بقلم: م.محمد العايدي
كان لسميح القاسم حضورٌ يشبه فلسطين.
لا يحتاج إلى أن يعلن عن نفسه؛ يكفي أن يجلس أمامك حتى تشعر أن شيئًا من تراب هذه البلاد قد دخل المكان، وأن الزيتون والشمس والذاكرة الفلسطينية وجدت لها صوتًا بشريًا تتحدث من خلاله.
جمعتني بسميح القاسم لقاءات عدة على أرض فلسطين، وكان كل لقاء يترك في الذاكرة شيئًا لا يشبه ما قبله. كان يحدثني عن الشعر، وعن الأدب الفلسطيني، وعن فلسطين التي حملها الشعراء في قصائدهم حين تعذر عليهم حملها في أيديهم.
لكن أكثر ما بقي في ذاكرتي كان حديثًا جمعني به في فندق البيست إيسترن في رام الله عام 2014، حين حدثني عن لقائه بحافظ الأسد، والسجال الذي دار بينهما حول تل الزعتر وما تعرض له الفلسطينيون هناك.
روى لي كيف حاول حافظ الأسد تقديم تبرير لما حدث من وجهة النظر السورية، لكن سميح كان واضحًا في رفضه. لم يقبل أن تكون السياسة ذريعة لتبرير الدم الفلسطيني، وكان موقفه صريحًا: لا شيء يمكن أن يجعل قتل الفلسطينيين في تل الزعتر أمرًا مبررًا.
كان سميح من الرجال الذين لا يستطيعون وضع الحقيقة في جيب السياسة.
وهذه، في رأيي، واحدة من أعظم صفاته.
كان فلسطينيًا قبل أن يكون شاعرًا، وإنسانيًا قبل أن يكون صاحب موقف سياسي. وكان يعرف أن فلسطين أكبر من الأنظمة، وأكبر من الشعارات، وأن الدم الفلسطيني لا يتغير لونه بتغير الرايات.
⸻
حين أتذكر سميح اليوم، لا أتذكر فقط الشاعر الذي ملأ الدنيا قصائد، بل أتذكر الرجل.
أتذكر صوته وهو يتحدث عن فلسطين، وغضبه حين يواجه الظلم، وكبرياءه حين يرفض أن تكون الكلمة سلعة أو الموقف قابلًا للمساومة.
لم يكن يكتب فلسطين من بعيد؛ كان يعيشها.
كانت في صوته، وفي قصيدته، وفي ذاكرته، وفي كل موقف اتخذه.
ولهذا لم يكن سميح القاسم شاعر فلسطين فقط، بل كان واحدًا من الأصوات التي جعلت فلسطين حاضرة في الضمير العربي والإنساني.
⸻
ومع اقتراب ذكرى رحيله، أشعر أن الحديث عنه لا ينبغي أن يكون مجرد مرثية.
فالمراثي تضع نهاية، أما سميح القاسم فلم يكن رجلًا يصلح أن تكون له نهاية.
نعود إلى قصائده فنجدها ما زالت حية، ونعود إلى مواقفه فنكتشف أن كثيرًا مما قاله بالأمس ما زال أكثر حضورًا من كثير مما يقال اليوم.
لقد ترك لنا أكثر من الشعر.
ترك لنا الموقف.
علّمنا أن الشاعر الحقيقي لا يساوم على الحقيقة، وأن فلسطين ليست قضية سياسية فقط، بل قضية عدل وكرامة وذاكرة وإنسان.
⸻
يا سميح،
لم تكن قصائدك وحدها هي التي تركتها لنا.
تركت لنا أن نعرف أن فلسطين لا تحتاج إلى من يزينها بالكلمات، بل إلى من يحمي حقيقتها من النسيان.
سلام عليك يوم وقفت للشعر، وسلام عليك يوم وقفت للإنسان، وسلام عليك يوم قلت «لا» حين كان المطلوب منك أن تقول «نعم».
سلام على روحك التي اختارت فلسطين وطنًا للقصيدة، والحرية مذهبًا، والكرامة موقفًا.
سلام على سميح القاسم…
الشاعر الذي لم يترك لنا قصائد فقط، بل ترك لنا طريقة في الوقوف.
وحين تضيق بنا البلاد، وتختلط السياسة بالدم، سنعود إلى ذلك الرجل الذي جلس في رام الله ذات يوم، يتحدث عن فلسطين كأنها جالسة معنا على الطاولة.
سنعود إلى صوته، ونتذكر أن هناك أشياء لا يجوز تبريرها، وأشياء لا يجوز نسيانها، ووطنًا لا يجوز أن يتحول إلى مجرد قصيدة.
رحم الله سميح القاسم، شاعر فلسطين الكبير، وجعل كلماته زيتونًا لا ينحني، وشمسًا لا تغيب