قراءة نقدية من منظور إبستيمولوجي في سردية النضال الفلسطيني
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
تمهيد
أقرأ كتاب الدكتورة غانية ملحيس، بأجزائه الثلاثة ومقالاته المئة والسبعين، بوصفه وثيقة فكرية وسردية توثق لمرحلة مفصلية من مراحل العمل الوطني والنضالي الفلسطيني. وقد وجدت في مقالاتها ونثرياتها السردية مادة غنية تستحق القراءة والنقاش، لأنها لا تكتفي بوصف الحدث، وإنما تحاول أن تمنحه معنى تاريخياً ومعرفياً، وأن تعيد مساءلة المسار الفلسطيني من خلال التحولات الكبرى التي عاشها شعبنا.
ومن هذا الموقع الأكاديمي، أتفق مع الدكتورة غانية في كثير من المحاور والمضامين التي تناولتها، وأثمّن جهدها في جمع وتوثيق وتحليل تجربة فلسطينية شديدة التعقيد.
كما أنني استنرت، في بناء هذه القراءة، بما كتبه الدكتور عبد الرحيم جاموس حول الدكتورة غانية وكتابها، واطلعت على رده الغني والقوي، وهو جهد يُشكر عليه، لكن قراءتي تنطلق من رؤيتي الخاصة ومن اشتغالي الفلسفي والسوسيولوجي على القضية الفلسطينية وتاريخها الوطني.
لكنني أختلف مع الدكتورة غانية في أطروحتها التي ترى في 7 أكتوبر/طوفان الأقصى بدايةً لتصويب اعوجاج التاريخ الفلسطيني.
وهنا تحديداً تبدأ المسألة الإبستيمولوجية.
أولاً: هل كان السابع من أكتوبر قطيعة مع الماضي؟
إذا أردنا أن نقرأ التاريخ قراءة معرفية عميقة، فعلينا ألا ننظر إلى الحدث بوصفه لحظة منفصلة عن شروط إنتاجه التاريخية.
إن السابع من أكتوبر لم يأتِ من فراغ، ولم يولد خارج التاريخ الفلسطيني، ولم يقطع مع مسار النضال الوطني الفلسطيني، بل جاء، بصرف النظر عن الموقف السياسي من نتائجه وأساليبه، استمراراً لتاريخ طويل من الكفاح والمقاومة والاستشهاد والتضحيات التي قدمتها الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة منذ بدايات القرن العشرين.
لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمناً هائلاً من أجل وجوده.
آلاف مؤلفة من الشهداء، وعشرات الآلاف من الجرحى والأسرى والمعتقلين، ومئات الآلاف ممن اقتُلعوا من أرضهم، وصولاً إلى النكبة الكبرى التي أدت إلى اقتلاع نحو ثمانمئة ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم وبيوتهم.
فإذا كان التاريخ الفلسطيني قد عرف، طوال هذه العقود، كل هذا الدم وهذه التضحية وهذه المقاومة، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو:
متى يصحح التاريخ اعوجاجه؟ ومن يستطيع أن يصحح هذا الاعوجاج؟
هل يستطيع حدث واحد، مهما بلغت قوته وصداه، أن يمحو قرناً من التاريخ الفلسطيني؟
أم أن التاريخ لا يُصحَّح بالقطيعة معه، وإنما بإكمال مساره نحو الغاية التي ناضل الفلسطينيون من أجلها؟
ثانياً: التاريخ لا يُصحَّح بإلغاء الذاكرة
إنني أتحفظ فلسفياً على فكرة أن التاريخ الفلسطيني كان أعوج، وأن حدثاً واحداً جاء ليقومه.
فالتاريخ الفلسطيني ليس خطاً مستقيماً بالضرورة، ولكنه أيضاً ليس تاريخاً منحرفاً ينتظر لحظة الخلاص.
إنه تاريخ شعب حاول أن يحافظ على وجوده في مواجهة الاقتلاع، وأن ينتقل من حالة التشرد إلى حالة الفعل التاريخي.
ومن هنا فإن تصحيح اعوجاج التاريخ، في تقديري، لا يكون بإلغاء ما سبقه، ولا بتحويل الماضي النضالي كله إلى مرحلة خاطئة، وإنما بتحويل التضحيات السابقة إلى نتيجة تاريخية وسياسية وإنسانية.
والتصحيح الحقيقي للتاريخ الفلسطيني يبدأ عندما يعود اللاجئون إلى وطنهم، وعندما تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، وعندما تنتهي حالة الحرب والصراع والاقتلاع.
التصحيح الحقيقي هو أن ينتقل الوجود الفلسطيني:
من الخوف إلى الأمان،
ومن القتل إلى الحياة،
ومن الاقتلاع إلى الاستقرار،
ومن السجن إلى الحرية،
ومن المخيم إلى الوطن،
ومن الشتات إلى الدولة.
هنا فقط يمكن القول إن التاريخ بدأ يتجاوز مأساة الماضي.
ثالثاً: فلسطين بين الوجود المهدد والوجود الدائم
لقد كان جوهر المأساة الفلسطينية أن الفلسطيني ظل، لعقود طويلة، يعيش وجوداً مهدداً: وجوداً قابلاً للاقتلاع، والاعتقال، والقتل، والنفي، والمصادرة.
لذلك فإن الغاية النهائية للنضال ليست أن يبقى الفلسطيني في حالة حرب أبدية، وإنما أن يتحول وجوده من وجود مقاوم مهدد إلى وجود وطني دائم ومستقر داخل دولته ووطنه وأرضه.
وهنا تكمن المسألة الفلسفية الكبرى:
هل نريد أن ننتصر على الآخر فقط، أم نريد أن ننتصر أيضاً على المنفى والشتات والخوف والموت؟
بالنسبة لي، الانتصار الفلسطيني التاريخي الحقيقي هو أن يستطيع الفلسطيني أن يعيش في وطنه آمناً حراً، وأن يعود اللاجئ إلى أرضه، وأن تصبح فلسطين دولة ذات سيادة، وأن يصبح السلام قائماً على العدالة والحقوق.
السلام الذي أراه ليس سلام الاستسلام، ولا سلام إلغاء الآخر، وإنما السلام العادل الذي يضمن الحقوق للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي على أرض واحدة، ويضع حداً لمنطق الحرب الدائمة.
رابعاً: فتح وتحويل الفلسطيني من اللاجئ إلى الفاعل التاريخي
وهنا لا بد من التوقف أمام الدور التاريخي لحركة فتح.
إنني أختلف بشدة مع بعض القراءات التي يحاول أصحابها، وخصوصاً بعض أطياف اليسار الفلسطيني، ومن بينها بعض الأصوات في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أن تنتقص من عظمة الفعل الفتحاوي في التاريخ الفلسطيني.
قد نختلف مع فتح في سياساتها، وقد ننتقد بعض مراحلها وقراراتها، وهذا حق مشروع في النقد السياسي والتاريخي، لكن ليس من حقنا أن نمحو الدور التاريخي الذي قامت به.
لقد أحدثت فتح تحولاً عميقاً في الوعي الفلسطيني.
لقد نقلت الفلسطيني من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.
من طوابير اللاجئين التي تنتظر السكر والرز والطحين والمساعدة، إلى طوابير الثورة التي تحمل السلاح وتتدرب عليه، وهي تحمل في وعيها فكرة العودة والتحرير والوطن.
لقد أعادت فتح بناء الفلسطيني باعتباره ذاتاً تاريخية وسياسية.
وهذا، في تقديري، أحد أهم التحولات في التاريخ الفلسطيني المعاصر.
خامساً: فتح وإعادة فلسطين إلى الجغرافيا
لم تكن فلسطين بالنسبة إلى فتح مجرد ذكرى أو قضية لاجئين أو مأساة إنسانية.
لقد أعادت فتح فلسطين إلى الجغرافيا السياسية والمادية والتاريخية.
أعادت اسم فلسطين إلى الخطاب السياسي العالمي، وأعادت الفلسطيني إلى مركز القضية باعتباره صاحب حق وصاحب أرض وصاحب قضية.
ومن هنا فإن لفتح حقاً تاريخياً في الطلقة الأولى، وفي السردية الأولى، وفي الرواية الأولى التي أعادت فلسطين إلى قلب الفعل السياسي الفلسطيني والعربي والدولي.
وقد تكون هناك روايات متعددة للنضال الفلسطيني، ولكن تعدد الروايات لا يعني إلغاء البدايات.
ولا يمكن بناء سردية وطنية جديدة من خلال إسقاط الذاكرة الوطنية السابقة.
سادساً: عيلبون والرصاصة التي كسرت صمت المنفى
كانت عيلبون أكثر من عملية عسكرية في الذاكرة الفتحاوية.
كانت إعلاناً بأن الفلسطيني لم يعد يريد أن يعيش مجرد موضوع في كتب اللجوء والنكبة، بل يريد أن يصبح ذاتاً فاعلة في التاريخ.
الرصاصة التي انطلقت من عيلبون لم تكن مجرد طلقة في فراغ.
كانت طلقة سياسية ورمزية وتاريخية تقول:
إن هناك شعباً حياً.
شعباً يريد العودة.
شعباً يريد حقوقه.
شعباً يريد وطنه.
شعباً يريد أن ينتصر على المنافي والشتات.
ومن هنا أقول إن فتح ليست مجرد تنظيم من تنظيمات الحركة الوطنية الفلسطينية؛ إنها جزء أساسي من البنية التاريخية التي أعادت إنتاج الشخصية الفلسطينية السياسية المعاصرة.
ولهذا أصفها، في سياق هذه القراءة، بأنها أم التاريخ الوطني الفلسطيني المعاصر، لا بمعنى احتكار التاريخ أو إلغاء الآخرين، وإنما بمعنى الدور التأسيسي الذي أدته في تحويل الفلسطيني من موضوع للنكبة إلى فاعل في صناعة التاريخ.
سابعاً: لا قطيعة إبستيمولوجية كاملة
إن الحديث عن قطيعة إبستيمولوجية مع الماضي يحتاج إلى حذر شديد.
فالقطيعة الإبستيمولوجية، بالمعنى الفلسفي، لا تعني مجرد وقوع حدث ضخم؛ إنها تعني تحولاً عميقاً في بنية المعرفة والمفاهيم والأدوات التي نقرأ بها الواقع.
أما في الحالة الفلسطينية، فإن 7 أكتوبر لا يمكن فصله عن النكبة، ولا عن عيلبون، ولا عن الثورة الفلسطينية، ولا عن الانتفاضتين، ولا عن الأسرى، ولا عن الشهداء، ولا عن اللاجئين، ولا عن القدس، ولا عن مسار منظمة التحرير الفلسطينية.
إنه حدث جديد داخل سلسلة تاريخية متصلة.
وقد يكون حدثاً مفصلياً، وقد يعيد تشكيل كثير من المعادلات، وقد يفتح مرحلة جديدة، لكن ذلك لا يعني أن ما سبقه كان مجرد تاريخ معوج ينتظر التصحيح.
فالحدث لا يلغي التاريخ.
والحاضر لا يستطيع أن يعيش دون ذاكرة.
والمستقبل لا يُبنى على أنقاض الماضي، بل على نقده واستيعابه وتجاوزه.
ثامناً: أين يكون التصحيح الحقيقي؟
إذا أردنا أن نبحث عن اللحظة التي يمكن أن نصفها فعلاً بأنها تصحيح لاعوجاج التاريخ الفلسطيني، فعلينا أن نبحث عنها في مكان آخر.
التصحيح يبدأ عندما يعود الفلسطيني إلى أرضه.
عندما تنتهي حالة الاقتلاع.
عندما تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة.
عندما تكون القدس الشرقية عاصمة لها.
عندما يُعالج ملف اللاجئين معالجة عادلة.
عندما يتحول السلاح من أداة للبقاء إلى ذاكرة تاريخية.
عندما ينتقل الفلسطيني من حالة الطوارئ الوجودية إلى حالة الاستقرار الوطني.
وعندما يتحول الصراع من منطق الإلغاء المتبادل إلى منطق الاعتراف المتبادل بالحقوق.
هناك فقط يمكن أن نقول إن التاريخ الفلسطيني بدأ يصحح مأساته.
خاتمة: لا نحتاج إلى إلغاء التاريخ كي نصنع المستقبل
إن اختلافي مع الدكتورة غانية ملحيس ليس اختلافاً مع قيمة كتابها ولا مع أهمية الجهد الذي بذلته في توثيق مرحلة مفصلية من التاريخ الفلسطيني.
بل إن قيمة الكتاب، في رأيي، تكمن تحديداً في أنه يفتح باباً واسعاً للنقاش حول معنى التاريخ الفلسطيني، ومعنى المقاومة، ومعنى التحول، ومعنى المستقبل.
لكنني أرى أن 7 أكتوبر لم يصحح اعوجاج التاريخ الوطني الفلسطيني؛ بل دخل هو نفسه في هذا التاريخ، وأصبح جزءاً من سلسلة طويلة من المقاومة والتضحيات والصراعات والتحولات.
والواجب علينا، كأكاديميين ومثقفين، ألا نحول التاريخ إلى معركة بين حدث وحدث، أو بين جيل وجيل، أو بين تنظيم وتنظيم.
بل علينا أن نقرأ التاريخ الفلسطيني باعتباره تراكماً حضارياً ونضالياً ومعرفياً.
فتح لها موقعها التاريخي.
والجبهة الشعبية لها موقعها.
وحماس لها موقعها.
والجهاد الإسلامي له موقعه.
وكل القوى الوطنية الفلسطينية لها صفحاتها في هذا التاريخ.
لكن لا يجوز أن تتحول الخلافات السياسية إلى محاولة لمحو الأدوار التاريخية لبعضنا بعضاً.
إن فلسطين أكبر من التنظيمات، وأعمق من الأحداث، وأقدم من كل الفصائل.
والتاريخ الفلسطيني، في جوهره، هو تاريخ شعب يقاوم لكي يتحول من موضوع للنكبة إلى ذات تاريخية، ومن لاجئ إلى مواطن، ومن منفى إلى وطن، ومن خوف إلى حرية، ومن وجود مهدد إلى وجود دائم.
وهنا ألتقي مع الدكتورة غانية في ضرورة إعادة قراءة التاريخ، وأختلف معها في نقطة المنطلق:
التاريخ الفلسطيني لم يكن أعوجاً كي يصححه السابع من أكتوبر؛ بل كان تاريخاً مؤلماً ومقاوماً ومتراكماً، وما زال ينتظر لحظته الكبرى: لحظة العودة، والدولة، والقدس، والحرية، والسلام العادل.
وعندما تتحقق هذه الغايات، عندها فقط نستطيع أن نقول إن الفلسطينيين لم يصححوا حدثاً في التاريخ فحسب، بل صححوا موقعهم في التاريخ نفسه.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2