لا تكتب لنفسك فقط!

بكر أبوبكر

إن كتابة الأفكار المجردة أو الآراء في مقال قد تكون سلِسَة حينما يتفكّر الانسان ويستنتج مع ذاته ولذاته بإطار الجو المحيط به، ولكنها عامة تكون صعبة للمتلقي أو المستقبِل.
إن الآخر المتلقي قطعًا لا يفكر مثلك، ولا يشعر بما تشعر به عندما تطرح الأفكار المجردة شفويًا أو على الورق، لذا وجب عليك بذل الكثير من الجهد والتأمل والتعديل وإعادة الصياغة لتجعل أفكارك مفهومة للآخرين، فهم هم وليسوا أنت أو نفسك؟
أنت تفهم ما تقوله أو تكتبه من المرة الأولى (وهو ما حملته بعقلك وشعرت به وحفّزك للخروج من منطقة الظل الى نور الورق أوالحديث) ، إنه أنت فقط. وذلك استنادًا لخلفيتك ولمنهج تفكيرك والمشاعر المرتبطة بالنص لديك ولكن لتجعلها قابلة للفهم من قبل المتلقي أو القاريء شيء آخر.
في بدايات كتاباتي من أكثر من 30 عامًا كنت ألجا لمثل هذه الكتابة أي تلك الكتابة المسماة الفلسفية-بمنطق الدلالة على الصعوبة أو عدم الفهم- التي تتعامل مع الأفكار والمعاني المجردة وبشكل مطوّل
 أشار عليّ أحد الأخوة الأعزاء قائلاً:أن ما تكتبه جميل حقًا، ولكنه يحتاج لأمور ثلاثة لا تتوفر لغالب الناس؟ أي لجمهور المستعمين أو القُرّاء!
 استمعتُ بامتعاض -فأنا ظننتُ نفسي حينها ذلك الكاتب الكبير، وابتلعت غضبي وقلت باستخفاف: ماهي؟
 قال-وقد أحس بامتعاضي والغضب- لا تزعل، فأنا صديقك المُحب، وما أرغب فيه نابع من قلبي وحرصي عليك.
 هدأتُ قليلًا فلقد كان لمثل هذه الكلمات اللطيفة فعل البلسم فابتسمت.
 التقط صديقي الابتسامة وقال: أن الجمهور ليفهمك يحتاج أولًا: القراءة المتصلة وأحيانًا المتخصصة، وثانيًا:الاستماع لصوتك الداخلي البادي بكتاباتك المرتبط بمراميك وعواطفك ما بين السطور، والثالث الفهم والتفسير لما تكتب!
 مضيفًا: وهذه الثلاثية لا تتوفر لدى معظم الناس!
 وعندما سألته عن السبب وقصدت ما يتعلق بي لا الناس
 قال أنك تكتب بنفسٍ فلسفي كأنك تحاور نفسك، وأنت تعلمها وهي تعلمك ولكن الآخرين يجهدون حين يريدون قراءتك في حوارك الداخلي هذا؟
 قلت: ما العمل؟
 قال: إما أن تصل أنت لهم أو يصلون هم لك؟ فغيّر أسلوبك.
حاولت أن أفهم نفسي، وما تحرضني على قوله أو كتابته (خاصة بالمقال أو في الندوة هنا)، ودخلتُ في قراءات عميقة ومختلفة بل ومتنوعة ليست ذات مجال واحد، لأكتشف أن الفكر الفلسفي أو المنطقي أو العلمي، أو المتخصص المغرق في علميته لا يلائم الشخص العادي أبدًا. فكلما كانت الأفكار تتعاطى مع الآخر وليس فئة محددة-إلا إن قصد ذلك بوضوح في دراسة علمية محددة وموجهة لفئة بعينها- ما يحتاج لأمور خمسة اكتشفتها بالقراءات العميقة والاستماع للغير، والممارسة والسؤال والاجتهاد وبمسيرة آلاف الندوات والورشات والدورات واللقاءات التي حضرتها أو عقدتها وهي كالتالي:
1-اكتب ليس كأنك تكتب لنفسك، وإنما كأنك تكتب لابنك أو ابنتك او لأخيك الصغير. أي أن تحاول صياغة المفاهيم بطريقة لا تخرجها عن مراميها، ولكنها تصيب في عقل وقلب المُتلقِي القبول استنادًا لتنوع مناهج تفكير الناس وخلفياتهم وبما يجذبهم.
2-أكتب بمحبة. فإن احببت ما تكتب لا يتوقف هذا الحب عند حدود الكلمات وإنما في إطار محبتك لمن تكتب له أو لهم، فتعمد الى انتقاء ما يصل قلوبهم والعقول بسلاسة الممرض الذي يعطيك الإبرة ولا تحس بوخزها، بل تظل مبتسمًا شاكرًا
3-كان من المهم أن أتبين أهمية الأفكار بأهمية آلية العرض والأسلوب وقدرته على الدخول الى النفس من خلال قراءة عديد القصص والروايات العربية والعالمية الى جانب الكتب السياسية وفي القضية الفلسطينية والتاريخ وعبره وكذلك الأمر في العلوم الانسانية. ودعني أقول أن النفحات الانسانية في كل ما سبق كانت تصيب في عقلي منابع التفكير وتؤثر في قلبي حين تؤنسن المعرفة وتعيد تشكيلها من خلال تجارب حيّة وأمثلة وقصص أو حكايات ذات صلة مباشرة لذلك بتنا نقول اليوم أنك لتنفذ لعقل المتلقي ابدأ واختم بما هو قريب الى قلبه أو بقصة أو آية أو مثل أو طرفة ذات صلية وتبيان.
4-الكتابة البحثية البحتة تلتزم بمعاييرها وتختلف كليًا عن تلك المقالات والأوراق المقدمة لعامة الناس. أي عليك أن تلجأ الى: المباشرة والوضوح والسلاسة والبساطة والاختصار دون الاخلال بالمعنى بالطبع وبذات الفكرة من جهة أخرى.أنت مطالب بعدم التعقيد (وهناك من يتعمّده) بتدبيج المقال بالمصطلحات الأجنبية وباللغة الانجليزية القاهرة، وإنما بتعريبها -أو كتابتها بالأجنبية إن لزم المقال- وإعادة تعريفها بالسياق والفهم العربي الواضح الدلالة للعموم.
5-النقطة الخامسة الهامة وهي ألا تنقل عن الأجنبي جوّه الداخلي وقيمه وأخلاقه! فيصبح نصك أو مقالك أو خطابك أجنبي واضح برداء كلمات عربية! أي أن الحكايات والأمثلة والقصص والروايات التي قد تجدها في قراءاتك الاجنبية ليس بالضرورة أن تقتبسها كما هي وتقوم بالتنظير لها، وإن اضطررت فإلى جانبها عليك النقل والاقتباس من نصوص البيئة العربية الحضارية من بيئة لسانك ومجتمعك فلا تكون قاسيًا على القاريء بتعمد التعقيد بالمصطلحات أو الامثلة غير المفهومة، لتظهر براعتك وبالحقيقة لتخفي جهلك وعدم قدرتك النفاذ للقلوب مدخل العقول.
إن إظهار البراعة في الكتابة أو فن الحديث والمخاطبة للغير له مقومات وله معايير كثيرة (لنا كتاب حول فن الحديث: في الخطاب المؤثر والأسلوب الجذاب) ولكن من أبرزها هو ألا تكتب لذاتك فقط حينما تخاطب الآخر، إذ عليك أن تضعه باعتبارك وتحاول بل وتجتهد لتعطيه ما تفكر به أو تقوله برشاقة الفكرة وسلاسة العبارة ووضوح الهدف بلا “فلسفة” أو تعقيد عوضًا عن تحقيق ارتباطك العميق ببيئتك الحضارية دون الانحطاط تحت وقع البيئة الغربية القاهرة، وان اقتبست منها فبطريقة تحفظ المعنى والهدف ورسالتك.