جاري التحميل...

تقدير موقف: بين توسع الحرب واستمرار الهدوء المتأرجح

عماد أبو عواد
مقدمة
تشهد المنطقة توترًا متزايدًا على عدة جبهات، وسط احتمالات متباينة بين تصعيد واسع النطاق أو استمرار تهدئة مؤقتة ومتأرجحة وسط مقاومـــة محدودة في بعض المناطق. فمع دخول عام 2025، تبرز سيناريوهات مختلفة حول مستقبل الصراع، خاصة في ظل السياسات الإسرائيلية التي تميل نحو التوسع العسكري والتموضع في بعض المناطق واستمرار احتلالها، والتحديات الإقليمية التي تعيد رسم المشهد السياسي والأمني.
يستند هذا التقدير إلى تحليل معطيات الواقع الحالي، ويرجّح أن سيناريو توسع الحرب أكثر احتمالًا، نظرًا لمجموعة من العوامل أبرزها: اتساع نطاق العمليات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، استمرار الضربات على سوريا ولبنان، والأزمات الداخلية في إسرائيل التي قد تدفع الحكومة نحو تصعيد إضافي. في المقابل، يبقى هناك احتمال ضعيف لاستمرار الهدوء المؤقت، مدفوعًا ببعض الترتيبات الإقليمية والدولية، لكن دون حلول جذرية للصراع، أو إبر تخديرية قادرة على الصمود لفترة متوسطة أو طويلة.
السيناريو الأول: توسع الحرب وتصاعد الصراع
تشير الدلائل إلى أن إسرائيل تتجه نحو توسيع عملياتها العسكرية في أكثر من جبهة، بناءً على عدة عوامل داخلية وخارجية، مما قد يؤدي إلى اشتعال مواجهة إقليمية واسعة، قد تمتد لتشمل ساحات مختلفة، حيث تشعر إسرائيل بالنشوة لقدرتها على احداث خروقات مستمرة على كافة الجبهات، لكن هذه بحد ذاتها وصفة لنهاية تفجر الصرّاع.
1. تصعيد العمليات العسكرية في سوريا ولبنان
خلال السنوات الأخيرة، كثّفت إسرائيل ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة مواقع يُعتقد أنها تابعة لإيران وحزب الله. ومع تصاعد التوترات، تعمد حالياً إسرائيل إلى توسيع عملياتها وسيطرتها على مناطق في سوريا وكذلك استمرار سيطرتها في بضع نقاط لبنانية مع استمرار:
• شن غارات جوية أكثر كثافة داخل العمق السوري، شملت منشآت حيوية وربما مستقبلاً قيادات عسكرية بارزة، وصحيح إلى الآن لا يوجد رد فعل سوري لكن لا ضامن لاستمرار ذلك، في ظل ارتفاع المطالبات المحلية في سوريا بالتصدي للعدوان الإسرائيلي، ما قد ينشأ عنه بداية ردود فعل من قبل جماعات مسلحة وصولاً إلى تطور المواجهة وارتفاعها.
• تنفيذ عمليات محدودة أو استهداف مواقع لحزب الله في لبنان، مما قد يؤدي إلى رد فعل قد يتطور إلى مواجهة أوسع حتى من تلك التي كانت سابقاً خاصة إذا ما تطورت الأحداث على جبهات أخرى.
• الضغط المستمر باتجاه تفجير التصعيد مع إيران وتوجيه ضربة محتملة لمنشآتها النووية، ما قد يُسهم برد فعل إيراني وبالتالي احتمالية المواجهة الشاملة ترتفع.
2. رفض الحلول في قطاع غزة واستمرار التصعيد
رغم الضغوط لإيجاد حلول طويلة الأمد في غزة، تمضي إسرائيل في نهج التصعيد العسكري:
• استمرار العمليات العسكرية داخل القطاع بهدف “القضاء على البنية التحتية للفصائل الفلسطينية”.
• رفض أي مبادرات تهدف إلى إرساء تهدئة دائمة، خاصة تلك التي تمنح حـــ.ـماس أي دور سياسي أو أمني مستقبلي، في ظل اشتراط ابعاد قيادات حمساوية للخارج في عرض وسيناريو مستحيل التطبيق.
• تكثيف الضغوط الاقتصادية والحصار، مما قد يدفع الأوضاع نحو انفجار جديد.
3. توسع الصراع في الضفة الغربية وانهيار محتمل للسلطة الفلسطينية
الوضع في الضفة الغربية لا يقل خطورة، حيث تتزايد التحديات أمام السلطة الفلسطينية:
• العملية العسكرية شمالي الضفة الغربية وتهجير عشرات آلاف السكان الفلسطينيين، ومنهجية التدمير التي ترافق هذه الحملة.
• استمرار وتيرة الاستيطان وتوسيع المستوطنات بشكل غير مسبوق، مما يؤدي إلى مزيد من التوترات والمواجهات.
• تصعيد الاعتقالات والمداهمات الإسرائيلية، مما يدفع إلى تبلور حالة من المواجهة وردة الفعل الفلسطينية خاصة على شكل العمليات الفردية.
• تراجع نفوذ السلطة الفلسطينية واحتمالية انهيارها، مما قد يخلق فراغًا يؤدي إلى اندلاع انتفاضة جديدة.
4. أزمات الحكومة الإسرائيلية كدافع للتصعيد
تمر إسرائيل بأزمة سياسية حادة، حيث تعاني حكومة بنيامين نتنياهو من ضغوط داخلية هائلة:
• احتجاجات داخلية على سياسات الحكومة، خاصة فيما يتعلق بالحرب على قطاع غزة، لجنة التحقيق الرسمية، واستعادة الأسرى من قطاع غزة، وما يرافقه من محاولات إعادة التعديل القضائي.
• تصاعد نفوذ الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تدفع نحو سياسات أكثر عدوانية ضد الفلسطينيين.
• محاولات نتنياهو للهروب من أزماته السياسية عبر استمرار التصعيد العسكري الذي يعزز تماسك حكومته.
التوقيت المتوقع للتصعيد
تشير المعطيات إلى أن التصعيد الكبير قد يبدأ خلال صيف 2025، حيث تكون الظروف السياسية والعسكرية أكثر نضوجًا لمثل هذا السيناريو. كما أن هذه الفترة ستشهد تراجعًا نسبيًا في الضغوط الدولية، ما قد يسمح لإسرائيل بالمضي قدمًا في خططها التصعيدية دون قيود كبيرة.
السيناريو الثاني: استمرار الهدوء المؤقت
رغم مؤشرات التصعيد، هناك احتمال للوصول إلى هدوء نسبي، ولو بشكل مؤقت، اعتمادًا على عدة عوامل قد تحدّ من اندلاع مواجهة شاملة.
1. وجود رؤية إقليمية لترتيب أوضاع قطاع غزة
• هناك مساعٍ دولية وإقليمية لمحاولة إيجاد صيغة لإدارة غزة، قد تشمل ترتيبات تتعلق بإعادة الإعمار وتخفيف الحصار.
• احتمال قبول إسرائيل بحلول “تجميلية” ومسار سياسي ترقيعي في الضفة الغربية للحفاظ على مكتسباتها وزيادة مساحة التطبيع، دون تقديم تنازلات حقيقية.
2. احتواء التصعيد في سوريا ولبنان
• قد تتراجع إسرائيل عن خطواتها المتبعة حالياً في لبنان، مع بقائها في نقاط معينة داخل لبنان، دون وجود احتكاك عسكري.
• استمرار إسرائيل في البقاء في مناطق محدودة في الساحة السورية، مع انسحابها من المناطق التي دخلتها خلال الأيام الأخيرة، ما يُعطي انطباعاً أنّ هناك اكتفاء إسرائيلي بالسيطرة على خط فاصل، وهذا ما قد يدفع سوريا لابتلاع ذلك في ظل واقعها الداخلي الذي يحتاج لسنوات من العمل لإعادة ترميمه.
• استمرار الوساطات الدولية، خاصة من الولايات المتحدة وفرنسا، للحفاظ على حالة الاستقرار النسبي.
3. الحفاظ على الوضع القائم في الضفة الغربية
• قد تحاول إسرائيل الإبقاء على السلطة الفلسطينية ككيان ضعيف لكنه قائم، لتجنب الفراغ الأمني.
• تدخلات أمريكية أو إقليمية لمنع انهيار السلطة الفلسطينية وإبقاء الأمور تحت السيطرة، وتراجع إسرائيلي عمّا أقدمت عليه مؤخراً شمالي الضفة.
________________________________________
لماذا سيناريو التصعيد هو الأوفر حظًا؟
رغم احتمالات استمرار الهدوء المؤقت، إلا أن المعطيات ترجّح كفة التصعيد للأسباب التالية:
• إسرائيل ليست معنية بحلول سياسية حقيقية، وتفضل فرض الأمر الواقع عسكريًا.
• الأزمات الداخلية تدفع الحكومة نحو التصعيد، لتجنب الانهيار السياسي.
• عدم وجود ضغوط دولية كافية لإجبار إسرائيل على التهدئة.
• الفراغ الأمني المحتمل في الضفة الغربية قد يؤدي إلى مواجهات كبيرة لا تستطيع إسرائيل احتوائها بسهولة.
خاتمة
بينما يبدو سيناريو التهدئة المؤقتة ممكنًا على المدى القصير، فإن الاتجاه العام يشير إلى تصعيد متزايد قد يصل إلى ذروته خلال صيف 2025. هذا التصعيد قد يشمل توسع العمليات العسكرية في غزة والضفة، وارتفاع وتيرة الضربات على سوريا ولبنان، ما قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية أكبر.