بوليفيا بين سقوط اليسار وصعود اليمين: هل تعود البلاد إلى دورة الانفجار الاجتماعي؟

د. راسم بشارات

– دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث و محلل، مختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني.

تعيش بوليفيا اليوم واحدة من أكثر مراحلها السياسية والاجتماعية توترا منذ سنوات، بعدما تحولت الاحتجاجات العمالية والفلاحية ضد الرئيس اليميني رودريغو باز من موجة غضب اجتماعي إلى أزمة تهدد توازن الدولة واستقرارها السياسي. فالمشهد الذي باتت تعرفه المدن البوليفية، من قطع الطرقات ومحاصرة العاصمة لاباز ورفع صور تشي غيفارا وترديد شعارات إسقاط الحكومة، يكشف أن ما يجري يتجاوز بكثير حدود الاعتراض على ارتفاع الأسعار أو نقص الوقود. قطاعات واسعة من المحتجين تنظر إلى الصراع الحالي باعتباره مواجهة حول طبيعة الدولة نفسها، وحول مستقبل النموذج السياسي والاقتصادي الذي سيحكم بوليفيا بعد عقدين هيمن خلالهما اليسار على الحياة السياسية في البلاد.

والسؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بمصير حكومة رودريغو باز، بل بمستقبل التوازن السياسي في بوليفيا نفسها: كيف تمكن اليمين من الصعود في بلد كان ينظر إليه باعتباره أحد أبرز معاقل اليسار في أمريكا اللاتينية؟ وهل تعكس الاحتجاجات الحالية بداية عودة اليسار إلى مركز المشهد السياسي؟ أم أن البلاد دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار؟. وفي خلفية هذه الأسئلة جميعا، تبرز القضية الفلسطينية بوصفها جزءا من الصراع الأيديولوجي الأوسع بين مشروعين مختلفين لطبيعة الدولة وتحالفاتها الدولية وموقعها داخل النظام العالمي.

 

خسارة اليسار بوليفيا بعد عقدين من الهيمنة
منذ وصول إيفو موراليس إلى السلطة عام 2006، بدت بوليفيا وكأنها تدخل مرحلة تاريخية جديدة عنوانها صعود اليسار الشعبي في أمريكا اللاتينية. فقد تحولت البلاد إلى أحد أبرز نماذج ما عرف بالمد الوردي، أي موجة الحكومات اليسارية التي رفعت شعارات العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية ومواجهة الهيمنة الأمريكية. واستند موراليس إلى تحالف اجتماعي واسع ضم النقابات العمالية، الفلاحين، السكان الأصليين، وقطاعات التعدين والطاقة، مستفيدا من الطفرة العالمية في أسعار المواد الخام لتوسيع الإنفاق الاجتماعي وتقليص معدلات الفقر وتعزيز حضور الفئات المهمشة داخل مؤسسات الدولة.

لكن هذا النموذج، الذي بدا في بداياته ناجحا وقادرا على إعادة تشكيل المجتمع البوليفي، بدأ يتعرض تدريجيا لتناقضات داخلية عميقة. فالنمو الاقتصادي الذي اعتمدت عليه الحكومات اليسارية لم يكن قائما على تحول هيكلي حقيقي في الاقتصاد، بل على العوائد المرتفعة لصادرات الغاز والمواد الخام. ومع تراجع أسعار الطاقة عالميا وتقلص احتياطات النقد الأجنبي، ظهرت هشاشة النموذج الاقتصادي البوليفي، إذ عجزت الحكومات المتعاقبة عن تنويع الاقتصاد أو بناء قاعدة إنتاجية مستقرة قادرة على الصمود أمام الأزمات الدولية. وهكذا انتقلت البلاد من مرحلة الوفرة النسبية إلى أزمة بنيوية كشفت حدود المشروع الاقتصادي لليسار.

في الوقت نفسه، بدأت صورة اليسار تتآكل سياسيا وأخلاقيا بعد سنوات طويلة في الحكم. فحركة “نحو الاشتراكية” التي ظهرت في الأصل كحركة احتجاجية تمثل الفقراء والسكان الأصليين، تحولت تدريجيا إلى جهاز سلطوي مترهل تلاحقه اتهامات الفساد والمحسوبية والبيروقراطية. ومع مرور الوقت، بدأ جزء من الطبقة الوسطى الحضرية يشعر بأن اليسار لم يعد يمثل مشروع التغيير الذي وعد به، بل أصبح جزءا من المنظومة التقليدية التي تسيطر على الدولة وتحمي مصالحها الخاصة. هذا التحول أفقد اليسار جانبا من شرعيته الرمزية التي استمدها سابقا من صورته كحركة مقاومة للنخب القديمة.

الأزمة ازدادت تعقيدا مع الانقسام الداخلي داخل المعسكر اليساري نفسه، خاصة بعد تصاعد الخلاف بين إيفو موراليس والرئيس اللاحق لويس آرسي. فقد أدى الصراع بين الرجلين إلى تفكك وحدة اليسار وإضعاف قدرته على إدارة الأزمة الاقتصادية والسياسية، بينما بدا للرأي العام أن النخبة الحاكمة منشغلة بصراعات النفوذ أكثر من انشغالها بحلول حقيقية للمشكلات الاجتماعية. هذا الانقسام منح اليمين فرصة تاريخية للعودة، بعدما ظهر اليسار فاقدا للتماسك والقدرة على تجديد نفسه.

وبذلك، فإن سقوط اليسار في بوليفيا لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تراكم طويل من الأزمات الاقتصادية، والتآكل السياسي، والانقسامات الداخلية، إضافة إلى قدرة اليمين على تقديم نفسه كبديل قادر على استعادة الاستقرار في لحظة فقد فيها جزء من المجتمع ثقته بالنموذج اليساري التقليدي.

 

انفجار أزمة متوقعة
المفارقة في المشهد البوليفي أن حكومة رودريغو باز لم تدخل أزمتها الحالية بسبب هويتها اليمينية بحد ذاتها، بل بسبب الطريقة السريعة والصادمة التي حاولت بها تطبيق السياسات النيوليبرالية داخل مجتمع يعتمد فيه ملايين الفقراء على الدعم الحكومي والخدمات العامة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. فالحكومة جاءت إلى السلطة وهي ترفع شعار إنقاذ الاقتصاد، لكنها اصطدمت سريعا بحقيقة أن أي إصلاح اقتصادي جذري في بوليفيا يحمل بالضرورة تكلفة اجتماعية وسياسية هائلة، خاصة في بلد يمتلك تاريخاً طويلا من الانتفاضات الشعبية ضد سياسات التقشف والخصخصة.

في هذا السياق، أقدمت الحكومة الجديدة على خفض دعم الوقود وتنفيذ إجراءات تقشف حادة بدعوى معالجة العجز المالي واستعادة ثقة الأسواق والمستثمرين. لكن هذه الخطوات انعكست مباشرة على الحياة اليومية للطبقات الشعبية، إذ ارتفعت تكاليف النقل والسلع الأساسية بصورة متسارعة، بينما تفاقمت معدلات التضخم وتراجعت القدرة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة. وكانت النتيجة أن القاعدة الاجتماعية الأكثر فقرا، من الفلاحين وعمال المناجم والمعلمين وسائقي النقل، شعرت بأنها تتحمل وحدها كلفة هذا الإصلاح الاقتصادي، في حين بقيت النخب المالية والشركات الكبرى بمنأى عن الضغوط نفسها.

الأزمة ازدادت حدة مع تفاقم النقص في الوقود والدولار وارتفاع أسعار الغذاء، ما خلق انطباعا واسعا داخل الشارع البوليفي بأن الحكومة لا تدير الأزمة بقدر ما تنقل أعباءها إلى الفقراء. ومع اتساع الطوابير أمام محطات الوقود وتصاعد الغضب الشعبي من ارتفاع الأسعار، بدأت قطاعات واسعة تنظر إلى السياسات الجديدة باعتبارها إعادة إنتاج للوصفات النيوليبرالية القديمة التي ارتبطت تاريخيا بتدخل المؤسسات المالية الدولية وتفاقم التفاوت الاجتماعي في أمريكا اللاتينية. لذلك لم تعد الاحتجاجات مجرد اعتراض اقتصادي محدود، بل تحولت إلى تعبير عن خوف اجتماعي أعمق من انهيار المكتسبات التي حققتها الطبقات الشعبية خلال سنوات حكم اليسار.

لكن العامل الأكثر حساسية كان البعد الرمزي والسيادي للأزمة، خاصة فيما يتعلق بالقانون الزراعي 1720 الذي أثار غضب الفلاحين والسكان الأصليين. فالقانون لم ينظر إليه بوصفه إصلاحا تقنيا لتنظيم الملكية الزراعية أو تحسين الاستثمار، بل باعتباره خطوة نحو خصخصة الأرض وتحويلها إلى أصل مالي خاضع لسيطرة البنوك والشركات الزراعية الكبرى. وفي بلد يرتبط فيه مفهوم الأرض بتاريخ طويل من الصراع ضد الاستعمار والتهميش وهيمنة الشركات العابرة للقارات، اكتسبت الاحتجاجات طابعا يتجاوز المطالب المعيشية المباشرة ليصبح مرتبطا بالدفاع عن السيادة الوطنية والهوية الاجتماعية للفلاحين والسكان الأصليين.

 

هل عاد اليسار فعلا!!!
تكشف الاحتجاجات الحالية في بوليفيا أن اليسار، رغم خسارته السلطة، لم يخسر قدرته على التأثير داخل الشارع البوليفي. فالنقابات العمالية واتحادات الفلاحين والسكان الأصليين، التي شكلت لعقود العمود الفقري للمشروع اليساري، ما تزال تمتلك قدرة تعبئة وتنظيم كبيرة، وهو ما ظهر بوضوح في سرعة اتساع الاحتجاجات وتحولها إلى حركة ضغط وطنية قادرة على شل قطاعات حيوية من البلاد. كما أن أساليب المواجهة التي اعتمدتها الحركة الاحتجاجية، مثل قطع الطرقات وفرض الحصار الشعبي على المدن الكبرى، تعكس استمرار الثقافة السياسية التي ترسخت خلال سنوات صعود اليسار، حيث اعتبرت السيطرة على الشارع وأدوات العصيان الشعبي جزءا أساسيا من ميزان القوة في الحياة السياسية البوليفية.

وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن هذه القوى ما تزال قادرة على تهديد استقرار الدولة نفسها، بعدما تمكن المحتجون من تعطيل طرق الإمداد وعزل مدن رئيسية مثل لاباز وإل ألتو، ما أدى إلى أزمات في الوقود والغذاء والإمدادات الطبية. وهذا يعني أن اليسار، حتى بعد خروجه من السلطة، ما يزال يحتفظ ببنية اجتماعية وتنظيمية تمنحه قدرة على فرض نفسه لاعبا رئيسيا في أي معادلة سياسية مستقبلية.

مع ذلك، فإن الحديث عن عودة اليسار بصيغته القديمة يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، لأن الأزمة الحالية لا تعني بالضرورة عودة النموذج الذي حكم البلاد خلال العقدين الماضيين. فما يظهر اليوم هو استعادة اليسار لقدرته على تحريك الشارع والضغط الاجتماعي، لكن ذلك لا يعني أنه استعاد مشروعه السياسي أو قدرته على إدارة الدولة. فالاحتجاجات، رغم قوتها، لم تنتج حتى الآن قيادة موحدة أو برنامجا اقتصاديا واضحا يمكن أن يشكل بديلا حقيقيا للسياسات الحالية. لذلك يبدو اليسار قادرا على تعطيل السلطة أكثر من قدرته، حتى الآن، على تقديم تصور جديد للحكم.

كما أن شخصية إيفو موراليس نفسها أصبحت جزءا من الأزمة بقدر ما كانت سابقا جزءا من الحل. فرغم احتفاظه بنفوذ واسع داخل الأوساط الشعبية والنقابية، لم يعد موراليس يحظى بالإجماع الذي تمتع به خلال ذروة صعوده السياسي، خاصة بعد الصراعات الداخلية والانقسامات التي ضربت حركة “نحو الاشتراكية”، إضافة إلى الاتهامات القضائية والجدل المرتبط بمحاولاته المتكررة للعودة إلى الواجهة السياسية. ولهذا، فإن كثيرا من المشاركين في الاحتجاجات يتحركون بدافع الغضب الاجتماعي والاقتصادي أكثر من تحركهم بدافع الولاء الشخصي لموراليس أو الرغبة في إعادة إنتاج التجربة السابقة كما كانت.

الأهم من ذلك أن الأزمة البوليفية الحالية تبدو أعمق من مجرد صراع تقليدي بين اليمين واليسار. فالدولة تواجه أزمة هيكلية مرتبطة بتراجع الموارد الطبيعية، وضعف الإنتاج المحلي، والاعتماد التاريخي على تصدير المواد الخام، وهي مشكلات لم تنجح الحكومات اليسارية السابقة في حلها، كما تبدو الحكومات اليمينية عاجزة عن تجاوزها عبر الوصفات النيوليبرالية وحدها. ولذلك فإن أي سلطة مستقبلية، مهما كان توجهها الأيديولوجي، ستصطدم بالتناقضات الاقتصادية والاجتماعية نفسها ما لم تقدم نموذجا تنمويا جديدا يتجاوز الاعتماد المزمن على الريع والمواد الخام.

ومن هنا، فإن ما يحدث اليوم قد لا يكون ببساطة عودة لليسار بقدر ما هو عودة للأزمة التاريخية التي ظلت تحكم بوليفيا لعقود: أزمة دولة تبحث عن توازن مستقر بين العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي والسيادة الوطنية.

 

أين تقف القضية الفلسطينية في هذا الصراع؟
في أمريكا اللاتينية، لا يتم التعامل مع القضية الفلسطينية في العادة باعتبارها ملفا خارجيا منفصلا عن السياسة الداخلية، بل ترتبط بصورة وثيقة بالانقسام الأيديولوجي بين اليمين واليسار. فالمواقف من فلسطين أصبحت، في كثير من دول القارة، جزءا من الهوية السياسية لكل معسكر، وتعكس طبيعة علاقته بالولايات المتحدة، وبفكرة الهيمنة الغربية، وبخطابات التحرر الوطني التي طبعت تاريخ المنطقة منذ عقود.

في هذا السياق، ينظر إلى اليمين البوليفي، بما في ذلك حكومة رودريغو باز، باعتباره أقرب إلى المعسكر الغربي المحافظ المتحالف مع واشنطن والمؤسسات المالية الدولية. فصعود اليمين في بوليفيا يأتي ضمن موجة أوسع شهدتها عدة دول في أمريكا اللاتينية، حيث تبنت الحكومات المحافظة خطابا يركز على الليبرالية الاقتصادية، والاستقرار المالي، وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة باعتبارها شريكا سياسيا واقتصاديا أساسيا. وغالبا ما ينعكس هذا التموضع على السياسة الخارجية، إذ تميل هذه الحكومات إلى تبني مواقف أكثر قربا من الرؤية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، بما في ذلك تخفيف حدة الخطاب المؤيد لفلسطين أو إعادة صياغته ضمن لغة دبلوماسية أقل صداما مع إسرائيل والغرب.

في المقابل، ارتبط اليسار البوليفي، وخاصة التيار المرتبط بإيفو موراليس، بخطاب التضامن الأممي ومناهضة الإمبريالية، وهي الرؤية التي ترى في القضية الفلسطينية امتدادا لصراعات الشعوب ضد الاستعمار والهيمنة الخارجية. وخلال سنوات حكم موراليس، تحولت فلسطين إلى رمز سياسي داخل خطاب اليسار البوليفي، ليس فقط بوصفها قضية إنسانية، بل باعتبارها جزءا من معركة عالمية ضد النفوذ الأمريكي والغربي. ولهذا اتخذت بوليفيا في تلك المرحلة مواقف حادة تجاه إسرائيل، وصلت في أكثر من مناسبة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية احتجاجا على الحروب في غزة، في خطوة هدفت إلى تقديم بوليفيا كجزء من محور دولي داعم لحركات التحرر الوطني.

ومن هنا، فإن أي عودة قوية لليسار البوليفي إلى السلطة أو إلى مركز التأثير السياسي سوف تعني على الأرجح عودة هذا الخطاب المؤيد لفلسطين داخل المحافل الدولية، إلى جانب تعزيز التقارب مع الحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية مثل البرازيل وكولومبيا وفنزويلا، التي تتبنى بدورها مواقف أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية والأمريكية. ولذلك تبدو القضية الفلسطينية، في السياق البوليفي، جزءا من صراع أوسع حول هوية الدولة وتحالفاتها الدولية، أكثر من كونها مجرد ملف دبلوماسي خارجي.

 

مستقبل بوليفيا القريب
تشير التطورات الحالية إلى أن بوليفيا دخلت مرحلة يمكن وصفها بالاستقطاب المفتوح، حيث لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي عابر بين حكومة ومعارضة، بل تحولت إلى صراع عميق حول طبيعة الدولة والنموذج الاقتصادي وهوية السلطة نفسها. فكل طرف بات ينظر إلى الآخر باعتباره تهديدا وجوديا، وهو ما يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية مستقرة في المدى القريب.

الحكومة، من جهتها، ترى أن ما يجري لا يندرج ضمن احتجاجات اجتماعية طبيعية فحسب، بل يمثل محاولة منظمة لإسقاط سلطة منتخبة ديمقراطيا عبر الضغط الشعبي وشل مؤسسات الدولة. ولهذا تتهم شبكات إيفو موراليس والنقابات باستخدام الأزمة الاقتصادية كأداة لإعادة اليسار إلى الحكم من خلال الشارع بعد خسارته السياسية. ومن منظور السلطة، فإن التصعيد الحالي لا يهدد الحكومة وحدها، بل يهدد أيضا استقرار النظام السياسي ويعيد البلاد إلى دوامة الفوضى والانقسامات التي عرفتها بوليفيا في مراحل سابقة من تاريخها.

في المقابل، تنظر المعارضة اليسارية والحركات الاجتماعية إلى الحكومة باعتبارها ممثلة لمصالح النخب المالية والشركات الأجنبية والمؤسسات الغربية، وترى أن السياسات الاقتصادية الجديدة تعيد إنتاج نمط قديم من التبعية الاقتصادية التي ظلت قطاعات واسعة من البوليفيين تقاومها لعقود. ولذلك لا يتم تقديم الصراع داخل الخطاب المعارض بوصفه مجرد مواجهة مع إجراءات تقشفية، بل باعتباره معركة ضد محاولة إعادة هيكلة الدولة وفق منطق السوق الحر على حساب الفئات الشعبية والسكان الأصليين.

أما الشارع البوليفي نفسه، فيعيش حالة إنهاك اقتصادي واجتماعي عميقة تجعل المشهد أكثر هشاشة وقابلية للانفجار. ارتفاع الأسعار، ونقص الوقود، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل خلقت حالة غضب متراكمة قد تجعل أي تسوية مؤقتة أو تنازل محدود عاجزا عن معالجة جذور الأزمة. وهذا ما يفسر سرعة عودة الاحتجاجات واتساعها رغم محاولات الاحتواء الحكومية، إذ يبدو أن الثقة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع تعرضت لتآكل كبير خلال الفترة الأخيرة.

وفي حال فشلت الحكومة في احتواء الأزمة عبر حلول سياسية واقتصادية قادرة على تهدئة الشارع، أو إذا اختارت اللجوء إلى قمع واسع للاحتجاجات، فإن بوليفيا قد تدخل مرحلة أكثر خطورة تتجاوز الاحتجاجات التقليدية إلى إعادة تشكيل كاملة للخريطة السياسية. فالتاريخ البوليفي يظهر أن الأزمات الاجتماعية الكبرى كثيرا ما تحولت إلى لحظات مفصلية أعادت توزيع السلطة وغيرت موازين القوى داخل الدولة. ولذلك فإن الحراك الحالي قد يصبح نقطة انعطاف تاريخية تحدد ليس فقط مستقبل حكومة رودريغو باز، بل مستقبل العلاقة بين اليمين واليسار وطبيعة النظام السياسي البوليفي في السنوات المقبلة.

وفي خلفية هذا الصراع الداخلي، تبقى القضية الفلسطينية حاضرة بوصفها جزءا من الانقسام الرمزي والأيديولوجي الأوسع داخل أمريكا اللاتينية. فالمواقف من فلسطين لم تعد مجرد تعبير عن سياسة خارجية، بل أصبحت مرتبطة بالتصورات المتناقضة حول طبيعة النظام العالمي نفسه. هناك معسكر يرى الخلاص في الاندماج مع السوق العالمية والتحالف مع الغرب والمؤسسات المالية الدولية، ومعسكر آخر يربط قضايا العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني في أمريكا اللاتينية بالنضال ضد الهيمنة العالمية والاستعمار. ولهذا تظهر فلسطين، في الوعي السياسي لقطاعات واسعة من اليسار اللاتيني، كامتداد لمعركة أكبر تتعلق بالسيادة والهوية ومقاومة النفوذ الخارجي، تماما كما يرى اليمين المحافظ أن التقارب مع الغرب يمثل الطريق نحو الاستقرار الاقتصادي والسياسي.