كلما طال مسار التوصل لاتفاق بين الفصائل ومجلس السلام لتطبيق مراحل خطة الرئيس ترامب لأنهاء الحرب في غزة وأخذت مناقشات الفصائل في القاهرة ومجلس السلام بوساطة ثلاثية مصرية قطرية تركية أسابيع وشهور ,كلما كان هذا الوقت بلا حسابات من قبل الفصائل ,وكلما تعقدت الأمور في غزة وتضاعفت معاناة الناس النازحين في خيام للعام الثالث على التوالي ,وكلما كان ذلك مفيداً لإسرائيل التي لا تخفي رغبنها بان تفشل مفاوضات الفصائل ومجلس السلام ويبقي الوضع في غزة على ما هو عليه وبالتالي تنتهز إسرائيل هذه التعقيدات وعدم التوصل لاتفاق لتنفذ مشروعها الخاص بتثبيت تقسيم غزة قسمين وادارتين مختلفتين , إدارة إسرائيلية أمريكية برعاية مجلس السلام في المناطق داخل الخط الأصفر والتي باتت تمثل 70% من مساحة القطاع وإدارة لحركة حماس في مخيمات النزوح وبعض المناطق غرب الخط الأصفر مع إبقاء خطة تهجير الغزيين الي خارج غزة على الطاولة والتي تم نقاشها مؤخراً في الأوساط السياسية والاستخباراتية ” الموساد” وتحاول اطلاق مسميات تجميلية عليها فمرة تطلق عليها “العبور الحر” او “حرية التنقل” او ” الحركة الحرة” وكل هذه المسميات في الحقيقة ما هي الا مسميات تجميلية لعملية تهجير قسري للسكان من القطاع سواء بشكل سري طوعي او علني طوعي بزريعة ان غزة لم تعد مكان صالح للعيش .
مازالت الفصائل تناقش بعض التعديلات على خطة خارطة الطريق التي قدمها (نيكولاي ميلادينوف) المندوب السامي الأعلى لمجلس السلام في غزة مع ان كثير من التعديلات تم تحقيقها الا ان الفصائل وعلى رأسها قيادات حماس مازالت تريد تحقيق تعديلات جديدة في ملف تسوية موضوع السلاح وربطه بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع وبالأحرى تريد ضمان موطئ قدم لها في الحكم الجديد في غزة وهذا قد لا يكون من ضمن حسابات الوسطاء الذين يحاولوا اقناع قيادة حماس بان من سيحكم غزة هم التكنوقراط الذين تم تكليفهم ضمن اللجنة الوطنية لإدارة القطاع بعيداً عن أي تدخل فصائلي وما على الفصائل الا تسهيل كل المسارات التي سوف تمر من خلالها اللجنة الوطنية لتحقيق حكم انتقالي يمكن سكان غزة من التعافي من اثار حرب الإبادة الإسرائيلية التي لم تتوقف حتي هذا الوقت وعلى رأس هذا التعافي إعادة اعمار القطاع وإسكان النازحين في بيوت مناسبة تضمن لهم حياة امنة ومستقرة وإنسانية .
الحقيقة ان اسرائيل تعمل على تهيئة كل الظروف والأوضاع في غزة عبر القوة العسكرية والعمل العسكري الذي لم يتوقف سواء بنسف المربعات السكنية في الخط الأصفر او خارجه وإقامة نقاط ومواقع مراقبة عسكرية يمكن من خلالها ان تستهدف أي شبر من مواصي خانيونس بالمدفعية وليس بصواريخ المسيرات الاسرائيلية ما يشكل حالة دائمة من التهديد الوجودي للمواطنين المدنيين في كافة مناطق القطاع وهي المناطق التي تقول عنها اسرائيل انها تحت إدارة حركة حماس وفي هذه المرحلة باتت تستغل اسرائيل فرصة تعثر التوصل لاتفاق بين مجلس السلام والفصائل لتوسيع مناطق الخط الأصفر وتضم مناطق جديدة لسيطرتها وادارتها لتصبح إسرائيل مسيطره عملياً على 70% من أراضي القطاع وهذا يشكل دليل حقيقي بان هناك مخططات مخيفة تريد اسرائيل تنفيذها غير خطة الرئيس ترامب لأنهاء الحرب في غزة وهذه المخططات طويلة الأمد تشمل تغير الجغرافيا والديموغرافيا ونقل سكان مناطق سيطرة حركة حماس والذين لا تتوفر لهم ادني متطلبات الحياة الكريمة الى مناطق تدعي إسرائيل انه يتوفر فيها كل شيء على ان تخصص لسكان ليس لهم أي علاقة بحركة حماس ينتقلوا للعيش من مناطق تسيطر عليها حماس الي مناطق تنشئها إسرائيل وامريكا بشكل مؤقت للغزين تحت سيطرة امنية مشدده بالرغم من ان هذا يمثل علمية فرز للسكان يخالف كل مبادئ القانون الدولي.
المشروع الاخر وهو موافقة حركة حماس على تسوية موضوع سلاحها في غزة بكل انواعه وان لا يكون لها أي وجود ذات طابع إداري في غزة وهذا المشروع يرتكز على خطة الرئيس ترامب بكل نقاطها العشرين ويمثل ضرر اقل على الفلسطينيين وهذا عبارة عن مزيج من الخطة الإسرائيلية والمشروع الأمريكي لكن لا يتضمن المشروع نقل للسكان او فرزهم في مناطق محدد تحت مسميات إنسانية مع بقاء ملف التهجير الطوعي متاح للجميع بالرغم من ان إدارة ترامب لا ترغب ان تجري أي عمليات نقل للسكان الفلسطينيين خارج القطاع لكن اذا كان طوعا فلا اعتقد انها تمانع بالرغم من ان ترامب اعرب عن معارضة لتهجير سكان غزة قسراً أكثر من مرة بعدما اكتشف خطورة هذا الامر ورفض كافة الدول العربية ودول العالم لحل مشكلة غزة من خلال التهجير. انا اعتبر ان المشروع الأمريكي لغزة ليس مثالياً ولا يمثل الحل الذي يلبي طموح الفلسطينيين ويوحد الجغرافيا ويمكن القيادة الفلسطينية من فرض سيادتها الوطنية على القطاع الذي هو جزء لا يتجزأ من ارض الدولة الفلسطينية الموعودة لكنه على الأقل يوقف حرب الإبادة التي لا تريد اسرائيل ان توقفها ويضع غزة تحت إدارة مؤقته واحدة . اليوم كشفت هيئة البث الإسرائيلي ان إدارة ترامب أرسلت وثيقة لإسرائيل هي ليست الاولي من نوعها بحسب تقديري لتطلب بشكل واضح ان تتوقف اسراٍئيل عن إعاقة تنفيذ خطة الرئيس ترامب الخاصة بانها الحرب في القطاع وتطلب من إسرائيل وقف أي خطط لاستئناف الحرب على غزة فيما تسميه الاوساط العسكرية برئاسة أركان جيش الاحتلال بالحملة الثالثة على القطاع وطالبت إدارة الرئيس ترامب عدم إعاقة عملية إعادة اعمار القطاع حسب الخطة الامريكية والتي تم مناقشتها مؤخراً مع وزراء الخارجية العرب في اجتماع وزراء مجلس التعاون الخليجي في المنامة بالبحرين مع وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو ) ,كما طالبت الإدارة الامريكية من اسرائيل الافراج عن مليار دولار من أموال المقاصة الخاصة بالسلطة الفلسطينية التي تقتطعها إسرائيل يخصص نصفه لصالح مشاريع ينفذها مجلس السلام في غزة ونصفه الاخر يودع في خزينة السلطة الفلسطينية لتنفيذ مشاريع حيوية في الضفة الغربية ,كما وطالبت ادارة ترامب من اسرائيل الرد على هذه الوثيقة عبر التزام خطي تتعهد به اسرائيل وهذا الجديد في الامر.
الحقيقة ان المشروعين الأمريكي الخاص بأنهاء الحرب في غزة وتحقيق حكم فلسطيني مستقل بإدارة واحدة لغزة والمشروع الإسرائيلي الخاص بتقسيم غزة الي ادارتين لا يمثلان الحل الأمثل لغزة خاصة بعد ثلاثة سنوات من حرب وحشية ابادت فيها إسرائيل كل شيء وسحقت المدن والمخيمات ولم تبقي أي معالم مدنية تمكن الفلسطينيين من العيش بأمن واستقرار في مدنهم ومخيماتهم ولم توفر لهم أي مقدرات تمكنهم من ان يرسموا ويخططوا مستقبل أفضل للأجيال القادمة. هذه المشاريع تمثل اشواك سامة في الجسد الغزي لكن أخطر هذه المشاريع المشروع الاسرائيلي الذي يرتكز على تصنيف الفلسطينيين وفلترتهم ونقلهم ليعيشوا في كانتونات قد تديرها اللجنة الوطنية لإدارة القطاع وتفصل قوات الاستقرار الدولي بين الاداريتين إذا ما أصرت حماس على ان تدير الجزء المتبقي من القطاع وهو اقل من 30% . الحقيقة ان المشروع الأمريكي الذي يرتكز على سلطة واحدة وسلاح واحد وقانون واحد بكل ما يلحق به من سلبيات الا انه قد يبقي الفلسطينيين في ارضهم ويضمن على الأقل وحدة الجغرافيا والديموغرافيا في غزة بالإضافة الي تعافيهم من ويلات الحرب التي لن توقفها اسرائيل بلا ضغط امريكي ،ان السعي الامريكي في هذه المرحلة بات يرتكز على ادماج الإسرائيليين في الحل الأمريكي لموضوع غزة واجبار حركة حماس على الموافقة على ورقة وخطة (نيكولاي ميلادينوف) وبالتالي تسوية موضوع السلاح طوعا ونزع زريعة استغلال إسرائيل هذا الامر لتقسيم القطاع الي منطقتين بإدارتين مختلفتين ,والأهم ان المشروع الأمريكي بدا في حيثياته مشروع مؤقت لغزة في ظل اتصالات أمريكية مع السلطة الفلسطينية مؤخراً تشير كل المؤشرات انها ستنتقل لإدارة القطاع في المرحلة النهائية وينتهي حكم اللجنة الوطنية في غزة وينتقل القطاع لحكم السلطة الفلسطينية .