ورقة للدكتور عبد العاطي بعنوان قضية الإبادة الجماعية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية

أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد” ورقة موقف قانونية وحقوقية جديدة أعدّها د. صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية “حشد”، بعنوان: “قضية الإبادة الجماعية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية: تأجيل الإجراءات القضائية، حين يتحول بطء العدالة إلى إنكار فعلي للعدالة في ظل استمرار جريمة الإبادة الجماعية في غزة”، تناولت فيها التداعيات القانونية والأخلاقية والسياسية المترتبة على إطالة أمد الإجراءات القضائية في واحدة من أخطر القضايا المعروضة على القضاء الدولي منذ تأسيس الأمم المتحدة، وهي القضية التي رفعتها جمهورية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل استناداً إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.

وأكد د. صلاح عبد العاطي على أن خطورة هذه القضية لا تنبع فقط من طبيعتها القانونية، باعتبارها تتصل بادعاءات انتهاك اتفاقية الإبادة الجماعية، وإنما أيضاً من كونها ترتبط بوقائع يُدّعى استمرارها بصورة يومية في قطاع غزة، في ظل حرب مدمرة أوقعت عشرات الآلاف من الضحايا والجرحى والمفقودين، وتسببت في التهجير القسري واسع النطاق، والتجويع الممنهج، والتدمير الشامل للبنية التحتية المدنية ومقومات الحياة الإنسانية، بما يجعل من عنصر الزمن جزءاً من جوهر القضية ذاتها، وليس مجرد مسألة إجرائية أو تنظيمية.

وشدد د. صلاح على أن العدالة الدولية في قضايا الإبادة الجماعية لا تُقاس فقط بصحة الإجراءات وسلامة المسار القضائي من الناحية الشكلية، وإنما أيضاً بقدرتها على الوصول في الوقت المناسب لمنع استمرار الجريمة، وحماية المدنيين، وإنفاذ القانون الدولي بصورة فعالة، محذراً من أن أي إطالة مفرطة للإجراءات في مثل هذه القضايا تثير مخاوف مشروعة من تحوّل العدالة من أداة للحماية والردع والمساءلة إلى مجرد سجل تاريخي متأخر يوثّق الجريمة بعد اكتمال آثارها.

وتحدث الباحث، من خلال الورقة، عن الخلفية الزمنية للقضية وتطوراتها الإجرائية، موضحاً أن جمهورية جنوب أفريقيا تقدمت بالدعوى أمام محكمة العدل الدولية في 29 ديسمبر/كانون الأول 2023، وأن المحكمة عقدت جلسات الاستماع الخاصة بطلب التدابير المؤقتة في 11 و12 يناير/كانون الثاني 2024، قبل أن تصدر أوامرها الأولى بالتدابير المؤقتة في 26 يناير/كانون الثاني 2024، ثم أصدرت تدابير إضافية في 28 مارس/آذار 2024 و24 مايو/أيار 2024، شددت فيها على ضرورة منع الأفعال التي قد تندرج ضمن نطاق اتفاقية الإبادة الجماعية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية، ووقف العمليات العسكرية في رفح وفتح المعابر وضمان وصول لجان التحقيق والبعثات الدولية ذات الصلة.

وأوضح الباحث أن الورقة ترصد كذلك التطور الإجرائي الأحدث المتمثل في إعلان المحكمة خلال عام 2026 تمديد المهل الخاصة باستكمال المرافعات المكتوبة، بحيث حُدد يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2027 موعداً لتقديم جنوب أفريقيا مذكرتها الجوابية، و22 مايو/أيار 2029 موعداً لتقديم إسرائيل مذكرتها التعقيبية، بما يعني عملياً أن المرافعات الشفوية النهائية قد لا تُعقد قبل أواخر عام 2029 أو خلال عام 2030، بينما قد يمتد صدور الحكم النهائي إلى سنوات لاحقة، وهو ما يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول قدرة العدالة الدولية على مواكبة الجرائم الجماعية المستمرة.

وأكد د. صلاح عبد العاطي على أن الورقة تميّز بشكل واضح بين بطء الإجراءات القضائية وبين الادعاءات التي رُوجت مؤخراً بشأن وجود “تجميد” أو “تعليق” للقضية، مشيراً إلى أنه لا يوجد، حتى تاريخ إعداد الورقة، أي قرار صادر عن محكمة العدل الدولية يقضي بوقف الدعوى أو تعليقها أو شطبها من جدول أعمالها، كما أن جنوب أفريقيا لم تطلب سحب الدعوى أو تأجيلها، بل أكدت التزامها الكامل بمواصلة القضية وملاحقة إسرائيل قانونياً، وأن ما جرى يندرج حصراً ضمن الإطار الإجرائي الخاص بإدارة المهل الزمنية وتبادل المذكرات القانونية بين الأطراف.

وشدد د. صلاح على أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط في استمرار القضية شكلياً، بل في خطر امتداد الزمن الإجرائي على حساب العدالة الفعلية، لاسيما وأن القضية لا تتعلق بأحداث تاريخية مضت وانتهت، بل بوقائع يُدّعى استمرارها، من قتل واسع النطاق للمدنيين، وتهجير قسري جماعي، وتدمير منهجي للبنية التحتية، وتجويع وحصار، واستهداف مباشر لشروط البقاء الإنساني في قطاع غزة، وهو ما يجعل كل يوم تأخير ينعكس بصورة مباشرة على حياة المدنيين وحقوقهم الأساسية.

وتحدث الباحث في الورقة عن أن بطء العدالة في قضايا الإبادة الجماعية لا يمكن اعتباره حياداً إجرائياً، لأن فلسفة العدالة الدولية تقوم على منع الجرائم أو الحد من آثارها أثناء وقوعها، وليس فقط توصيفها بعد اكتمالها. ومن هذا المنطلق، ترى الورقة أن العدالة في مثل هذه القضايا يجب أن تكون عدالة وقائية، وعدالة مانعة لاستمرار الجريمة، وعدالة مرتبطة مباشرة بحماية الحق في الحياة، وأن إخضاع قضايا الإبادة لنفس الإيقاع الزمني المخصص للنزاعات الدولية التقليدية يكشف عن خلل بنيوي عميق في فلسفة العدالة الدولية نفسها.

كما بيّن الباحث أن الورقة تتناول محدودية أثر التدابير المؤقتة التي أصدرتها المحكمة، رغم أهميتها القانونية، إذ تشير إلى أن هذه التدابير لا تمتلك آليات تنفيذ ذاتية فعّالة، وتعتمد بدرجة كبيرة على الإرادة السياسية للدول، وتواجه تحديات كبيرة في الإنفاذ، ولم تنجح حتى الآن في ضمان الوقف الكامل للانتهاكات المبلغ عنها، الأمر الذي يجعل وجودها غير كافٍ لتبرير إطالة أمد التقاضي، بل يستدعي تسريع الفصل في القضية باعتباره المسار الحاسم لتحديد المسؤولية الدولية وإنفاذ العدالة.

وأكد د. صلاح عبد العاطي على أن الورقة تحذر من أحد أخطر الآثار المترتبة على إطالة أمد الإجراءات القضائية، والمتمثل في تحويل الزمن نفسه إلى أداة للإفلات من العقاب، إذ يمكن خلال سنوات التقاضي الطويلة أن يصبح الوقت مساحة لاستمرار الأفعال محل النزاع، ووسيلة لإعادة تشكيل الوقائع على الأرض، وعاملاً يؤثر في الأدلة والشهادات، وأداة لتقويض الأثر الردعي للمساءلة المستقبلية، بما يجعل البطء الإجرائي عاملاً موضوعياً يعزز الإفلات العملي من العقاب حتى من دون صدور قرار قضائي مباشر بذلك.

وأوضح الباحث كذلك أن الورقة تطرح بوضوح الإشكالية المتعلقة بالفارق بين الشرعية الإجرائية ومشروعية العدالة، مؤكدة أن تمتع المحكمة بصلاحياتها الإجرائية وحق الأطراف في تقديم دفاعها لا يكفي وحده لتبرير النتائج إذا أدى ذلك عملياً إلى تعطيل الحماية القانونية الفعالة، وإضعاف وظيفة الردع، وتقويض ثقة الضحايا بالعدالة الدولية، وتوسيع الفجوة بين الجريمة والمساءلة، لأن العدالة لا تُقاس فقط بصحة الإجراءات، وإنما أيضاً بقدرتها على الوصول في الوقت المناسب.

وأوصى د. صلاح عبد العاطي، من خلال الورقة، بضرورة تحمّل جنوب أفريقيا والدول المنضمة إلى الدعوى لمسؤولياتها القانونية والأخلاقية والسياسية عبر المطالبة بإعطاء القضية أولوية استثنائية داخل المحكمة، والعمل على تقليص الفترات الزمنية بين مراحل التقاضي، ومواصلة تقديم الطلبات القانونية الرامية إلى تسريع الإجراءات، وحشد الدعم الدولي لضمان تنفيذ أوامر المحكمة، وتعزيز الضغوط السياسية والقانونية لمنع إفلات إسرائيل من العقاب، إلى جانب دعم آليات المساءلة الموازية أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية التي تطبق الولاية القضائية العالمية.

وفي ختام ورقة الموقف، شدد د. صلاح على أن العدالة الناجزة ليست امتيازاً للضحايا، بل حق أصيل لهم، وشرط أساسي لفاعلية القانون الدولي ولتحقيق الحماية والردع والمساءلة وعدم التكرار، مؤكداً أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود القضية أو استمرارها من الناحية الشكلية، بل في أن يتحول بطء العدالة في قضايا الإبادة الجماعية إلى صورة فعلية من صور إنكار العدالة نفسها، لأن العدالة التي لا تصل في الوقت المناسب تفقد قدرتها على حماية الحياة الإنسانية، حتى وإن احتفظت بقيمتها في توثيق الحقيقة التاريخية.

للاطلاع على الورقة بالكامل اضغط هنا