تراكمت المشاهد الدامية في الوعي الفردي والجمعي في هذا المخيّم حتى صبغت الحواري الحانية بالاحمر،واسكنت القلوب المرهفة بالحزن والالم الممزوج بالافتخار والاعتزاز،عشرات الشبان الذين حملوا البندقيّة وأكرموها حُبَّاً من أجل الكرامة والخلاص من المحتل مضوا،ومن خلفهم رفاق درب لهم ينتظرون،كان آخر الماضين بالنسبة لمحمد الوافد الذي احبه واحتضنه اسلام خمايسة،ومن بعده عديّ مرعي،الذي اختتم به آخر جولات العراك الدامي المباشر في داخل المخيّم برفقة كلّ من مصطفى وأمير وتامر وحمد… تلك المعركة التي خرج منها عديّ شهيدا،وعاد محمد إلى بيتهم متعبا صامتا،فقد نجى قبل قليل من مسيَّرة انتحارية إنقضت عليهم،وكادت أن تنال من خمستهم،عندما ضربت البيت الذي تمركزوا فيه المقابل لبيت ذوي عديّ…
حاولت ان أكلمه … اجابني بصوت خافت متعب ومحبط… وطلب الخلود إلى النوم على وقع صوت نواح بواكي الشهيد التي تملء سماء الحيّ…كان ذلك في السادس من حزيران الساخن من العام 2024…
بعد أسبوع على ذلك الحادث،زحفت قوات الاحتلال الى المخيّم ليلا في اجتياح متجدد،كان لا بد من أخذ القرار،قسم يبقى في المخيّم،والقسم الاخر بمقدروه أن يذهب ويتابع التطورات،وهذه الية جديدة اعتمدها المقاومون للحد من ارتقاء الشبان او وقوعهم في الاسر…تمنطق محمد بعدته،وتواصل مع رفيقه أبو الجابر…فقال له :-
نعم سنخرج …
مرّ محمد على أمير في زقاق دكان الغزاوي وسأله اذا ما كان سيرافقهما…
فضل أمير البقاء في المخيّم… وقال :-
أولا من أجل تحقيق الهدف القادم من أجله وهو الشهادة على هذا الثرى،والثاني،رعاية الباقين وتوجيههم…حيث انه اكبر منهم عمرا وخبرة…
جاءت سيارة أبو الجابر…صعد محمد وانطلقا سريعا نحو بلدة قباطية …وصلوا بعد منتصف الليل… التقوا ببعض معارفهم هناك …وعقدوا سهرة ضاحكة وهم يتابعون الاجتياح عبر وسائل التواصل الاجتماعي… يبدو ان الهدف من هذا الاجتياح غير واضح لغاية الان… لم تحصل مداهمات ولا اعتقالات ولا اغتيالات… لم يكونا يعرفان انهما المقصودان بهذا العمل…وان قوات الاحتلال وأجهزتها المخابراتية التي لمست الالية الجديدة للمقاومين تعمدت الهجوم على المخيّم من اجل الدفع بهذان الاثنان على الخروج منه لانهم مطلوبان للتصفية … فقد ارسلوا (رجال مخابرات العدو)عبر احد المحامين قرارا بتصفية أبو العصري
سهرا حتى الفجر…صليا في المسجد الكبير في قباطية، ثم ذهبا الى الحسبة بعد الفجر، وتناولا بعض الفواكه… ومع بزوغ الشمس، ذهبا الى بلدة الزبابدة عند قريب لرفقيهم ميسرة مشارقة ، تناولا الإفطار هناك، ومع ساعات الظهيرة قررا ان يذهبا معا الى ذلك البيت الواقع في منطقة ” الكحليشة ” بعد ان حصلوا على فرشة اسفنجية لاخذ قسط من الراحة فهما لم يذوقا طعم النوم طيلة الليلة الماضية…. البيت قيد البناء، كانا قد ذهبا اليه ذات مرة، ومكثا فيه وقتا الى ان انسحب المحتلون من المخيّم…
كان الجو شديدة الحرارة…ركن أبو الجابر سيارته امام المبنى من الجهة الشرقية، ترجل محمد وأبو الجابر، محمد يحمل سلاحة الالي ومسدس، أبو الجابر ادخل الفرشة تاركا سلاحه بالسيارة… محمد خلع نعله ومدد جسده على المقعد الموجود في صالة البيت المفتوحة على كل الاتجاهات…عاد أبو الجابر للسيارة ليأخذ سلاحة … فجأءة سقط صاروخ من مسيرة نحو السيارة،فإنفجرت وبدأت النيران تشتعل بها… تراجع للخلف أبو الجابر قبل ان يصل السيارة ونهض أبو العصري… بدأ الرصاص ينهال عليهم من الجهة الشمالية من بيت مجاور كمنت فيه الوحدات الخاصة… ادرك أبو العصري انه كمين محكم اعد اليهما… رمى بمسدسه لأبو الجابر مع مشطين من الرصاص، بينما شرع هو بالتقدم من الجهة الغربية محاولا تحصين المكان ببعض قطع الطوب… وشرع كلٌّ منها في الرد على اطلاق النار الغزير الذي ينهال عليهما…
لم يكتف المحتلون الذين يطوقون المكان بمئات الجنود في اطلاق النار فقط،بل ارسلوا على المنزل المحاصر عدة قذائف كتف (ثمانية قذائف) قسمت احداها احد أعمدة الاسمنت فأصبح اثرا بعد عين…
محمد أبو العصري يقاوم ويطل على اماكن تواجد قوات الاحتلال وهو يضحك… اصيب بصاروخ في صدره… فإرتقى….صاح أبو الجابر… والذي اسرع لرفيقه أبو العصري صائحا :-
لا تتركني وحدي حبيبي أبو العصري…
تأكد أن رفيقه قد ارتقى … فصاح عبر احد المجموعات التواصل :-
أبو العصري استشهد يا شباب
كان ذلك بعد ثلث ساعة على الاشتباك… اخذ أبو الجابر قطعة السلاح من أبو العصري…وبدأ بخوض المعركة تارة من هنا وتارة من هناك وتارة متقدما نحو الشرفة الغربية الواسعة للمنزل…اصابته عيارات ناري من قناصة فسقط الى جانب رفيقه أبو العصري وحولهما بركة من الدماء الزكية…لم يتوقف اطلاق النار…ادخل المحتلون طائرة تصوير مسيّرة قبل ان يقتحمان المكان. ويبدءا بالتنكيل بالجثتين أمام كاميرات القنوات الفضائية المتعددة… حتى قذفا الجثتين في فم الجرافة العسكرية التي نقلتهما الى مكان مجهول في حجز واعتقال لازال مستمرا حتى اللحظة.
قصة استشهاد ابني محمد والتي تصادف ذكراه الثانية السبت 13 حزيران *








