جاري التحميل...

الفراغ التربوي وصناعة التطرّف: حين تتراجع مؤسسات التنشئة تتقدّم مصانع العنف

لا ينشأ التطرّف في فراغ، ولا يولد العنف من العدم، بل هو في الغالب ثمرة مسارٍ طويل من الإهمال التربوي، والاضطراب الاجتماعي، والفراغ الفكري، وضعف المؤسسات التي أُنيط بها بناء الإنسان. فالفرد لا يصبح متطرفًا لأنه قرأ نصًا واحدًا، أو استمع إلى خطبة عابرة، وإنما لأن منظومة التنشئة الاجتماعية قد أخفقت في بناء مناعته الفكرية والنفسية والأخلاقية، فوجد نفسه فريسة سهلة لخطابات الكراهية واليقين الزائف.
إن المجتمع الذي تغيب فيه الأسرة الفاعلة، والمدرسة الواعية، والإعلام المسؤول، والمؤسسات الثقافية والدينية الرشيدة، يترك فراغًا سرعان ما تملؤه جماعات تتقن استثمار الأزمات، وتحويل الإحباط إلى غضب، والغضب إلى عنف، والعنف إلى عقيدة مغلقة.
ولهذا فإن معركة المجتمعات الحديثة مع التطرّف ليست معركة أمنية فحسب، وإنما هي، قبل كل شيء، معركة تربوية وثقافية وحضارية.

التنشئة الاجتماعية: الحصن الأول للإنسان.

يعرّف عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم التنشئة الاجتماعية بأنها العملية التي ينقل المجتمع من خلالها قيمه ومعاييره إلى الأجيال الجديدة، وبها يتحول الإنسان البيولوجي إلى كائن اجتماعي قادر على العيش مع الآخرين. أما بيير بورديو فيرى أن الأسرة والمدرسة لا تنقلان المعرفة فحسب، بل تنتجان ما سماه «الرأسمال الثقافي»، أي المنظومة الفكرية والقيمية التي تمنح الفرد القدرة على التمييز والنقد والمقاومة.

ويؤكد أنتوني غيدنز أن الهوية الإنسانية ليست معطى ثابتًا، بل تُبنى باستمرار من خلال التفاعل مع المؤسسات الاجتماعية. فإذا اختل هذا البناء، أصبح الفرد أكثر قابلية للانجذاب نحو الجماعات التي تقدم له هوية جاهزة وإجابات مطلقة عن أسئلة الوجود.
ومن هنا فإن غياب مؤسسات التنشئة أو تغييبها عن معالجة قضايا المجتمع لا يخلق فراغًا معرفيًا فحسب، بل يخلق فراغًا وجوديًا يبحث الإنسان عن ملئه بأي خطاب يمنحه شعورًا بالانتماء.

حين تصمت المؤسسات… تتكلم الجماعات المتطرفة:

ليس أخطر ما في الجماعات المتطرفة أنها تمتلك خطابًا قويًا، بل أن المؤسسات المقابلة كثيرًا ما تتخلى عن دورها. فحين تعجز المدرسة عن تعليم التفكير النقدي، وحين تنشغل الأسرة بصراعاتها الاقتصادية، وحين يتحول الإعلام إلى صناعة الإثارة، وتفقد المؤسسات الثقافية والدينية قدرتها على مخاطبة الشباب، يجد الفكر المتطرف أرضًا خصبة للنمو.

وقد حذرت المديرة العامة السابقة لـاليونسكو، إيرينا بوكوفا، من أن مكافحة التطرف تبدأ من التعليم، مؤكدة أن «الحرب ضد التطرف تُكسب في الفصول الدراسية قبل أن تُكسب في ساحات القتال».
كما أكد الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل ببناء مجتمعات عادلة توفر التعليم والكرامة والفرص المتكافئة، لأن الإقصاء واليأس يمثلان البيئة المثلى لتغذية العنف.

الإعلام بين صناعة الوعي وصناعة الوهم

أصبح الإعلام في العصر الرقمي أحد أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية، بل ربما تجاوز في تأثيره المدرسة والأسرة. ولذلك فإن مسؤوليته لم تعد تقتصر على نقل الأخبار، بل تشمل تشكيل الوعي الجمعي.
يرى الإعلامي البريطاني جون بيلجر أن الإعلام يستطيع أن يكون أداة لتحرير الإنسان، كما يستطيع أن يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الخوف والكراهية إذا تخلى عن رسالته الأخلاقية.

أما المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي فقد أوضح أن وسائل الإعلام قد تصبح أداة لصناعة القبول أو الرفض، عبر التحكم في المعلومات والرموز والصور، وهو ما يجعل التربية الإعلامية ضرورة ملحة لحماية الأفراد من التضليل والتلاعب.
وفي العالم العربي، أشار الإعلامي محمد حسنين هيكل إلى أن أخطر أشكال الهزيمة هي هزيمة الوعي، لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية يصبح أكثر استعدادًا للوقوع في قبضة التطرف.
إن الإعلام المسؤول لا يكتفي بإدانة الإرهاب بعد وقوعه، بل يعمل على كشف أسبابه، وتحصين المجتمع ضده، وإبراز النماذج الإيجابية التي تعزز قيم المواطنة والحوار.

علماء الاجتماع: التطرف نتاج اختلال اجتماعي:

يرى زيغمونت باومان أن الحداثة السائلة أوجدت إنسانًا يعاني هشاشة الهوية، فيبحث عن يقين مطلق يعوض شعوره بالضياع، فتستغل الجماعات المتطرفة هذه الحاجة النفسية لتقديم أجوبة بسيطة لقضايا معقدة.
أما روبرت ميرتون، فيربط الانحراف الاجتماعي بالفجوة بين الطموحات المشروعة والوسائل المتاحة لتحقيقها، مما يدفع بعض الأفراد إلى البحث عن بدائل غير قانونية أو متطرفة.
ويضيف أولريش بيك أن مجتمعات المخاطر المعاصرة تنتج أشكالًا جديدة من القلق والاغتراب، وهو ما يجعل الإنسان أكثر استعدادًا لتبني الأفكار الراديكالية إذا غابت المؤسسات القادرة على احتوائه.

السياسيون ومواجهة التطرف:

أكد الرئيس الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا أن «التعليم هو أقوى سلاح يمكن استخدامه لتغيير العالم». ولم يكن يقصد التعليم بوصفه تلقينًا للمعلومات، بل بناءً للإنسان الحر القادر على الحوار والاختلاف.
كما شددت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل في أكثر من مناسبة على أن الاندماج الحقيقي لا يتحقق بالشعارات، بل بالتعليم، وسيادة القانون، وتعزيز قيم الديمقراطية والمواطنة.
ويرى الرئيس التشيكي السابق والمفكر فاتسلاف هافيل أن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس قوة المتطرفين، بل ضعف المجتمع المدني، لأن الفراغ الذي يتركه غياب المؤسسات الحرة تملؤه دائمًا قوى الاستبداد أو التطرف.

نماذج من الواقع:

تكشف تجارب العديد من الدول أن المواجهة الأمنية وحدها لم تستطع القضاء على التطرف، بينما حققت البرامج التربوية والثقافية نتائج أكثر استدامة.
ففي عدد من الدول الإسكندنافية، اعتمدت برامج لإعادة دمج الشباب المعرضين للتطرف عبر التعليم، والدعم النفسي، والتأهيل المهني، والحوار المجتمعي، مما أسهم في تقليل معدلات الانجذاب إلى الجماعات المتشددة.
كما أظهرت تجارب مجتمعات عانت من الحروب الأهلية أن الاستثمار في الثقافة، والمكتبات العامة، والأنشطة الرياضية والفنية، يعزز الشعور بالانتماء، ويحد من قابلية الشباب للاستقطاب.

نحو استراتيجية شاملة للتحصين:

إن بناء مجتمع مقاوم للتطرف يتطلب تكامل جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية، بحيث تؤدي الأسرة دورها في غرس القيم، وتغرس المدرسة التفكير النقدي، ويقدم الإعلام المعرفة الرصينة، وتعمل المؤسسات الدينية على ترسيخ الفهم الوسطي للنصوص، بينما تفتح المؤسسات الثقافية آفاق الإبداع والحوار.
كما ينبغي أن ترافق ذلك سياسات اجتماعية تحقق العدالة، وتكافؤ الفرص، واحترام الكرامة الإنسانية، لأن الإنسان الذي يشعر بأنه شريك في وطنه أقل قابلية للانجذاب إلى خطاب الكراهية.

خاتمة:

إن التطرف ليس مرضًا يولد مع الإنسان، بل عرضٌ لاختلالات عميقة في التربية والثقافة والاقتصاد والسياسة. وكل فراغ تتركه مؤسسات التنشئة تملؤه، عاجلًا أو آجلًا، قوى تمتلك مشروعًا بديلًا، قد يكون مشروعًا للعنف والهدم بدل البناء والحياة.
ولذلك فإن حماية المجتمعات لا تبدأ عند الحواجز الأمنية، بل تبدأ في البيت، والمدرسة، والجامعة، والمسرح، والمكتبة، والمسجد، والكنيسة، ووسائل الإعلام، وكل فضاء يصنع إنسانًا قادرًا على التفكير الحر، والحوار، واحترام الاختلاف.

فحين يُبنى العقل على المعرفة، ويُغذّى الوجدان بالقيم، ويُفتح أمام الشباب أفق الأمل والعمل، يفقد التطرف أهم أسلحته، لأن الإنسان الواعي لا يُستدرج بسهولة إلى عبادة الموت، بل ينحاز، بطبيعته، إلى ثقافة الحياة.