سوسيولوجية الاستراتيجية التوراتية لليمين المتطرف في الضفة الغربية
بقلم: د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
تمهيد
إن ما يجري في الضفة الغربية لم يعد يمكن تفسيره باعتباره مجرد توسع استيطاني محدود أو سياسة أمنية عابرة، بل أصبح أقرب إلى إعادة تشكيل شاملة لوظيفة الأرض في الوعي السياسي والديني الإسرائيلي. فالاستيطان يتحول تدريجياً من مشروع هامشي تقوده جماعات أيديولوجية إلى ممارسة تدخل في صميم السياسة اليومية للدولة والمجتمع.
ومن هنا تبرز ضرورة دراسة ما يمكن تسميته “سوسيولوجية الاستراتيجية التوراتية لليمين المتطرف”؛ أي البحث في الكيفية التي تتحول بها النصوص والأساطير والذاكرة الدينية إلى سلوك سياسي، وإلى تصور للملكية والسيادة والوجود.
أولاً: من الاستيطان إلى حسم سؤال الملكية
يمكن قراءة السياسة الإسرائيلية الراهنة في الضفة باعتبارها محاولة للانتقال من إدارة الصراع إلى حسم الصراع على الأرض.
والأخطر أن فكرة السيطرة لم تعد محصورة في المجال العسكري، بل تتجه إلى توسيع حضور المؤسسات المدنية والأمنية والاستيطانية في إدارة الأرض، بما يجعل الضفة جزءاً من الحياة السياسية والإدارية الإسرائيلية اليومية.
وهنا يصبح السؤال المركزي: هل نحن أمام احتلال يسعى إلى إدارة أرض مؤقتة، أم أمام مشروع يسعى إلى إعادة تعريف الأرض باعتبارها جزءاً من المجال القومي والديني الإسرائيلي الدائم؟
ثانياً: الضفة في المخيال التوراتي
إن جزءاً مهماً من اليمين الديني الإسرائيلي لا ينظر إلى الضفة الغربية باعتبارها مجرد “أراضٍ متنازع عليها”، وإنما يستخدم تسمية يهودا والسامرة، وهي تسمية تستدعي مباشرة الجغرافيا التوراتية.
وهنا تظهر قوة الذاكرة الدينية في إنتاج الشرعية السياسية.
فالأرض، في هذا الوعي، ليست مجرد مساحة جغرافية؛ إنها أرض موعودة، وأرض آباء، وأرض عهد. ولذلك فإن التنازل عنها لا يُفهم سياسياً فقط، بل يمكن أن يُقدَّم باعتباره تنازلاً عن جزء من الهوية والوجود.
هذه النقطة بالذات تفسر لماذا أصبح الاستيطان بالنسبة إلى قطاعات من اليمين الديني أكثر من مشروع عمراني: إنه فعل استعادة رمزية للتاريخ.
ثالثاً: سفر يشوع وإعادة إنتاج نموذج الفتح
تستدعي بعض التيارات الدينية القومية الإسرائيلية روايات العهد القديم، ومن بينها روايات سفر يشوع، بوصفها جزءاً من الذاكرة التي تصوغ علاقتها بالأرض.
لكن يجب هنا التمييز علمياً بين النص الديني القديم وبين توظيفه السياسي المعاصر. فالمشكلة ليست في وجود النص التاريخي أو الديني بحد ذاته، وإنما في تحويله إلى برنامج سياسي معاصر يمنح جماعة بشرية حقاً مطلقاً في أرض يسكنها شعب آخر.
وعندما تتحول رواية دينية قديمة إلى آلية لتبرير السيطرة الحديثة، فإننا ننتقل من الذاكرة الدينية إلى الأيديولوجيا السياسية.
رابعاً: من القبيلة القديمة إلى الجماعة الاستيطانية الحديثة
يمكن أيضاً ملاحظة تشابه بنيوي ــ لا تاريخي حرفي ــ بين صورة الجماعة القبلية القديمة وصورة بعض الحركات الاستيطانية الحديثة.
فالجماعة الاستيطانية تعيد إنتاج نفسها من خلال:
الجماعة المغلقة والمتماسكة.
الشعور بوجود خطر دائم.
الإيمان برسالة تاريخية.
إنتاج رموز مقدسة للأرض.
تحويل الدفاع عن الجماعة إلى واجب أخلاقي.
ربط الحاضر بالماضي التوراتي.
ومن هنا يصبح المستوطن ليس مجرد فرد يسكن في مستوطنة، بل عضواً في جماعة أيديولوجية ذات رسالة تاريخية متخيلة.
خامساً: من المقدس إلى السياسي
إن الحديث عن تابوت العهد، والهيكل، وأرض الميعاد، ومدينة القدس، وغيرها من الرموز، يكشف أن جزءاً من الصراع لا يدور حول الجغرافيا وحدها.
إنه صراع على المعنى المقدس للمكان.
وهنا تكمن إحدى أخطر وظائف الدين عندما يدخل المجال السياسي: يتحول المكان من أرض قابلة للتفاوض إلى أرض مقدسة غير قابلة للتنازل.
وبذلك يصبح التسوية السياسية أكثر صعوبة؛ لأن ما يراه السياسي مساحة للتفاوض قد يراه المؤمن الأيديولوجي جزءاً من أمر إلهي لا يجوز التنازل عنه.
سادساً: السابع من أكتوبر وإيقاظ العقل الاستيطاني
كان هجوم السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحول عميقة في الوعي الإسرائيلي.
ومن الخطأ اختزال تأثيره في المجال العسكري فقط. فقد أحدث صدمة أمنية ونفسية وسياسية عميقة، وأعاد إلى الواجهة شعوراً إسرائيلياً بالخطر الوجودي.
وفي ظل هذه الصدمة، اكتسبت التيارات الأكثر تشدداً قدرة أكبر على تقديم نفسها بوصفها صاحبة الإجابة على سؤال الأمن والوجود.
ومن هنا يمكن القول إن السابع من أكتوبر لم يصنع العقل الاستيطاني، لكنه أعاد تنشيط بعض أكثر عناصره تطرفاً.
فبدلاً من أن يؤدي الانهيار الأمني إلى البحث عن تسوية سياسية، استطاع اليمين الديني القومي أن يقرأه باعتباره دليلاً على أن التنازل عن الأرض والاعتماد على التسويات قد فشلا.
وهكذا انتقل السؤال من:
كيف نصل إلى السلام؟
إلى:
كيف نضمن السيطرة والأمن والردع والامتلاك؟
سابعاً: الانقسام الفلسطيني والبيئة الإقليمية
يتغذى المشروع الاستيطاني أيضاً من البيئة السياسية المحيطة به: الانقسام الفلسطيني، وضعف النظام العربي، الانقسامات الإقليمية، الحرب في أوكرانيا، الصراع مع إيران، وتعدد الأزمات الدولية.
في مثل هذه البيئة، تصبح القضية الفلسطينية أكثر عرضة للتهميش الدولي، ويجد المشروع الاستيطاني مساحة أوسع للحركة.
لكن التاريخ يعلمنا أن الفراغ السياسي لا يبقى فراغاً؛ فإذا لم تملأه استراتيجية وطنية فلسطينية موحدة، ملأته استراتيجيات الطرف الآخر.
ثامناً: من إسرائيل الكبرى إلى أزمة إسرائيل الكبرى
وهنا أصل إلى استنتاج مختلف.
قد يبدو أن المشروع الاستيطاني يسير نحو إسرائيل أكبر جغرافياً، لكن التوسع الجغرافي لا يعني بالضرورة زيادة القوة الاستراتيجية.
فكلما اتسعت رقعة السيطرة، اتسعت معها:
الكلفة الأمنية.
الكلفة الاقتصادية.
الكلفة الدبلوماسية.
الكلفة الديموغرافية.
الكلفة الأخلاقية والقانونية.
وأعباء إدارة الصراع الدائم.
ومن هنا يمكن أن يتحول حلم إسرائيل الكبرى إلى أحد أسباب إنتاج إسرائيل الأكثر انكشافاً والأكثر كلفة.
تاسعاً: إسرائيل بين الوظيفة والكلفة
إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح على مراكز التفكير الأمريكية والغربية ليس فقط: ماذا تقدم إسرائيل لحلفائها؟
بل أيضاً:
كم أصبح ثمن إسرائيل بالنسبة إلى منظومة مصالحهم؟
فإذا أصبحت تكلفة الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي والدبلوماسي لإسرائيل أكبر من العائد الاستراتيجي الذي تحصل عليه القوى الداعمة لها، فإن العلاقة تدخل مرحلة إعادة الحساب.
وهذا لا يعني بالضرورة انهيار التحالف الأمريكي ــ الإسرائيلي، ولكنه يعني أن معادلة الكلفة والمنفعة يمكن أن تتغير تاريخياً.
وهنا أستحضر، من خلال دراستي لتاريخ الحملات الصليبية، حقيقة تاريخية أساسية: فلسطين لم تكن أرضاً سهلة على المشاريع الإمبراطورية والدينية التي حاولت امتلاكها بالقوة. فالحملات الصليبية انتهت، وبقيت فلسطين.
عاشراً: إسرائيل الكبرى أم إسرائيل الصغرى؟
إنني لا أطرح هنا تنبؤاً حتمياً، بل فرضية تاريخية واستراتيجية.
فإذا استمرت إسرائيل في تحويل القوة العسكرية إلى مشروع توسع جغرافي، واستمرت في إنتاج صراع مفتوح مع الفلسطينيين والعالم العربي، فقد تجد نفسها أمام مفارقة تاريخية:
كلما سعت إلى توسيع مجالها الجغرافي، ازدادت حاجتها إلى القوة لحماية هذا المجال، وكلما ازدادت حاجتها إلى القوة، ارتفعت كلفتها على حلفائها.
ومن هنا يمكن أن يظهر مستقبلاً اتجاه معاكس لفكرة إسرائيل الكبرى: إسرائيل أصغر جغرافياً، أكثر انكفاءً، وأكثر اعتماداً على الحماية الخارجية، وأقرب في وظيفتها الجيوسياسية إلى نموذج دولة صغيرة محاصرة بالبيئة الإقليمية، وليس إلى دولة إقليمية مهيمنة.
ولهذا استخدمت تعبير “من إسرائيل الكبرى إلى إسرائيل الصغرى”، لا باعتباره وصفاً جغرافياً حرفياً، وإنما باعتباره احتمالاً لتحول في الوظيفة الاستراتيجية.
الخاتمة: فلسطين هي اختبار العقل الإسرائيلي
إن جوهر المسألة ليس في قدرة إسرائيل على احتلال المزيد من الأرض، وإنما في قدرتها على إنتاج فلسفة وجود قابلة للاستمرار.
وإذا كان العقل الاستيطاني التوراتي يرى أن وجوده يتطلب السيطرة على الضفة، فإن العقل الاستراتيجي البراغماتي قد يصل إلى النتيجة المعاكسة: أن استمرار إسرائيل نفسها يتطلب قيام دولة فلسطينية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
قد تكون الدولة الفلسطينية، في نهاية المطاف، ليست تنازلاً إسرائيلياً للفلسطينيين، بل شرطاً من شروط بقاء إسرائيل نفسها.
فالسلام الفلسطيني ــ الإسرائيلي ليس بالضرورة مشروعاً لإنهاء إسرائيل، كما يصوره اليمين المتطرف، وإنما قد يكون الطريق الأكثر واقعية لإنقاذها من التحول إلى مشروع دائم الحرب، دائم الكلفة، ودائم الارتهان للحماية الخارجية.
ومن هنا فإن معركة المستقبل ليست فقط معركة على الأرض؛ إنها معركة بين عقلين:
عقل يرى الأرض ملكية مقدسة لا تقبل التقسيم، وعقل يرى أن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد فوق أرض متنازع عليها ومن دون تسوية مع الشعب الذي يسكنها.
وفي هذه المفارقة تحديداً ستتحدد ملامح فلسطين وإسرائيل في القرن الحادي والعشرين.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2