في الفلسفة، يذهب أرسطو إلى أن لكل موجود ماهية تميزه عن غيره، وأن فقدان الماهية يعني تحول الموجود إلى شيء آخر. ومن هنا يبرز سؤال ميتافيزيقي كبير يمكن توجيهه إلى الرئيس الفلسطيني: هل تستطيع حركة فتح أن تتخلى عن جوهرها التاريخي، المتمثل في الكفاح الوطني التحرري، وتبقى مع ذلك حركة فتح ذاتها؟
هذا السؤال ليس سياسياً فقط، بل هو سؤال أنطولوجي يتعلق بالوجود والهوية والاستمرار. فحركة فتح لم تولد كسلطة إدارية، ولم تظهر كمؤسسة وظيفية لإدارة السكان، بل انطلقت بوصفها حركة تحرر وطني أرادت إعادة الشعب الفلسطيني إلى التاريخ بعد أن تحول إلى شعب لاجئ ينتظر مصيره على أبواب الآخرين.
لقد أعادت فتح للفلسطيني اسمه الوطني، ورفعت راية الكفاح المسلح باعتباره الوسيلة التي أعادت الاعتبار للإنسان الفلسطيني، وحولت الفلسطيني من موضوع للشفقة إلى ذات فاعلة تصنع الحدث وتشارك في تشكيل التاريخ.
ومن هنا يبرز التناقض الفلسفي الكبير: إذا كانت فتح قد تأسست على فكرة التحرير، فكيف يمكن أن تستمر إذا أصبح همها الأساسي إدارة الواقع القائم بدلاً من تغييره؟ وكيف يمكن لحركة قامت على مبدأ الفعل الثوري أن تتحول إلى بنية سياسية تسعى إلى المحافظة على الوضع القائم؟
إن مبدأ عدم التناقض الذي وضعه أرسطو يقول إن الشيء لا يمكن أن يكون هو ونقيضه في الوقت ذاته. وعليه، فإن حركة التحرر التي تتخلى عن مشروع التحرر تصبح أمام أزمة هوية حقيقية. فالمشكلة ليست في تغير الوسائل، لأن الوسائل تخضع لشروط التاريخ، وإنما المشكلة في التخلي عن الغايات الكبرى التي من أجلها نشأت الحركة.
لقد دخل الفلسطيني خلال العقود الأخيرة في مرحلة طويلة من الانتظار السياسي. وانتقلت قطاعات واسعة من المجتمع من فلسفة الفعل إلى فلسفة الترقب، ومن منطق التغيير إلى منطق التكيف مع الأمر الواقع. غير أن التاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تحافظ على وجودها بالانتظار وحده، وإنما بالقدرة على إنتاج المعنى وتجديد أدوات النضال والدفاع عن هويتها الوطنية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل الدولة هي الوطن؟ وهل يمكن للمشروع الوطني أن يكتمل بمجرد إقامة كيان سياسي محدود السيادة؟ أم أن الوطن يبقى مفهوماً أوسع من الدولة، لأنه يحمل في داخله الذاكرة والتاريخ والرمز والهوية والحق؟
إن الفلسطيني لم يكن في يوم من الأيام مجرد كائن سياسي يبحث عن إدارة يومية لشؤونه، بل هو كائن متعدد الأبعاد؛ وطني وإنساني وروحي وتاريخي. ولذلك فإن اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإداري فقط يمثل نوعاً من تقليص المعنى الوجودي لفلسطين في الوعي الفلسطيني.
لقد قامت النظرية الصهيونية على افتراض أن الزمن كفيل بإضعاف الذاكرة الفلسطينية وتحويل الفلسطيني إلى فرد يبحث عن شروط حياته الخاصة بعيداً عن وطنه التاريخي. لكن التجربة أثبتت أن الفلسطيني ما زال يحمل فلسطين في وعيه الفردي والجمعي، وأن المكان ما زال حاضراً في وجدانه رغم كل محاولات الاقتلاع.
ومن هنا فإن السؤال الميتافيزيقي الذي يواجه الرئيس الفلسطيني ليس سؤال السلطة ولا سؤال الإدارة، بل سؤال الوجود ذاته: كيف يمكن الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية دون أن تفقد مشروعها التحرري؟ وكيف يمكن الجمع بين ضرورات السياسة اليومية وثوابت القضية التاريخية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية كلها، لأن الأمم لا تعيش بالمؤسسات وحدها، بل تعيش بالأفكار الكبرى التي تمنح وجودها معنى.
ونختم بالقول إن فتح لم تكن مجرد تنظيم سياسي، بل كانت فكرة تاريخية أعادت الفلسطيني إلى ذاته وإلى وطنه وإلى تاريخه. وإذا كانت الأفكار الكبرى قادرة على البقاء، فإن بقاءها مشروط بقدرتها على المحافظة على جوهرها وتجديد أدواتها في آن واحد.
فالوجود الفتحاوي الحقيقي هو ذلك الوجود الذي يجمع بين الفكرة والفعل، بين العقل والنضال، بين التاريخ والمستقبل، وبين الوطن بوصفه غاية أبدية لا تغيب عن الوعي الفلسطيني. وفي اللحظة التي يتخلى فيها الفلسطيني عن وطنه بوصفه معنى وجوده الأسمى، فإنه يفقد جزءاً من ذاته، لأن فلسطين بالنسبة له ليست مجرد أرض، بل هي هوية وذاكرة ورسالة ووجود.






