بلف سيجارة له وسيجارة لسعيد…. لكن سعيد الذي لا يمارس التدخين إعتذر … ومع اغلاق العلبة، التفت إلى أن اسم أبو فارس منحوت على تلك العلبة الاثرية القديمة…
وقبل أن يشبع فضوله بسؤال جديد ، سمع صوت زملاءه ينادونه ليقبل عليهم فقد حضرت الحافلة، وشرعت بتحميل الركاب العمال لنقلهم الى حيفا، فلبى بسرعة…
***
تعود سعيد العمل رغم صعوبته، وإنتظم فيه شهرا كاملا، كان يستمتع كل صباح في إحتساء قهوة أبو فارس هو وبعض زملاءه طيلة ثلاثة أسابيع،وفجأءة، غاب ابو فارس عن المشهد،دون علم بسبب الغياب….وحتى إكتمل الشهر الأول على العمل،حان موعد تسلم سعيد لأجرته،والتي كانت مبلغا مجزيا في شيك يصرف عبر البريد الرئيسي في مدينة جنين،إنتظر سعيد يوم العطلة الاسبوعية وهي يوم السبت بفارغ الصبر،وتوجه صباحا الى المدينة حيث البريد، فصرف الشيك وعاد للسوق لشراء بعض الاغراض والهدايا لاهله بمناسبة الأجر الاول الذي يحصل عليه…. سار في أسواق المدينة المزدحمة في ذلك اليوم، فشاهد جمهرة من الناس تلتلف حول دلال يصدح بالصوت لبيع بغض المقتنيات… تقدم.. مد رأسه ليشاهد المعروضات، فرأى أبرايق وكوانين وملاقط نحاسية، وإلى جانبها علبة دخان فضية شبيهه بعلبة دخان أبو فارس…. شق الزجام… وجلس القرفصاء يدقق في علبة الدخان…. وذهل عندما قرأ عليها إسم ابو فارس… سأل الدلال… أين صاحب هذه البضاعة ؟؟
رد الدلال : وما شأنك به… أنا صاحبها ..؟؟
قال سعيد : بالله عليك انا أعرفه .. أريد أن اطمئن عليه
رد الدلال : لقد توفي قبل عشرة ايام…
صدم سعيد من هول ما سمع، وقبل أن يقف ليغادر قفزت لنفسه فكرة أن يبتاع هذا الميراث، وأن يأخذ مكان أبو فارس في الابقاء على التراث الفلسطيني حيا في كل مكان في مدن فلسطين،وأن يكون وفيا لما أحب من إحياء لتراث فلسطين الذي يسري في دمه.








