جاري التحميل...

موجة تقاعد تهز CIA – متقاعدون ينتظرون مستحقاتهم 9 أشهر

السياسي – تواجه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “CIA” أزمة متزايدة في معالجة مستحقات المتقاعدين، بعدما أدت موجة غير مسبوقة من التقاعد والاستقالات، بالتزامن مع خفض أعداد الموظفين الحكوميين في عهد الرئيس دونالد ترامب، إلى إغراق نظام التقاعد بطلبات جديدة.

وبحسب مسؤولين استخباراتيين حاليين وسابقين ورسائل داخلية للوكالة، ينتظر بعض الموظفين السابقين أشهراً للحصول على أول دفعة من معاشاتهم التقاعدية، فيما أُبلغ آخرون بأن الحصول على أول راتب تقاعدي كامل قد يستغرق ما يصل إلى تسعة أشهر أو أكثر.

وأقرت وكالة المخابرات المركزية بالمشكلة في مذكرة وجهتها إلى المتقاعدين، قالت فيها إن قسم التقاعد يعالج “عدداً غير مسبوق” من الملفات، ويعمل على مدار الساعة لتسريع إنجازها، بحسب “واشنطن بوست”.

تأتي أزمة مستحقات المتقاعدين في وقت تشهد فيه وكالة المخابرات المركزية واحدة من أكبر عمليات تقليص قوتها العاملة منذ عقود.

وتُعد الأرقام الدقيقة المتعلقة بحجم القوة العاملة في الوكالة وعدد المغادرين منذ بداية الولاية الثانية لترامب من المعلومات السرية، لكن مسؤولين أمريكيين قدروا عدد العاملين في الوكالة بنحو 22 ألف موظف في بداية عام 2025.

ويعتقد مسؤولون سابقون أن مئات الموظفين، وربما أكثر من ألف، غادروا الوكالة منذ ذلك الحين، في إطار موجة أوسع من الاستقالات والتقاعد داخل الحكومة الفيدرالية.

وكانت إدارة ترامب قد أبلغت الكونغرس في مايو 2025 نيتها تقليص عدد موظفي CIA بنحو 1200 موظف على مدى عدة سنوات، من خلال التقاعد الطبيعي وتقليص التوظيف، بينما قبل عدد من موظفي الوكالة برنامج الاستقالة المؤجلة الذي طرحته الإدارة لتقليص حجم الحكومة.

ويصف مسؤولون سابقون هذه العملية بأنها الأكبر التي تشهدها الوكالة منذ تقليص حجمها بصورة كبيرة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة في أوائل تسعينيات القرن الماضي.

لكن المشكلة لا تقتصر على أعداد الموظفين الذين يغادرون الوكالة، إذ إن بعض العاملين المسؤولين عن معالجة طلبات التقاعد كانوا أيضاً ضمن صفوف المغادرين، ما أدى إلى زيادة الضغط على النظام.

وبالنسبة إلى الموظفين السابقين، لا تمثل التأخيرات مجرد مشكلة إدارية، بل قد تتحول إلى أزمة مالية حقيقية.

وقال مسؤولون سابقون إن بعض المتقاعدين اضطروا إلى الاعتماد على مدخراتهم، أو اللجوء إلى قروض إضافية، لتغطية نفقاتهم في انتظار استكمال إجراءات صرف معاشاتهم.

كما تراجع بعض موظفي CIA عن خطط التقاعد بسبب عدم قدرتهم على تحمل فترة طويلة من دون دخل ثابت.

وقال أحد المسؤولين السابقين إن على الموظفين الراغبين في التقاعد أن يبدؤوا التخطيط المالي والبحث عن وظائف جديدة قبل مغادرة الوكالة، تحسباً لفترة الانتظار.

وتزداد حساسية الوضع بالنسبة إلى ضباط المخابرات بسبب طبيعة عملهم. فموظفو CIA يعملون في بعض الحالات في مناطق خطرة، ولا يحصلون عادةً على تقدير علني بسبب طبيعة مهامهم السرية، كما أن ثقافة الوكالة تشجع على عدم مناقشة المشكلات الداخلية علناً.

ويرى مسؤول استخباراتي أمريكي سابق أن تأخر مستحقات موظفي المخابرات لفترات طويلة يثير تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الحكومية على الوفاء بالتزاماتها تجاه موظفيها السابقين.

لا تقتصر الأزمة على وكالة المخابرات المركزية، إذ تواجه الحكومة الفيدرالية بأكملها ضغوطاً متزايدة على أنظمة التقاعد نتيجة موجة المغادرة الكبيرة للموظفين.

وتشير البيانات إلى أن أكثر من 330 ألف موظف فيدرالي غادروا الخدمة خلال العام الماضي، وكان معظمهم قد غادروا بصورة طوعية.

وتتولى وكالة CIA معالجة ملفات التقاعد في البداية داخلياً، وهي عملية قد تستغرق عدة أشهر، خصوصاً أن ملفات موظفي الاستخبارات قد تكون أكثر تعقيداً من ملفات الموظفين الحكوميين العاديين.

فقد يكون الموظف قد عمل تحت غطاء سري وبهوية مختلفة، أو خدم في الجيش أو أجهزة استخبارات أخرى، أو كان متزوجاً من موظف آخر في CIA، وهي عوامل تتطلب مراجعات إضافية قبل إحالة الملف إلى مكتب إدارة شؤون الموظفين “OPM”.

وبعد وصول الملفات إلى المكتب، يمكن للمتقاعدين الحصول على دفعات مؤقتة تتراوح عادةً بين 60 و80% من رواتبهم النهائية، على أن تتم تسوية المبلغ المتبقي لاحقاً بعد الانتهاء من الإجراءات.

لكن تقلص القوة العاملة في مكتب إدارة شؤون الموظفين أدى إلى زيادة الضغوط. فقد انخفض عدد موظفي المكتب من أكثر من 3000 موظف في السنة المالية 2024 إلى نحو 1980 موظفاً في السنة المالية 2026، أي انخفاض يقارب الثلث.

وفي الوقت نفسه، تقلص حجم الفريق المسؤول عن خدمات التقاعد بنحو 16%، رغم توسيع المكتب لمحاولة التعامل مع الزيادة في أعداد المتقاعدين.

وتكشف بيانات مكتب إدارة شؤون الموظفين أن متوسط الوقت اللازم لمعالجة طلبات التقاعد ارتفع من 79 يوماً في أكتوبر 2025 إلى 109 أيام في يوليو 2026.

دفعت الأزمة وكالة المخابرات المركزية إلى زيادة عدد الموظفين العاملين في قسم التقاعد، والاستعانة بأشخاص لديهم خبرة سابقة في معالجة هذه الملفات.

وأكدت الوكالة أنها تعمل على تسريع صرف المستحقات، مشددة على التزامها بضمان حصول الموظفين الذين خدموا في صفوفها على حقوقهم في أسرع وقت ممكن.

وفي الوقت نفسه، دافعت الوكالة عن توجهها الجديد تحت قيادة مديرها جون راتكليف، مشيرة إلى أن الإدارة تركز على إعادة توجيه موارد CIA نحو مهمتها الأساسية في جمع المعلومات الاستخباراتية، وأنها عينت مؤخراً أكبر دفعة من ضباط العمليات منذ عقدين.

لكن التأخير في صرف المعاشات يضيف مشكلة جديدة إلى عملية إعادة الهيكلة، في وقت تحتاج فيه الوكالة إلى الحفاظ على ثقة موظفيها الحاليين والسابقين.

وحذر مسؤولون سابقون من أن استمرار الأزمة قد يحمل مخاطر تتجاوز الجانب المالي، إذ إن موظفي الاستخبارات السابقين يمتلكون معرفة حساسة وأسراراً قد تجعلهم أهدافاً محتملة لأجهزة استخبارات أجنبية.

وبالنسبة إلى المتقاعدين، تبقى المشكلة أكثر مباشرة: انتظار أشهر للحصول على الأموال التي استحقوها بعد سنوات من الخدمة، في وقت لا توفر فيه الحكومة آلية قانونية تتيح تسريع صرف المستحقات، ولا تدفع فوائد عن التأخير.

وهكذا، تحولت موجة تقليص الحكومة الفيدرالية إلى اختبار صعب لقدرة وكالة المخابرات المركزية ومكتب إدارة شؤون الموظفين على إدارة واحدة من أكبر موجات التقاعد التي شهدتها المؤسسات الأمريكية في السنوات الأخيرة.