جاري التحميل...

انزياح الصورة وصوت المواطنة الكونية، تأمّلات في مصطلحات بنيوية :

 

_ الصورولوجيا _ والكوزموبوليتانية نموذجاً:
في سقف الفكر المعاصر، يواجه الإنسان مشكلة التمثيل: كيف نرى الآخر؟ كيف نجسده فكرياً، كما نجسده سياسياً؟ هنا، ينبثق حقل جديد، هو الصورولوجيا وهي مستخدمة في الأوساط الأكاديمية الألمانية بالصيغة نفسها، لأن أصل المصطلح لاتيني-فرنسي، وقد انتقل كما هو تقريباً إلى لغات البحث الأوروبية. وهو اصطلاح، الذي يأخذ من “صورة” علمًا، ومن الأدب وسيلة، لفك الرؤى المُهيمنة وبنائها من جديد. ويبرز مقابل هذا التشخيص، موقف فلسفي ثالث، يدعو لتجاوز الحدود الفكرية والقومية، هو الكوزموبوليتانية بالألمانية بـ:Kosmopolitismus وفي بعض السياقات الفكرية الحديثة قد يُستخدم أيضاً مصطلح (مواطنة العالم) أو (روح المواطنة العالمية)، خاصة في النصوص الفلسفية التي تتناول أفكار كانط والرواقيين.فالكوزموبوليتانية، هي التي ترفض القوقع وترفض التصنيف، وتعلن أن البشر، في جوهرهم، أبناء كوكب واحد بأُسرةٍ واحدة.
–أولاً: الصورولوجيا – نقدُ الصورة، تجاوزُ الوهم.
من رحم الأدب المقارن الأوروبي، نشأت الصورولوجيا كتخصص معاصر مكثف، يدرس كيف يُشكَّل الآخر في خطابنا بمنهجة نقدية. فقد رأى هوغو دايسيرينك، أحد منبري هذا الحقل في ألمانيا وبلجيكا، أن “الصور الوطنية” ليست حقائق، بل مبادئ للتمثيل، مبنية على تصورات جماعية وانعكاسات أخطاء الماضي القريب. وهنا يتعالى المنهج، ليُفصّل شبكة التصورات وليس أنماطًا جامدة.
صاحب الحداثة – لعلّها الفلسفة النقدية للقرن العشرين برمتها – هو تفكيك “الهوية” من محايثة الجوهر إلى قناع ثقافي يُرتدى أو يُسقط. بهذا المعنى، ترفع الصورولوجيا الغطاء عن تصورات أننا “نحن” هم، و”هم” هم، وتمدّنا بإطار تحليلٍ يُظهر الصورةَ متلاعبًا وليس ثابتًا.
عبر التاريخ الثقافي والمجالات المتداخلة، من الأنثروبولوجيا إلى علم النفس الاجتماعي، صارت الصورولوجيا مختبراً مادياً لإعادة فهم الهوية. في ذلك السياق، ارتكز جويب ليرسن على أن الصور النمطية ليست فقط قوالب، بل “عقد تفكير” تُنظم بها المجتمعات تصوراتها. كما وضع دانيال-هنري باجو أن الصورة تنبثق من عالم رمزي لا من عالم موضوعي، وأننا نشكلها حين ننظر، وليست موجودة مسبقًا.
–ثانياً: الكوزموبوليتانية – الانتماء إلى العالم قبل الوطن.
إذا كانت الصورولوجيا تخصصًا يحلل، فإن الكوزموبليتانيا فلسفة تدعو وتبني: دعوة لإنسانية مشتركة، قبل وطن أو عرق أو دين. نشأت في رحم الفكر الرواقي، ثم عبّرت عنها فلسفة كانط في مشروعه “السلام الدائم” على أنها مدخل لإعادة الاعتبار لحقوق الإنسان فوق القانون الدولي القائم.
واليوم، تتجلى في ثلاثة مسارات:
_ ثقافية: دعوة لتلاقح الثقافات وصيغتها المتجددة.
_ سياسية: بناء مؤسسات عابرة للحدود، تسعى للعدالة الكونية.
_ أخلاقية: تحمل المسؤولية الإنسانية المشاع، كالهجرة والمناخ.
_ في هذا السياق، تصبح الكوزموبوليتانية رد فعل على صور الآخر المشوهة التي تكشف عنها الصورولوجيا، دعوة للحوار والعقل بدل الأحكام السياقية.
— ثالثاً: تقاطع العلم والنظرية – التشخيص مقابل المشروع
إن العلاقة بين الصورولوجيا والكوزموبليتانيا تمثّل بنية معرفية ديناميكية:
_ الصورولوجيا توقظنا من نومة الصور الجاهزة؛ إنهاقل استيقاظ نقدي.
الكوزموبليتانيا تقدم المستقبل الممكن بعد المحك والتشخيص.
في الأزمات المعاصرة من هجرة العالم إلى تدفقات الهوية، من تصاعد النزعات القومية إلى صراعات التمثيل الثقافي، يظل هذا الزوج من الفكر – التشخيص والمشروع – ضروريًا لا غنى عنه.
إ_ ن قراءة العالم اليوم تتطلب منا أن لا نكتفي بمراجعة العيون التي نرى بها، بل أن نشترك في بناء أعين جديدة، تتجاوز الذاتية والآخرية، إلى الإنسانية الكونية: إنّها رؤية تُنقّح صورنا، وتُحرّر انتماءنا، نحو مستقبل يكون فيه الانتماء إلى العالم، قبل الانتماء إلى الوطن.