جاري التحميل...

ورقة تقدير موقف: من المماطلة إلى الرفض: معركة فرض تنفيذ اتفاق غزة..

د. صلاح عبد العاطي

الخلاصة التنفيذية

دخل مسار غزة مرحلة مفصلية مع انتقال إسرائيل من المماطلة في تنفيذ المرحلة الثانية إلى رفض جوهر خارطة الطريق، ولا سيما الانسحاب من قطاع غزة وربطه بنزع سلاح حماس بالكامل. وفي المقابل، تتمسك حماس، وفق مواقفها المعلنة، بالاتفاق القائم وتطالب بتنفيذ ما تم التوافق عليه، بما يشمل وقف الاعتداءات، واستكمال الانسحاب، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات، والبدء بالإعمار وتمكين الإدارة الفلسطينية الانتقالية.

وبذلك لم تعد المعركة حول قبول الاتفاق، بل حول من يملك تفسيره، ومن يملك القدرة على فرض تنفيذه.

والخطر الاستراتيجي هو أن تنجح إسرائيل في تحويل المرحلة الثانية من مسار لإنهاء الحرب والاحتلال إلى آلية لإدارة غزة تحت سيطرة أمنية إسرائيلية طويلة الأمد، مع إعمار مشروط، ونزع سلاح مفتوح السقف، وفصل تدريجي للقطاع عن الضفة الغربية.

أولًا: الرفض الإسرائيلي ودلالاته

يمثل رفض نتنياهو لخارطة الطريق تحولًا نوعيًا؛ إذ تسعى إسرائيل إلى جعل نزع السلاح شرطًا سابقًا للانسحاب، بدل أن يكون جزءًا من ترتيبات متبادلة ومتدرجة.

وهذا يخلق معادلة خطرة: إذا بقي تحديد مفهوم «النزع الكامل» بيد إسرائيل، فإن الانسحاب يصبح رهينة لتقديرها الأمني، ويمكن تأجيله بلا سقف زمني.

وعليه، فإن الرفض الإسرائيلي لا ينبغي قراءته باعتباره خلافًا تفاوضيًا عابرًا، بل كمحاولة لإعادة كتابة الاتفاق من داخل مرحلة التنفيذ، وتحويل الالتزامات المتبادلة إلى شروط إسرائيلية أحادية.

ثانيًا: نتنياهو بين الحساب الأمني والانتخابي

يتحرك نتنياهو عند تقاطع الأمن والسياسة الداخلية. فالانسحاب يمكن أن يُقدَّم أمام اليمين الإسرائيلي باعتباره تنازلًا، بينما يسمح التشدد في غزة له بإظهار نفسه بوصفه حامي الأمن الإسرائيلي.

لذلك تبدو المماطلة وسيلة لشراء الوقت وتأجيل الاستحقاقات الثقيلة، خصوصًا في ظل الحسابات الانتخابية والسياسية الداخلية.

لكن قدرة نتنياهو على الاستمرار في التعطيل لا تتوقف على إرادته وحدها؛ بل على مدى استعداد واشنطن لتحويل رفضه إلى كلفة سياسية واستراتيجية حقيقية.

ثالثًا: واشنطن — الاختبار الحاسم

وصف ترامب الاتفاق بأنه إنجاز تاريخي، وهو ما يجعل رفض نتنياهو اختبارًا لمصداقية الإدارة الأمريكية.

السؤال لم يعد: هل تستطيع واشنطن إدارة المفاوضات؟

بل: هل تستطيع إلزام إسرائيل بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه؟

إذا بقي الضغط الأمريكي في حدود الإقناع وإدارة الخلاف، ستتمكن إسرائيل من شراء الوقت وإعادة تفسير الالتزامات.

أما إذا تحول الضغط إلى ضمانات سياسية وأمنية فعلية، فقد تتراجع قدرة نتنياهو على تعطيل المرحلة الثانية.

ومن هنا فإن نجاح الخطة الأمريكية لن يقاس بإعلانها، وإنما بقدرتها على منع إسرائيل من إعادة صياغتها.

رابعًا: الموقف الفلسطيني ودور محمد دحلان

يمثل تمسك حماس والفصائل بالاتفاق أحد عناصر القوة السياسية في المرحلة الراهنة.

فالموقف الفلسطيني المعلن يتجه إلى تنفيذ الاتفاق بدل إعادة التفاوض عليه من الصفر، وتحميل إسرائيل مسؤولية تعطيل المرحلة الثانية.

وهذا ينقل المعركة من سؤال:

هل يقبل الفلسطينيون بالاتفاق؟

إلى سؤال:

لماذا ترفض إسرائيل التنفيذ، ومن يستطيع إلزامها؟

وتكمن الأولوية الفلسطينية في الحفاظ على وحدة الموقف، ومنع تحويل المرونة إلى تنازلات مفتوحة، وربط أي ترتيبات أمنية أو متعلقة بالسلاح بالانسحاب والضمانات والتنفيذ المتزامن.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور السياسي للقيادي محمد دحلان، الذي اضطلع بدور مهم في الوصول إلى بعض التفاهمات والمساهمة في معالجة عدد من العقد السياسية، وتكتسب تصريحاته أهمية إضافية في هذه المرحلة لأنها تضع رفض نتنياهو أمام اختبار سياسي وتحمل المسؤولية لافشال الاتفاق لإسرائيل، وتدفع باتجاه تحويل التفاهمات إلى تنفيذ فعلي.

وتزداد قيمة هذا الدور إذا انتقل من التصريح والدعم الاغاثي والإنساني إلى بناء ضغط سياسي واتصالات مؤثرة، خصوصًا في الولايات المتحدة والدوائر الإقليمية والدولية.

وتتمثل قيمته المضافة في رفع كلفة التعطيل الإسرائيلي، وحشد التأثير السياسي الأمريكي والدولي ، ودعم جهود الوسطاء، والدفع نحو الانسحاب والإعمار والإدارة الفلسطينية الانتقالية، على أن يبقى هذا الدور متكاملًا مع الموقف الفلسطيني والوساطة العربية.

خامسًا: مصر والوسطاء — من الوساطة إلى الضمان

تتجاوز أهمية مصر دور الوسيط؛ فهي طرف رئيسي في ملفات المعابر والإغاثة وإعادة الإعمار وترتيبات غزة، فيما تضطلع قطر وتركيا بأدوار مهمة في الاتصالات والوساطة.

لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الوساطة إلى الضمان.

والمطلوب آلية مصرية–قطرية–تركية أكثر تنسيقًا، تربط وقف إطلاق النار بالانسحاب وفتح المعابر والإعمار والإدارة الفلسطينية، وتمنع إعادة فتح الاتفاق وإعادة التفاوض عليه عند كل استحقاق.

فالنجاح الحقيقي للوساطة لا يقاس بعدد الاجتماعات، وإنما بقدرتها على تحويل التفاهمات إلى التزامات قابلة للتنفيذ والرقابة.

سادسًا: الضفة الغربية — الجبهة الموازية للتهدئة

لا يمكن فصل غزة عن الضفة الغربية والقدس.

فاستمرار الاقتحامات والاعتقالات وعنف المستوطنين والاستيطان والضم الفعلي يهدد بتفجير الساحة الفلسطينية، وقد يوفر لإسرائيل مسارًا موازيًا لتعويض أي تراجع في غزة.

والخطر أن تنخفض الحرب في القطاع بينما تستمر إسرائيل في تغيير الوقائع على الأرض في الضفة والقدس، بما يؤدي إلى تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي وإضعاف إمكانية قيام إطار وطني فلسطيني موحد.

لذلك لا يمكن بناء تهدئة مستدامة دون الحفاظ على وحدة غزة والضفة والقضية الفلسطينية، ومنع تحويل الهدنة إلى تجميد للصراع في غزة مقابل تصعيد متدرج في الضفة.

سابعًا: رفح والقوة الدولية والإعمار

إذا بدأ الانسحاب الإسرائيلي من مناطق محددة، ولا سيما رفح، وتبعته قوة دولية وعودة تدريجية للسكان، فقد يكون ذلك اختبارًا عمليًا للمرحلة الثانية.

لكن المعيار ليس مجرد خروج القوات الإسرائيلية من منطقة محددة، وإنما:

– إلى أين تنسحب؟
– من يملك القرار الأمني؟
– من يضمن عودة السكان؟
– هل الانسحاب نهائي أم قابل للعكس؟
– وما طبيعة الولاية الممنوحة للقوة الدولية؟

وهنا يجب ألا تتحول القوة الدولية إلى غطاء لاستمرار الاحتلال، ولا أن يتحول الإعمار الجزئي إلى أداة لتقسيم غزة إلى مناطق متفاوتة في السيطرة والأمن والإعمار.

والقاعدة المطلوبة هي: إعمار شامل، عودة كاملة للسكان، وحدة جغرافية، وإدارة فلسطينية واحدة

ثامنًا: السيناريوهات المتوقعة

1. التنفيذ التدريجي تحت ضغط أمريكي

تنجح واشنطن والوسطاء في انتزاع خطوات إسرائيلية عملية، تبدأ بالانسحاب والترتيبات الأمنية، ثم تتوسع نحو الإعمار والإدارة الفلسطينية.

التقدير: ممكن، لكنه يتوقف على قوة الضغط الأمريكي وتحوله من الوساطة إلى الضمان.

2. المماطلة المنظمة

تبقى التهدئة قائمة بصورة هشة، وتتقدم الملفات الإنسانية والإدارية، بينما يبقى الانسحاب والسلاح والترتيبات السياسية معلقة.

التقدير: الأكثر ترجيحًا إذا بقي الضغط الأمريكي محدودًا.

3. إعادة كتابة الاتفاق

تنجح إسرائيل في فرض تفسير يجعل نزع السلاح شرطًا سابقًا ومفتوحًا للانسحاب، فتتحول المرحلة الثانية إلى تفاوض جديد طويل.

التقدير: السيناريو الأخطر سياسيًا واستراتيجيًا، لأنه يحول الاتفاق من أداة لإنهاء الحرب إلى أداة لإدارة الصراع.

4. انهيار المسار وعودة التصعيد

تفشل الوساطة، وتتغلب الحسابات الداخلية الإسرائيلية على الضغوط الخارجية، فتعود المواجهة بدرجات مختلفة.

التقدير: قائم، لكنه ليس حتميًا، ويمكن احتواؤه إذا تحولت الضغوط الأمريكية والعربية والدولية إلى آلية تنفيذ فعالة.

تاسعًا: التقدير الاستراتيجي

الاتفاق لم يسقط بالضرورة، لكنه دخل بوضوح معركة فرض التنفيذ.

القوة الفلسطينية الأساسية حاليًا هي التمسك بالاتفاق وعدم إعادة التفاوض عليه من الصفر. أما نقطة الضعف الرئيسية فتتمثل في غياب ضمانات تنفيذية قادرة على إلزام إسرائيل.

وإذا نجحت إسرائيل في فرض قراءتها، فقد تنتج صيغة جديدة عنوانها:

وقف نار بلا انسحاب،
إعمار بلا سيادة،
قوة دولية بلا إنهاء للاحتلال،
ونزع سلاح بلا سقف زمني.

وهذه ليست تسوية مستدامة، بل إعادة هندسة للصراع والاحتلال بأدوات أقل ظهورًا وأكثر تعقيدًا.

عاشرًا: التوصية السياسية

فلسطينيًا

تثبيت وحدة الموقف، والتمسك بالاتفاق، ورفض إعادة التفاوض من الصفر، والحفاظ على وحدة غزة والضفة، و دعم تمكين لجنة إدارة غزة ، وفتح مسار جدي لاحقا لترتيب البيت الداخلي وإعادة بناء الشرعية الوطنية عبر الانتخابات.

عربيًا واقليما

تحويل الوساطة المصرية–القطرية–التركية إلى منظومة ضغط وضمانات، وربط الإعمار بالانسحاب وفتح المعابر وحماية المدنيين، ورفض التهجير أو الفصل بين غزة والضفة.

أمريكيًا

انتقال واشنطن من إدارة الخلاف إلى ضمان التنفيذ، وعدم السماح لرفض الحكومة الإسرائيلية بأن يتحول إلى اتفاق جديد أو إلى آلية لإعادة التفاوض المفتوح.

دوليًا

ضمان أن تكون القوة الدولية أداة لحماية المدنيين وتسهيل الانسحاب والإعمار، لا لإدارة الاحتلال أو تكريس واقع التقسيم، مع وجود آليات رقابة ومساءلة واضحة.

الخلاصة

المعركة الحالية ليست معركة نصوص، وإنما معركة إرادة سياسية وقدرة على فرض الالتزام.

تمسك حماس والفصائل بالاتفاق، والدور المصري والقطري والتركي، والضغط الأمريكي، إلى جانب أدوات التأثير الفلسطينية المتعددة، يمكن أن يمنع إسرائيل من تحويل المرحلة الثانية إلى تفاوض مفتوح.

وفي هذا السياق، يمكن للدور السياسي لمحمد دحلان أن يكتسب وزنًا إضافيًا إذا تحول إلى جهد ضغط منظم، خصوصًا في الولايات المتحدة والدوائر الدولية، متكاملًا مع الموقف الفلسطيني والوساطة العربية.

ويبقى السؤال الحاسم:

هل ستستخدم واشنطن والوسطاء نفوذهم لإلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاق، أم ستنجح إسرائيل في إعادة كتابة خارطة الطريق؟

إذا فُرض التنفيذ، يمكن أن تصبح المرحلة الثانية بداية فعلية لإنهاء الحرب والانسحاب والإعمار.

أما إذا فُرضت القراءة الإسرائيلية، فستدخل غزة مرحلة جديدة من التهدئة الهشة، وإدارة الاحتلال، والإعمار المشروط، والصراع المؤجل القابل للانفجار.