المثقف كموقف: نحو فكرٍ حيٍّ يقاوم سيولة الحداثة ويستعيد النزعة الإنسانية:

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

بين التنظير والتجسّد.
ليس المثقف ذلك الكائن الذي يحترف إنتاج اللغة المؤدلجة أو الانكفاء في أبراج الأكاديمية المعقّدة؛ بل هو صاحب موقف. والموقف هنا ليس انفعالاً أو تعاطفاً عابراً، بل حضورٌ دائمٌ للفكرة في ساحة التاريخ والواقع، ووعيٌ مشتبكٌ لا يكتفي بالرؤية، بل يذهب إلى التجسيد. إنه الوعي الذي يتحوّل إلى فعل، والكلمة التي تتجسّد أخلاقياً في هيئة مقاومة أو موقف أو صرخة.
إننا اليوم، في عصر «الحداثة السائلة»، نشهد انزلاقاً متسارعاً نحو التفكك الرمزي والأخلاقي، حيث لم تعد الأفكار تُعاش، بل تُستهلك. وهنا تتأتى الحاجة القصوى إلى ذلك «المثقف الحيّ» الذي يربط الفكرة بالممارسة، والنظرية بالانتماء إلى معاناة الإنسان.
ومن هذا المنطلق، يمكن الانتقال من مفهوم «الفكر الحيّ» إلى مفهوم «المثقف العضوي». فقد رأى الفيلسوف والمناضل الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي أن «المثقف العضوي» ليس منغلقاً على طبقته، بل هو ذلك الذي يجعل من الفكر وسيلةً لإعادة إنتاج العالم بصورة أكثر عدالةً وإنسانية. إنه من لا يكتفي بتأمل العالم، بل يسعى إلى تغييره.
وهكذا يصبح الفكر الحيّ نقيضاً للجمود الأكاديمي والتكرار الخطابي. إنه فكرٌ ينبض في الميدان، ويتغذّى من التجربة، ويعيد طرح الأسئلة الأساسية حول الحرية والكرامة والمصير والعدالة.
ومن هنا، فإن المثقف الذي لا يترجم أفكاره إلى مواقف ملموسة، وإلى سلوكيات وأخلاقيات تتفاعل مع محيطه، يبقى أسير «المثاقفة» لا الثقافة، وأسير الصنعة لا الرسالة.

في مواجهة سيولة الحداثة:

لقد أصبحت الحداثة، كما يصفها زيغمونت باومان، «سائلة» لأنها فقدت مركزها القيمي، وأحالت الإنسان إلى كائنٍ قابلٍ للتبديل، هشٍّ في انتمائه، ومفتّتٍ في هويته. وفي هذا السياق، يتحوّل المثقف غير المتموضع إلى مجرد «مستهلكٍ للرموز»، بدلاً من أن يكون صانعاً للقيم والمواقف.
أما المثقف الحقيقي، فهو ذلك الذي يقف في مواجهة التيار، لا لأنه رومانسي أو بطولي، بل لأنه يدرك أن الإنسان ليس «شيئاً»، بل مشروعاً مفتوحاً على الإمكان، وأن المعرفة ليست سلطةً فحسب، بل مسؤولية أيضاً.
وفي زمن السيولة، يصبح التمركز حول النزعة الإنسانية – بوصفها بُعداً أخلاقياً وروحياً يتجاوز مادية العالم – أرقى أشكال الفعل الثقافي.

المثقف والإنسانية: تجاوز الاختزال المادي.

يقودنا ذلك إلى التساؤل عن كنه المثقف وعلاقته بالإنسانية، وعن قدرته على تجاوز النزعة المادية التي هيمنت على مساحات واسعة من الفكر الحديث. فقد كانت النزعة الإنسانية، في أصلها، تعبيراً عن الإيمان بقيمة الإنسان بما هو إنسان، لا بما يملك أو يستهلك. غير أنها، في بعض تجلياتها المعاصرة، حين انفصلت عن البعد الروحي أو الميتافيزيقي، فقدت جزءاً من طابعها التحرري، وتحولت إلى نسبيةٍ مفرغةٍ من المعيار.
أما المثقف الحقيقي، فهو الذي يعيد وصل الإنسان بذاته العليا، وبالمعنى، وبالأفق الأخلاقي الذي لا يُختزل في التكنولوجيا أو الاقتصاد أو السلطة.
وفي هذا المعنى، تتلاقى أفكار عددٍ من الباحثين حول «الذات السردية» مع الرؤى التي طُرحت بشأن العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة؛ إذ إن المثقف الحق هو من يرفض اختزال الإنسان إلى بُعدٍ واحد، ويرى في الثقافة أداةً لتحرير الإنسان لا لتقزيمه.
الموقف الفكري بوصفه التزاماً:

لقد أكدت الفلسفات الوجودية أن «الوجود يسبق الماهية»، أي إن الإنسان ليس شيئاً ثابتاً، بل هو ما يفعله وما يقرره. ومن هنا، فإن المثقف الذي ينفصل عن قضايا عصره، وعن قضايا الحرية والاستبداد والظلم والكرامة، لا يكون مثقفاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل متفرجاً في لحظة تتطلب الانحياز الأخلاقي.
فالموقف الفكري ليس ترفاً، بل التزام. إنه دفاعٌ عن كرامة الكائن الإنساني، وصراعٌ ضد كل أشكال الاختزال والتشييء والتهميش. والمثقف لا يوجد إلا بمقدار ما ينحاز للحقيقة والعدالة والإنسان.
في الختام: المثقف كمقاومة روحية:

يمكننا الحديث عن المثقف بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة الروحية. فالمثقف الحقيقي ليس حامل شعار، بل حامل عبء؛ عبء الوعي، وعبء الأخلاق، وعبء الشهادة على العصر.
إنه «الراعي الوجودي للحقيقة»؛ ذلك الذي لا يسكن في المعنى فحسب، بل يسهم في صناعته، ولا يتعالى على العالم، بل يحاول فهمه وإنقاذه من السقوط في العدمية والاغتراب.
وفي زمن الحداثة السائلة، يبقى المثقف الملتزم أحد أهم رهانات الأمل في إعادة بناء الذات الإنسانية على أسسٍ تتجاوز المادية الصرفة، وعلى روحٍ لا تستقيل من مسؤوليتها، وعلى فكرٍ لا ينفصل عن الموقف، ولا عن الإنسان.