تقدير موقف استراتيجي للدكتور صلاح عبد العاطي
أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد” تقدير موقف استراتيجي جديداً أعدّه د. صلاح عبد العاطي رئيس الهيئة الدولية “حشد” بعنوان: “غزة بين الإبادة وهندسة اللاحل وإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني في ظل مفاوضات اليوم التالي”، يتناول أخطر التحولات التي تشهدها القضية الفلسطينية في ضوء حرب الإبادة على قطاع غزة ومحاولات إعادة هندسة الواقع الفلسطيني سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً.
وشدد د. صلاح عبد العاطي، من خلال الورقة، على أن ما يجري في غزة لم يعد مجرد عدوان عسكري أو جولة جديدة من جولات الصراع، بل تحول إلى مشروع شامل لإعادة تشكيل البيئة الفلسطينية بأبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما يعيد تعريف العلاقة بين الشعب الفلسطيني وأرضه ومؤسساته ومستقبله السياسي. وأوضح أن الحرب الدائرة تُدار ضمن مقاربة خطيرة سماها “هندسة اللاحل”، تقوم على إدارة الصراع بدلاً من حله، وإبقاء الواقع الفلسطيني في حالة تعليق دائم، ومنع قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، وربط الإعمار والمساعدات بشروط سياسية وأمنية على رأسها نزع السلاح.
وأكد د. صلاح أن الورقة تُبيّن كيف تحوّلت غزة إلى “مختبر مفتوح” لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني على عدة مستويات متزامنة؛ تبدأ من المستوى الديموغرافي عبر القتل الجماعي والتهجير وإعادة توزيع السكان، مروراً بالمستوى الجغرافي عبر تدمير المدن والأحياء وإقامة مناطق عازلة، والمستوى الاقتصادي عبر ضرب القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية، وصولاً إلى المستوى السياسي عبر محاولة إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني وإنتاج ترتيبات جديدة للحكم والإدارة والأمن تخدم الرؤية الإسرائيلية طويلة الأمد.
وشدد رئيس الهيئة الدولية “حشد” على أن أخطر ما تكشفه الورقة هو الانتقال من “الإبادة الجماعية المباشرة” إلى “الإبادة المركبة” التي تستهدف شروط الحياة ذاتها من خلال التجويع والحرمان من الماء والدواء والوقود والخدمات الأساسية، بالتوازي مع تفكيك الأسر وشبكات الحماية المجتمعية، واستهداف قدرة الفلسطينيين على إنتاج نظام سياسي موحد وفاعل ومستقل، في محاولة لإعادة تشكيل التمثيل السياسي الفلسطيني وفق أولويات أمنية إسرائيلية.
كما أوضح د. صلاح عبد العاطي أن الورقة تُظهر حدود مشروع “الحسم العسكري” الإسرائيلي بعد أكثر من عامين من العدوان؛ حيث لم تنجح إسرائيل في القضاء على المقاومة أو فرض قيادة بديلة أو تحقيق تهجير جماعي دائم لسكان القطاع، في مقابل تزايد الضغوط الدولية والملاحقات القانونية والأزمات الداخلية، ما دفع باتجاه الانتقال إلى نموذج إدارة الصراع وهندسة اللاحل بدل الحسم أو الحل السياسي العادل.
وبيّن الدكتور أن الورقة ترصد بعمق ما يدور في مفاوضات القاهرة والعواصم الأخرى، موضحاً أن جوهر المفاوضات يتجاوز وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات إلى إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني بأسره، بما يشمل مستقبل الحكم في قطاع غزة، وترتيبات الإدارة الانتقالية، وطبيعة الأجهزة الأمنية، وآليات الإعمار، والعلاقة بين غزة والضفة الغربية، ومستقبل السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، ومصير سلاح المقاومة.
وشدد د. صلاح على أن الورقة تنبّه إلى خطورة تحويل مشاريع “مجلس السلام” والإدارة الانتقالية وقوات الاستقرار الدولية إلى أدوات لنقل القضية الفلسطينية من مربع التحرر الوطني وإنهاء الاحتلال إلى مربع “إدارة القضية” و”إدارة السكان”، بحيث يتم التركيز على إدارة نتائج الحرب والملف الإنساني بدل معالجة جذور الصراع وإنهاء الاحتلال وإحقاق الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف.
كما أكد أن الورقة تبرز أن الإعمار يجري التعاطي معه في العديد من المبادرات كأداة ضغط سياسي وأمني، يتم ربطها بشروط مسبقة، مع استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على معظم مساحة القطاع وغياب تمويل حقيقي وفعّال، بما يحوّل الإعمار إلى جزء من منظومة هندسة اللاحل التي لا تسمح بانهيار كامل ولا تسمح في الوقت نفسه ببناء حقيقي ومستدام.
وأشار د. صلاح إلى أن التقدير يسلّط الضوء على الأزمة البنيوية العميقة التي يعاني منها النظام السياسي الفلسطيني، والتي كشفتها حرب الإبادة والانقسام الطويل، من تآكل الشرعيات، وتعطل العملية الديمقراطية، واستمرار الانقسام، وتراجع فاعلية المؤسسات الوطنية، واتساع الفجوة بين الشعب ومؤسساته، مؤكداً أن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد الشرعيات واستعادة الشراكة والوحدة الوطنية باتت جزءاً لا يتجزأ من معركة الصمود الوطني وحماية القضية الفلسطينية من مشاريع التفكيك وإعادة الهندسة السياسية.
وشدد رئيس “حشد” على أن الورقة تقترح برنامجاً وطنياً ممكناً للمرحلة المقبلة، يقوم على تثبيت وقف دائم للحرب ومنع العودة إلى دوامات التصعيد، والضغط من أجل انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة ووقف كل أشكال السيطرة المباشرة وغير المباشرة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية بصورة مستدامة وغير مشروطة، واعتبار الإعمار حقاً إنسانياً وقانونياً لا أداة ابتزاز، إلى جانب بناء آليات دولية فعالة لحماية المدنيين ومنع استخدام الغذاء والدواء والمياه كسلاح في الصراع.
كما أوضح أن الورقة ترسم عدداً من السيناريوهات الاستراتيجية لمستقبل غزة والقضية الفلسطينية، وترجّح استمرار نموذج هندسة اللاحل في الأمد المنظور إذا لم يتم استعادة المبادرة الوطنية الفلسطينية على أساس إنهاء الانقسام وإعادة بناء منظمة التحرير وتشكيل قيادة وطنية موحدة وصياغة استراتيجية كفاحية شاملة قادرة على حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وفي ختام حديثه، أكد د. صلاح عبد العاطي أن الورقة تشدد على أن المعركة في المرحلة المقبلة ستكون مزدوجة: معركة لحماية الإنسان الفلسطيني من القتل والتجويع والنزوح والانهيار الإنساني، ومعركة لحماية المعنى السياسي لفلسطين باعتبارها قضية حرية وعودة وتقرير مصير واستقلال، محذّراً من أن الخطر الأكبر يكمن في تحويل الكارثة الإنسانية إلى مدخل لتصفية الحقوق الوطنية، بدل تحويل الصمود الفلسطيني إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الوحدة الوطنية واستعادة المشروع الوطني على أسس ديمقراطية وتشاركية قادرة على حماية الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية غير القابلة للتصرف.
لقراءة الورقة بالكامل اضغط هنا






