السياسي – نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته كارين دي يونغ وجيري سيه، قالا فيه إن مجلس السلام الذي أعلن عنه الرئيس دونالد ترامب لكي يتولى إعادة إعمار غزة بعد الحرب، تنقصه الأموال والدعم، مشيرة إلى أن فكرة الإعمار باتت حلما بعيدا في ظل توسع إسرائيل في القطاع الفلسطيني ووصول المفاوضات مع حركة حماس لنزع سلاحها إلى طريق مسدود.
وقالت الصحيفة إنه وبعد 7 أشهر من إعلان ترامب عن خطة السلام في غزة، وأكثر من 4 أشهر على إعلانه مجلس السلام لتنفيذ خطته وتمويلها، لا تزال الخطة متوقفة، وانعدمت التبرعات المتوقعة للصندوق.
وأضافت أن المفاوضات لنزع سلاح حماس، وهي جزء أساسي من الخطة، لا تزال متعثرة، حيث تسيطر الجماعة على مليوني نسمة في غزة، والذين باتوا محصورين في أقل من نصف مساحة القطاع. فقد وسع الجيش الإسرائيلي سيطرته على 60% من القطاع الذي تم تطهيره من الفلسطينيين، ويؤكد نيته السيطرة على المزيد.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في 9 تشرين الأول/أكتوبر، أسفرت الغارات الإسرائيلية شبه اليومية عن مقتل أكثر من 900 فلسطيني، حسب سلطات الصحة في غزة.
وعليه، يبدو أن تحقيق الأمن وإعادة إعمار القطاع المدمر حلم بعيد المنال، وتم تأجيل المقترح البراق الذي قدمه جاريد كوشنر خلال اجتماع مجلس الأمن في شباط/فبراير، والذي تضمن مجمعات سكنية وصناعات تكنولوجية متقدمة ومنتجعات سياحية على الواجهة البحرية.
وفي الوقت الراهن، يتمثل المقترح الأكثر طموحا في بناء مساكن مؤقتة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين بمجرد وضع خطط الحكم والأمن التي لم تنفذ بعد. وكان ترامب، الذي أعلن انتهاء حرب غزة عندما اجتمع مجلس الأمن المكون من 29 عضوا في واشنطن في 19 شباط/فبراير في اجتماعه الأول والوحيد، قد تعهد قائلًا: “سنجعل من غزة مثالا للنجاح والأمان والوحدة”. وبعد أقل من عشرة أيام، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران. ومنذ ذلك الحين، نادرا ما ذكر ترامب غزة.
ورغم تعهد أعضاء المجلس بتقديم 17 مليار دولار من أصل 70 مليارا قدّرتها الأمم المتحدة لإعادة إعمار القطاع، إلا أنه لم يتم تحصيل سوى القليل منها، ولم ينفق منها شيء يذكر. ومع تحسن وصول المساعدات الإنسانية للقطاع إلا أنها ليست كافية. وذكرت الأمم المتحدة في تقرير لها الشهر الماضي أن “عائلة من بين كل خمس عائلات لا تتناول سوى وجبة واحدة في اليوم، وأن الأمهات يتخلين عن وجبات الطعام لكي يتمكن أطفالهن من تناول الطعام”.
يأتي هذا في ظل استمرار إغلاق كل المعابر لغزة نحو العالم الخارجي والتي تتحكم بها إسرائيل.
وأِشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل تقوم بإزالة الأنقاض في المنطقة التي تسيطر عليها، وهناك خطط لدى المجلس لبناء مركز لوجستي وقاعدة عمليات لقوات الأمن الدولية، بهدف توفير الإشراف الأمني خلال الفترة الانتقالية. إلا أن المجلس “لا يملك أموالا ولن يحصل على أي أموال”، بحسب مصدر مطلع تحدث عن تردد الحكومات العربية في المساهمة بالأموال في ظل استمرار الشكوك حول تحقيق السلام طويل الأمد ووجود مسار موثوق لإقامة دولة فلسطينية.
وأكد برادلي كلابر، المتحدث باسم المجلس، والذي أحال إليه البيت الأبيض طلبات التعليق، على الجانب الإيجابي، قائلا: “مع أن الطموحات كبيرة ولا يزال هناك الكثير من العمل، دعونا نضع التقدم الذي تم تحقيقه في هذه الفترة القصيرة بسياقه الصحيح”. وأشار إلى إطلاق جميع الأسرى لدى حماس بحلول تشرين الأول/أكتوبر، وأن حجم الضحايا من الهجمات الإسرائيلية التي كانت تودي بحياة 3000 شخص في الشهر قد تراجع بنسبة 99%.
وأضاف أن من بين إنجازات الخطة تعيين لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين للعمل كحكومة مؤقتة ريثما يعاد إعمار غزة. ويجري حاليا فحص المجندين لقوة شرطة غزة الجديدة غير التابعة لحماس، فيما أعلنت خمس دول استعدادها للمشاركة في قوات تحقيق الاستقرار الدولية، ومع ذلك لم يتم نشر أي من هذه العناصر، إن وجدت، داخل غزة.
وبدلا من ذلك، لا تزال اللجنة الوطنية لإدارة غزة في القاهرة ولم تدخل القطاع بعد. وقد طلب مجلس السلام موافقة الحكومة الإسرائيلية للسماح للجنة بدخول الجزء الخاضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي من غزة، وفقا لمسؤول إسرائيلي، ولم يتضح بعد ما إذا كان ذلك سيحدث أو متى.
وعلى الرغم من وضع ما وصفه كلابر بـ”إطار عمل” لقوات الأمن الإسرائيلية وتحديد الدول المانحة المحتملة، إلا أن هذه القوات لا تزال حبرا على ورق. وقد نشر مجلس إدارتها طلبات عروض لأعمال بناء، وتحديدا موقع لوجستي لقوات تحقيق الاستقرار المستقبلية في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، حيث أُزيلت بعض الأنقاض. لكن لم توقع أي عقود ولم تبدأ أي أعمال في بقية قطاع غزة.
ودعا المفوض السامي، نيكولاي ملادينوف، الدبلوماسي البلغاري إلى إحراز تقدم. وقال للصحافيين في مؤتمر عقده الشهر الماضي: “بعد مرور سبعة أشهر على وقف إطلاق النار، لا يزال باب مستقبل غزة مغلقا، هذا ليس ما وُعد به الفلسطينيون”.
وفي إحاطة قدمها إلى مجلس الأمن الدولي في 21 أيار/مايو، والذي أقر خطة ترامب، قال ملادينوف: “لن أقف أمام هذا المجلس وأدعو إلى إعادة الإعمار، لأنه لا وجود لإعادة الإعمار، حوالي 85% من المباني في غزة متضررة أو مدمرة. هناك نحو 70 مليون طن من الأنقاض ملقاة حيث كانت تقف المنازل والمدارس والمستشفيات، وكثير منها مختلط بذخائر غير منفجرة”. وأضاف: “أكثر من مليون شخص يعيشون، هذا الصباح، في خيام وبين أنقاض المباني” وهناك “نحو 80 من كل 100 فلسطيني في سن العمل في غزة عاطلون عن العمل، والمياه شحيحة ولم تتم إعادة بناء النظامين الصحي والتعليمي، ولا يزال المدنيون يقتلون، والعائلات تعيش في خوف وعدم يقين. كما تستمر القيود والتأخيرات في عرقلة وصول المساعدات الإنسانية والحياة الطبيعية”.
ويتحدث مجلس الإدارة وملادينوف عن رفض حماس نزع سلاحها باعتباره العقبة الرئيسية، مؤكدين أن تدفق المساعدات بشكل منتظم وكافٍ والأمن الداخلي وإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي لا يمكن أن يبدأ بدون ذلك.
وقد سعى ملادينوف والمفاوضون المصريون لأشهر لإقناع قادة حماس إلى الموافقة على اتفاق إطاري يسلم بموجبه مقاتلوها أسلحتهم مقابل بدء إسرائيل انسحابا تدريجيا من غزة.
وبموجب النسخة المفصلة المكونة من 15 بندا من خطة ترامب الأصلية المكونة من 20 بندا، والتي تشكل الأساس الذي تستند إليه جهود ملادينوف، سيمنح مقاتلو حماس عفوا عاما، وسيتاح لهم الانضمام إلى قوات الشرطة الوطنية أو اختيار السفر إلى الخارج. كما يمكن لحماس المشاركة في الانتخابات الوطنية شريطة أن تتخلى عن أسلحتها ومقاومتها العنيفة.
وقال ملادينوف للصحافيين قبل فترة في القدس: “نحن لا نطالب حماس بالاختفاء كحركة سياسية”. لكن ما لا يقبل المساومة هو السماح للفصائل المسلحة أو الميليشيات التي تمتلك أنظمة قيادة وسيطرة عسكرية خاصة بها وترساناتها وشبكات أنفاقها بالتعايش إلى جانب سلطة فلسطينية انتقالية. وقد رفض قادة حماس حتى الآن التوقيع على الاتفاق، ويعزون ذلك جزئيا، كما يقولون، إلى استمرار إسرائيل في شن غارات جوية والاستيلاء على المزيد من الأراضي، في انتهاك واضح لوقف إطلاق النار.
وردّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سؤال في مؤتمر صحافي عقد قبل فترة، أقر رئيس الوزراء بأن توجيهاته الأخيرة للجيش كانت الاستيلاء على 70% من القطاع كـ”بداية”، وربما أكثر.
وفي بيانات صدرت قريبا، اتهمت حماس ملادينوف بالتغاضي عن “الانتهاكات اليومية” لإسرائيل للاتفاق، وقالت إن إسرائيل “تخرب عمدا جهود الوسطاء” لتنفيذ الخطة، و”تتحدى بشكل صارخ جميع التفاهمات والضمانات المتفق عليها”. وقال مايكل ميلشتاين، الذي عمل سابقا كبيرا لمحللي الشؤون الفلسطينية في المخابرات العسكرية الإسرائيلية: “تكمن المشكلة الرئيسية لإسرائيل في أنه على الرغم من استيلائها على المزيد من الأراضي، وقتلها المزيد من كبار قادة حماس، إلا أنني لا أرى أي مؤشر على مرونة حماس فيما يتعلق بنزع السلاح”.
وأضاف ميليشتاين: “بالنسبة لنتنياهو، هناك فجوة كبيرة بين الشعارات والوعود الكبيرة بالنصر الكامل والوضع الراهن، لذا يجب ملء هذه الفجوة بوعود بديلة متنوعة للسيطرة على المزيد من الأراضي”. وقال بشارة بحبح، وهو فلسطيني أمريكي يعمل وسيطا بين حماس والبيت الأبيض، إن مسؤولي حماس لا يشعرون بالاطمئنان على سلامتهم الشخصية بعد تسليم أسلحتهم، وأن الولايات المتحدة تتغاضى عن انتهاكات وقف إطلاق النار وتحقيق مكاسب إقليمية في غزة.
وأضاف بحبح: “نحن الآن في مأزق، لا بد من نقطة انفجار وإذا شعروا بمزيد من الحصار، فلن أتفاجأ إذا تجددت المعارك في غزة، وآخر ما يرغب [ترامب] برؤيته هو صور إسرائيل وهي تذبح الناس في غزة على نطاق واسع”.







