جاري التحميل...

بين ثقافة الشعب وثقافة النخبة: جدل الهوية والمعنى:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

إنّ الحديث عن الثقافة ليس مجرد وقوف عند ظاهرة اجتماعية أو منتوج معرفي وفنّي، بل هو الغوص في جوهر الوجود الإنساني، حيث تتجلّى علاقة الإنسان بذاته وبجماعته وبالعالم. وإذا كان الفيلسوف الفرنسي بول ريكور يرى أنّ الهوية هي “سردية تُبنى عبر الذاكرة والتأويل”، فإنّ الثقافة الشعبية تمثل المخزون السردي العميق للشعوب، فيما تمثّل الثقافة النخبوية أو العالِمة ممارسة عقلانية تسعى إلى تقعيد المعنى وتنظيم الرؤية.
_ ثقافة الشعب: الذاكرة الحيّة والروح الجمعية.

الثقافة الشعبية، أو ما يسميه أنطونيو غرامشي بـ”الحسّ المشترك”، هي التعبير اليوميّ عن الروح الجمعية، من أمثال وأغانٍ وأساطير وحكايات وممارسات، وهي نتاج بيئة أنثروبولوجية عميقة تُخفي وراء بساطتها شيفرات رمزية وجمالية. ولذا فإنّ إهمالها زمناً طويلاً من قِبل المجتمعات لم يكن إلّا انعكاساً لاعتبارها جزءاً من الطبيعيّ واليوميّ، حتى جاءت الحداثة لتفصلها عن “العادة” وتضعها في خانة التراث القابل للدراسة والتثمين.
لقد نبّه المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى أنّ الثقافة الشعبية ليست مجرد فولكلور، بل هي “العمق اللاواعي الذي تتغذى منه الثقافة الرسمية ذاتها”. وبذلك فهي ليست على الهامش، بل في صميم تشكيل الهوية الجماعية، حتى وإنْ كانت النخب تنظر إليها نظرة دونية أحياناً.
_ثقافة النخبة: العقلنة والتمثيل الرمزي:

أما ثقافة النخب، فهي التعبير المنهجي الواعي عن الفكر والفنّ والبحث، وغالباً ما تُصاغ بلغة عقلية نقدية، تسعى إلى الارتقاء بالذائقة وفتح آفاق جديدة أمام المخيلة الجمعية. هي الثقافة التي وصفها إدوارد سعيد بأنها “ثقافة المثقف الملتزم”، الذي يعلو فوق الانتماءات الضيقة ليؤسس أفقاً إنسانياً نقدياً.
لكن الخطر يكمن حين تنفصل ثقافة النخب عن وجدان الشعب، فتصبح محض ترف معرفي، أو سلطة رمزية مغلقة على ذاتها، في حين أن مهمتها الجوهرية –كما يرى بيير بورديو– هي “إعادة إنتاج المجتمع في صورة أرقى من وعيه العفويّ”.
_جدل العلاقة بين الشعبي والنخبوي:

ليست ثقافة الشعب والثقافة النخبوية ضدّين متناحرين، بل هما قطبان في جدل الهوية. الأولى تمنح الجذور والدفء الرمزي، والثانية تمنح العقلنة والقدرة على النقد والتجاوز. وحين يختل التوازن بينهما تظهر إشكاليات خطيرة: فإذا استبدّ التبجيل بالشعبي دون وعي نقدي، وقعنا في أسر نوستالجيا الماضي وانغلاق على التقاليد؛ وإذا استبدّت النخبة بعقلانيتها المنفصلة عن الوجدان الجمعي، تحولت إلى برج عاجيّ يُنتج قطيعة معرفية بين “المثقف” و”الناس”.
لقد بيّن طه حسين أنّ الثقافة الشعبية “روح الأمة”، لكنّه أكد في الوقت نفسه أنّ النخب مدعوّة إلى تهذيبها وتطويرها لتصبح ثقافة تنويرية لا مجرد ترديد للموروث. وهنا يكمن التوازن الضروري: الاعتراف بالثقافة الشعبية كحاضنة للهوية، وفي الوقت ذاته العمل على عقلنتها وإغنائها عبر ثقافة النخب.
_ نحو أفق جديد للثقافة:
إنّ المطلوب اليوم هو مصالحة بين الشعبي والنخبوي، مصالحة تنبني على ما يلي:
_1. تأويل الثقافة الشعبية لا كحنين إلى الماضي فقط، بل كمعطى رمزي يمكن إعادة إنتاجه في سياقات معاصرة (كما فعلت السينما والمسرح والفنون التشكيلية حين استلهمت الموروث الشعبي).
_ 2. تجذير ثقافة النخب في الواقع الاجتماعي، بحيث لا تبقى نخبوية منعزلة، بل تشتبك مع قضايا الناس وتتحول إلى قوة تغيير نقدي.
_ 3. تحرير العلاقة بين الثقافتين من الاستغلال السياسي والاقتصادي، الذي يحوّل الثقافة الشعبية إلى سلعة سياحية، والثقافة النخبوية إلى أداة هيمنة أيديولوجية.
_ 4. بناء مشروع وطني جامع يجعل من الثقافة الشعبية أساساً للذاكرة، ومن الثقافة النخبوية أفقاً للعقل النقدي، ليتشكّل في النهاية وعي حضاري متوازن.
_خاتمة:
إنّ ثقافة الشعب هي نَفَس الهوية، وثقافة النخبة هي عقلها النقدي، وبينهما يتحدد مصير الأمم. وقد آن الأوان أن نكسر الثنائية الصراعية بينهما لنقيم جسراً من التأويل والحوار. كما قال جمال حمدان: “الأمة لا تقوم إلا بوجهين: وجه شعبي يرسّخ الجذور، ووجه نخبوي يفتح على المستقبل”. تلك هي المعادلة التي تحفظ للأمم بقاءها، وتمنحها القدرة على مقاومة الاستلاب والاستعمار والتفكك.